تعرضت في المقال الأول لقضية الانتخابات من ناحية عامة، ثم أوضحت ان انتخابات 2020 لا تشكل أولوية حاليا للقوى السياسية، لأنها تواجه بمهام آنية عاجلة تتعلق بمعاش الناس وبوضعها كقوى معارضة. وفي المقال الثاني ناقشت آراء الداعين للمشاركة والرافضين لها. وفي هذا المقال سأبدأ تحليل أزمات الحركة النقابية، التي يعتقد الكثيرون ان دورها لا مكان له في واقع السودان السياسي الراهن، ولذلك يبحثون عن بدائل أخرى لإنجاز التغيير.

أواجه في الندوات العامة التي أشارك فيها، ان اجاوب على السؤال أعلاه. وحتى في المناقشات الفردية مع ذوي الاهتمام بالشأن العام السوداني. معظمهم يضعها بالصيغة أعلاه، وآخرون يؤكدون بان النقابات ماتت وشبعت موتا. وبعضهم يضعها بصيغة هل عاد للنقابات أي دور في حياتنا؟ في هذا المقال سأبدأ بمقدمة مختصرة جدا عن الحركة النقابية السودانية، ثم اتعرض بالمناقشة لما حدث للنقابات منذ انقلاب الجبهة الإسلامية في 1989. ولكيلا يكون المقال طويلا سأتعرض لصمود النقابيين ،وبداية تقدم العمل النقابي ومستقبله في المقالة القادمة.

مدخل:
تميزت الحركة النقابية السودانية، عن الحركات النقابية في العالمين العربي والأفريقي، انها اسست من قبل العمال أنفسهم، بعيدا عن وصاية السلطات الحاكمة او الاحزاب السياسية. هذه الحقيقة ادت لتشكيل هويتها واسلوب عملها، فنشأت منذ البداية حركة ديمقراطية ومستقلة ومصادمة. تلك السمات حددت مسيرتها وأعطتها مكانة وطنية متميزة، ولكنها في نفس الوقت جلبت لها عداء الحكومات والطامحين في السيطرة عليها.

لعب بعض خريجي مدرسة الصنائع دورا قياديا في انشاء لجنة تمهيدية وتحولت دارهم، بمدينة عطبرة، لمقر لنشاطهم النقابي. وتوسعت الدعوة وانتظمت الاجتماعات وتم اعداد مذكرة لإدارة السكة الحديد تطالب بالاعتراف بها والتعامل معها كتنظيم نقابي. ماطلت الادارة وتهربت من الرد وادعت انها لن تتعامل مع اللجنة لأنها لا تمثل العاملين. قرر العمال تسليم مذكرة بموكب عمالي بعد ساعات العمل الرسمية لتأكيد دعمهم وتأييدهم لقيادة لجنتهم. مارست السلطة العنف ضد العمال واعتقلت قياداتهم فتقرر اضراب فورى لكل عمال السكة الحديد. صمد العمال واغلق اضرابهم شبكة النقل الحديدي التي تعتمد عليها الدولة الاستعمارية. قررت السلطة احتواء مطلب العمال بكيان بديل عن طريق تقديم مشروع اخر يتمثل في قيام لجان استشارية في مختلف الوحدات تحت الادارة المباشرة لمدراء تلك الوحدات الانجليز ولكن العمال رفضوا ذلك المشروع بشدة وأصروا على لجنتهم النقابية المستقلة. بعد النجاح التام للإضراب بدأت السلطة تتراجع وتمت مفاوضات بمشاركة وفود من الخرطوم، واخيرا تقرر اجراء استفتاء حول شرعية اللجنة فجاءت النتيجة بالإجماع لصالح اللجنة. وهكذا انتزعت شرعيتها بدعم جماهيري قوى وصارت الممثل الشرعي لعمال السكة الحديد. أدت هذه التجربة لتشكيل وجهة العمل النقابي في السودان واسلوب ادارته وتفكيره: مستقلا مصادما وديمقراطيا. وظهر ذلك جليا في ثورة أكتوبر وانتفاضة ابريل.
بعد هذا المدخل المختصر، نأتي للسؤال الذي يواجهنا كثيرا هذه الأيام: ماذا حدث للحركة النقابية ولماذا تراجعت وهل ماتت وشبعت موتا كما أدعى البعض؟ وهل تخطاها الزمن كما ادعى آخرون؟ وهل علا الصدأ مؤسساتها وصار صوتها لا يسمع رغم التدهور المريع في مستوى معيشة العاملين؟ وهل سيكون لها أي دور في عملية التغيير الآتية؟

