شيء عجيب جدا ؛ فالدنيا لا تعطي حريفا ، ويدي الحلق للما عندو اضان... ؛ لقد حصل البشير على ضربة حظ ما كان ليحلم بها حتى ولو وعدته بها ليلة القدر ؛ لقد انقلب على الحكم الديموقراطي ؛ مع ذلك صمت الشعب في انتظار ما ستحمله اليه جعبة الأيام... العميد البشير الشاب الاربعيني ؛ الذي منحه الصادق المهدي الحكم على طبق من ذهب حين تجاهل الاخير كل التنبيهات والتحذيرات باقتراب الانقلاب ؛ ولا ادري لماذا؛ ربما لأن حكم الدولة في مناخ ديموقراطي كان اكبر من قدرات الامام ؛ ربما كان يائسا وربما كانت لديه رؤية أخرى. استولى العميد الشاب على السلطة. سلطة على مليون ميل مربع كأكبر دولة في افريقيا والوطن العربي. دولة ثرية جدا بالموارد الطبيعية ؛ غنية بالمياه والاراضي الزراعية والذهب واليورانيوم والحديد والنحاس والبترول مع ملايين من الماشية والثروة السمكية النهرية والبحرية. ماذا لو؟ ماذا لو كان البشير رجل دولة حقيقي ؟ ماذا لو كان قوميا ، لبراليا ، وغير مؤدلج؟ ماذا لو لم تلتف حوله قطعان ذئاب الاسلامويين ؛ ماذا لو كانت اولى خطواته هي بناء علاقات دولية جيدة ، ماذا لو لم يرفع شعارات عدائية ضد امريكا وروسيا ودول الخليج ، ماذا لو اتبع خط المجتمع الدولي في حرب الخليج ، ماذا لو لم يتبنى التنظيمات المتطرفة والشخصيات الارهابية ككارلوس وبن لادن والظواهري وتنظيم القاعدة ...الخ ، ماذا لو كان قظ اهتم فقط كدكتاتور مستنير بالانتاج والتنمية ، ماذا لو عقد مؤتمرات دولية وعربية بشأن دعم الاستثمار في السودان (في وقت كان العالم كله يحترم السودان ويوقره) ، ماذا لو استقطب الرأسمال العالمي ؛ وبدأ في عمليات الانتاج والتنمية الاقتصادية ، وعقد اتفاقيات مع جون قرنق ومنح الجنوب حكما فدراليا ، ودعا المجتمع الدولي لرعاية هذه الاتفاقية ؛ ولم يقم بتحويل الحرب الاهلية الى حرب دينية مقدسة ، افضت الى منح جون قرنق مبررا اخلاقيا بزعم العنصرية. 

ماذا لو اهتم البشير بتكوين مؤسسات الدولة الادارية والخدمية والعدلية القانونية ، وماذا لو استن مراسيم جمهورية لدعم المواطنة ومنع التمييز على اساس عرقي أو ديني ، وسن مراسيم اخرى لدعم المساواة أمام القانون وللتوزيع العادل للثروة والتنمية المتوازنة والمستدامة. ماذا لو انضم الى حلف الناتو وحصل على دعم للقوات المسلحة السودانية من هذا الحلف ومن ثم تطوير وتأهيل امكانيات القوات المسلحة ، ماذا لو قام بدعوة الدول الافريقية المحيطة بالسودان الى مؤتمرات عاجلة تمهيدا لانشاء تحالف اقتصادي واستطاع ان يردم الفجوة بين ارتريا واثيوبيا . ماذا لو تحالف مبكرا مع المجتمع الدولي في مكافحة الارهاب ، وماذا لو قام بالتعاقد مع الشركات التكنولوجية العالمية لنقل التكنولوجيا الى الداخل ، ودعم الزراعة والصناعة منفتحا على دول وشعوب العالم دون ان يثير اي مشاكل مع العالم.
ربما كان البشير حينها سيكون اعظم رئيس دكتاتور مستنير مر بتاريخ السودان. لكنه للاسف كان -كغيره من الرؤساء دموقراطيين ام عسكريين- أقل قدرة من حكم دولة المليون ميل مربع.
منذ الاستقلال ؛ حصلت النخب الطائفية على دولة واسعة كانت اكبر من حجمها ، وكانت هذه النخب ذات العقلية التجارية ، تنظر تحت اقدامها فقط ، المثقفون او من اسميهم بالبروجنسيا لم تكن لديهم خبرات كافية لإدارة دولة بهذا الحجم الضخم. وبحكم السودانيين لأنفسهم بدأت حالة انهيار تتبدى بالافق ، والصراعات والدسائس تنعكس على الدولة باقليمها وشعبها وسلطتها .
لم يأت حتى اليوم رئيس هو رجل دولة ولا حتى نخب يمكن ان نعتبرهم رجال دولة ؛ كانوا مجرد مسرحيين هزليين مدعين وببطولات من ورق واصحاب طموحات شخصية ضيقة. لم يستطع من حكموا السودان التأسيس لدولة ، بل اهتموا بالتأسيس لحزب او طائفة او ايدولوجيا لا يفهمونها. والعميد البشير جاء في ظل هذا المناخ ؛ رجلا من الهامش ، يحمل مفاهيم شديدة الشعبوية ، كالجهاد ومحاربة امريكا وتمكين الاخوان وخلافه... بالاضافة الى رواسب ثقافية متأصلة لدى الهامش تؤثر بشكل واضح على فهم معنى الدولة الحديثة دون ان نغفل العقلية العسكرية التي لا تؤمن سوى بمنطق القوة لا قوة المنطق.
خسر البشير فرصة عظيمة لبناء دولة عظيمة ، لكن خسارة الرؤساء لا تؤثر فقط عليهم انها تؤثر على شعوبهم وعلى دولهم وعلى سيادة هذه الدول واحترام العالم لها. ثلاثون عاما من الفشل وقصر النظر وضيق الافق وانعدام الخبرة ، وتهافت القرارات والانانية والاستحواذية ؛ فخسر الجميع ، لكن ان كانت خسارة البشير او خسارتنا كشعب كبيرة بسببه فإن خسارة دولة بحجم السودان هي الكارثة بحق... ها نحن اليوم نتحول الى متسولين ، وها هي دول العالم تحتقر دولتنا ، وها هو جوازنا السوداني لا يعترف به لدى الدول الأخرى ، وها هي حدود الدولة تتآكل بالاحتلالات والنزاعات والحروب الأهلية ، وهاهي مؤسسات الدولة يديرها منعدمي الاهلية والمؤهلات والخبرة من الفاقدين التربويين واللصوص.
ماذا لو عاد بنا الزمن ثلاثين عاما وحصل ما نتمناه هنا ، لكن الزمن لا يعود ، بخيره وشره ، وعندما تضيع الاوطان فلا يفيد بعدها البكاء على اللبن المسكوب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////