بالأمس قلنا ان الطيب محمد الطيب عليه الرحمة كان من البُحّاث العِظام الذين يستصحبون في الرصد والتوثيق المعارف المتداخلة في التنقيب عن الفنون والممارسات والظواهر الشعبية رغم مفارقته للتعليم النظامي مبكراً! ولم يكن عطاؤه بأقل من حملة شهادات الفولكلور، ولا نتاجه أقل دسماً من أعمالهم إن لم يكن هو أنشطهم في نقل المعارف والفنون الشعبية إلى الجمهور العريض عبر الإذاعة المسموعة والمرئية والصحف والمنتديات واللقاءات الإجتماعية المنتظمة والتلقائية! وقلنا إن ميزته أنه لم يكن منكفئاً على عشيرة أو ثقافة أو جهوية وهذه تُحفظ له؛ لأنها كانت ملمحاً متجاوزاً إذا قست خلفية الرجل الريفية القُحّة بإخلاصه في التعرّف على الآخر (بحياد سويسرى) ولكن في ولع وإعجاب ورحابة!

ووقفنا عند تنوّع ما نقله أستاذنا الطيب من ثقافة شعبية (مادية وشفاهية) وما أفاض في بيان مضمونه ومناخاته وأدائياته من دوباي وأشعار وأمداح ومسادير، ومن أغاني الزرّاع وأهازيج الفرح والنداءات المنغومة خلال العمل والفزعة و(المرحاكة) والمناحات والزار وجلسات البرامكة والجابودي والجراري والهوهاي والشاشاي وكرير الطنابرة ودندنات الهدندوة.. الخ دعك من التصانيف التي قام بتأليفها في مثابرة وعلى شظف من العيش؛ مثل المسيد والإنداية وفرح ود تكتوك والدوباي والإبل والهمباته و(بيت البكا) وتراث الحمران والمناصير والبطاحين..إلخ
لو أنصف الناس في جمع مجمل ما أنتجه هذا الرجل لكان في ذلك نموذج يضاهي منجزات اليونسكو!! فما قدمه تعجز عنه المؤسسات ذات الأذرع الطويلة والفرق البحثية ذات التمويل الجزيل! ومن شواهد ذلك الذخائر التي جمعها عبر العطاء الممتد في برنامج ( صور شعبية)!! أنت لا تتجاوز الحقيقة إذا قلت إنه من شاكلة المثقفين العضويين الذي يمشون بين الناس ينقلون إليهم ويأخذون عنهم، وينتجون بذلك أثمن ما يمكن جمعه من رصيد معرفي في مثل بلادنا التي تقوم معارفها في أغلب الأحيان على المشافهة و(الشمارات)!
عندما أفرد الطيب حلقات ممتدة عن (القطار) كشأنه في كل مفردة الحياة السودانية، جعل منه جسراً للتنوع الثقافي والتضامن الوجداني والتآخي الإثني ومعرضاً للفنون والأنس والحكاوي، واستعراضاً للتاريخ والجغرافيا والفنون والمُلح والطرائف.. وكذلك عندما تناول مجتمع الإنداية أو مجتمع الهمباته أو الخلوة..الخ إن الطيب في خدمته للتمازج الوطني القائم على التنوع هو المقابل الموضوعي للمناهج التعليمية الراشدة التي يمكن أن تخدم هذه الغاية!
أذكر أن آخر ما قرأته له في زاوية صحفية كان يكتبها كل جمعة، كان تسجيلاً لواقعة تؤكد أن المرأة السودانية كانت ترصد عبر الشعر بعض الوقائع التاريخية التي ربما لم تسجلها ملفات التاريخ الرسمي.. كان الرجل يحكي عن الشاعرة الكباشية التي احتجت على قرار المفتش البريطاني (مور) بمنع رعي الإبل في بعض الأراضي مما تضرر منه الأهالي.. فقالت للمفتش ما معناه إن هذه الإبل "غصباً عنك"سوف ترعى ولو على رأسك: (إبلاً فوقها الجدعه/ فوق الصي منجدعه/ قول لي مور أب صلعه/ فوق مدّاغتك ترعى)!!..



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.