سنحاول، للإجابة على الاسئلة اعلاه، ان نناقش العوامل القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي ادت الى او شكلت الواقع الراهن للنقابات، ونقيم أو نحدد دورها فيما الت اليه الحركة النقابية حاليا:

اولا: التشريعات والقوانين: قامت الانقاذ منذ يومها الاول بحل النقابات وفرضت لجان تمهيدية من اعوانها او من الراغبين في تقديم خدماتهم لها. وتقدمت خطوة في مخططها المعادي للعاملين بتنظيم ما سمى بمؤتمر الحوار النقابي في 1992، والذي لم يكن حوارا نقابيا بل كان بصما على قرارات، معدة سلفا في مكاتب اللجنة السياسية. اهم قرارات المؤتمر هي اجراء تغيير شامل في طبيعة العمل النقابي بإدخال ما عرف بنقابة المنشأة، وحددت هياكل ادارية جديدة، وغيرت من تركيبة النقابات العامة، وفرضت على النقابات ان تدعم الدولة وليس العاملين الذين تمثلهم. كل ذلك جعل من توحيد العاملين في مهنة واحدة عملية شبه مستحيلة وذلك لان النقابة الواحدة تضم عدة فئات ذات شروط خدمة مختلفة ومطالب مختلفة واولويات مختلفة.

وفى عام 1992 شرعت السلطة لما اخرجه مؤتمرها، فأصدرت قانون النقابات لسنة 1992، اسوأ قانون للنقابات في تاريخ السودان، الذي فرض قيودا قاسية على حرية العمل النقابي. استنكرته المنظمات النقابية المحلية والعالمية وحتى مكتب العمل الدولي التابع للأمم المتحدة لتعارضه مع المواثيق النقابية الدولية خاصة ما يتعلق منها بالحقوق النقابية. وفى نفس الإطار جاءت قوانين النقابات لسنة 2005 و2010.

ثانيا: تصفية القطاع العام: قامت السلطة بتصفية القطاع العام عن طريق بيع مؤسساته، او الغائها بجرة قلم او تفتيتها وتقليصها او تتبيعها للمؤسسات العسكرية او تحويلها لشركات أقرب للشركات الخاصة. تصفية القطاع العام شكل ضربة قوية للنشاط النقابي وذلك لفقدان النقابات لمواقع نفوذها وتأثيرها ومعظم قواعدها. كما صاحب الخصخصة تشريد جماعي للعاملين وفى مقدمتهم النقابيين.

ثالثا: عسكرة الاقتصاد: قامت الانقاذ بعسكرة الاقتصاد، وذلك عن طريق منح مؤسسات القطاع العام الرابحة للمؤسسات العسكرية والامنية، بهدف شراء القوات النظامية عن طريق توفير وظائف مجزية لكوادرها العليا وتوفير تسهيلات متنوعة للفئات الاخرى. وتتفاوت تقديرات المؤسسات الاقتصادية للقوات النظامية المختلفة فقد قدرها اقتصادي إسلامي ب 500 شركة تشمل مختلف الانشطة الاقتصادية. ومن الطبيعي ان شركة أو مؤسسة تدار بكوادر عسكرية او امنية او من قبل قيادات الجبهة الاسلامية المدنية الا تسمح بنشاط نقابي مستقل وان سمحت به ففي إطار ديكوري وشكلي لتجميل الصورة امام العالم.

رابعا: التشريد الجماعي: قررت الانقاذ، في إطار سياسة التمكين وتمشيا مع عداء الاسلاميين التاريخي لقوى العاملين، بفصل عشرات الالاف من مختلف المهن والوظائف. وكان في مقدمة من تم فصلهم الاف الكوادر النقابية الاساسية من كل القطاعات والمهن.

خامسا: الهجرة الواسعة: لم يتوقف عداء وحقد الانقاذ على العاملين، خاصة النقابيين منهم، عند الفصل من الخدمة بل لاحقتهم في كل مكان واغلقت جميع ابواب الرزق في وجههم وحاصرتهم اينما حلوا. وهكذا فقدت الحركة النقابية، جراء الهجرة الواسعة لأركان الدنيا الاربعة، كوادر مجربة تمرست على العمل النقابي عشرات السنين وراكمت خبرات تنظيمية لن يسهل تعويضها سريعا.

سادسا: القبضة الامنية الشاملة: تعتمد الاجهزة الامنية التي تدير دولة الانقاذ على عقلية دموية شريرة مبنية على القمع والارهاب والتنكيل بالخصوم، الحقيقيين او المتوهمين، وتعذيبهم بل وقتلهم بدم بارد. خلقت تلك الجرائم حالة من الرعب والارهاب وسط قطاعات من ابناء الشعب السوداني وصار الامان الشخصي اهم اولويات الاسر والانسان الفرد. وفى ظل ذلك الوضع يصبح حشد جماهير العاملين وانتزاع نقاباتهم من السلطة وتنظيم مقاومتهم مهمة عسيرة.

سابعا: اليأس من النقابات: تفاعلت كل الاسباب انفة الذكر مع بعضها البعض وتعقدت بمرور الزمن لتوصل العديد من العاملين، الذين تبقوا في الخدمة، لقناعة سلبية بعدم جدوى العمل النقابي في ظل الوضاع الخانقة، والقبضة الكاملة لعناصر الانقاذ. وهكذا يصبح اقناع مثل هؤلاء بضرورة تنظيم أنفسهم والتصدي لقيادة العمل النقابي مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة.

ثامنا: ضعف وانقسام المعارضة: الضعف الذي تعاني منه المعارضة السودانية وانقسامات احزابها وحركاتها وتعدد مراكزها وتخبط خطابها وعدم تنفيذ وعودها وبرامجها من شاكلة برنامج المائة يوم ادى لإحباط عام يأس وسط السودانيين عامة وخاصة النقابيين منهم.

تاسعا: حرية الاعلام: تمارس السلطة سياسة معادية تماما لحرية الاعلام فرغم احتكارها شبه المطلق لكافة وسائل الاعلام. غياب أي صوت اخر في اجهزة الاعلام يجعل المعلومة ونشرها محتكرا للسلطة فتقوم اجهزتها بتغبيش وعى قطاعات واسعة من المواطنين خاصة إذا علمنا ان تحديد اجندة الاعلام يتم في اجهزة امنية او تحت اشراف امنى محكم.

عاشرا: الازمة الاقتصادية: الازمة الاقتصادية سلاح ذو حدين ففي ظل وجود قيادات نقابية مؤمنة بقضيتها ومستعدة للتضحية من اجلها، تتقدم الصفوف وتنظم وتحشد العاملين للعمل الجماعي المنظم لتحسين شروط خدمتهم واجورهم. اما في ظل التراجع العام وعدم وجود القيادات النقابية المنحازة تماما لحقوق العاملين، يصبح الحل الفردي وبذل كل شيء من أجل الحفاظ على الوظيفة (مهما تدنى اجرها) هدفا اساسيا. يتم ذلك عندما يصبح غول الغلاء بعبعا يهدد العاملين صباح مساء ويجعل عملية اتخاذ خطوات جماعية، في غياب القيادات المخلصة، مسألة صعبة تحفها تهديدات فقد لقمة العيش في ظل انعدام الوظائف وضيق سوق العمل.

كل الاسباب المذكورة اعلاه ساهمت بدرجة او اخرى فيما ال اليه حال الحركة النقابية السودانية في ظل نظام الانقاذ وهنا نأتي لجوهر هذه المقال: هل سيستمر ذلك الوضع؟ بمعنى اخر هل نجاح الإنقاذ في اسكات صوت الحركة النقابية وتتبيعها له وجعلها أحد تروس الة دولته: نهائي ام نجاح مؤقت؟ وهذا هو جوهر المقال القادم.

(نواصل)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.