السودانيون (ناس عجيبين) لهم فهم يصوّر لك الدنيا بكل قضاياها وتحوّلاتها في راحة كفك.. ويمضي وكأنه لم يقل شيئاً.. فهل يظن ناس المؤتمر الوطني إنهم يخدعون الناس بما يقولون ويفعلون؟! السودانيون حصيفون مع إن بلدهم بلد منحوس من حيث إدارته السياسية خاصة في أنظمة الحكم التي تجلس على سدة الحكم على طريقة (أخنق فطّس)..! هؤلاء الأذكياء اللمّاحين تجدهم في أحياء المدن وفي القرى والبوادي.. من تعلّموا في المدارس والمعاهد وغير المتعلمين، وتجد ذلك في (الونسة العامة) وفي (مداعبات الحافلات) وأسمار الافراح والمآتم، وفي الكتابات ورسائل الموبايلات؛ فتجد القصص والسناريوهات والمقترحات والتعليقات والصور والكاراكاتيرات والأشعار..وكلها تصلح لأن تكون رؤوس خيوط لمسلسلات درامية وأوبريتات ومسرحيات ومقالات وروايات وبحوث ودراسات سياسية واقتصادية واجتماعية وفنية وجغرافية وتاريخية ولغوية..إلخ وكما يقول بعض الزملاء إن أفضل من يكتبون لا يعملون في الصحافة والتأليف، وأكثرهم سخرية ليسوا ممثلين، وأحسنهم أصواتاً بعيدين عن الميكرفونات والشاشات والشهرة واحتراف الغناء، وأكثرهم فهماً للسياسة ليسوا من السياسيين! وأكثرهم معرفة بالاقتصاد ليسوا بين وزراء المال ولا هم أعضاء في (القطاع الاقتصادي)... وعلى ذلك قس!! ادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَل

داعي هذا الكلام مقال كتبه مواطن ذيل إسمه بعبارة (مزارع مطري بالقضارف) وما كتبه ينبئ عن علم غزير وأفكار تكاد تضئ (ولو لم تمسسها نار) وهو لا يمنح نفسه من الألقاب غير إنه "مزارع مطري" وهي مهنة ونسبة كريمة.. ولو كان الرجل في بلاد أخرى أو من (المُتنطعين بالداخل) لملأ الدنيا زعيقاً بالألقاب العلمية التي اصبحت عندنا في حكم (السلع البائرة) التي ينادي عليها البائعون بإغراء التسهيلات والتخفيضات صائحين: (اشترى إتنين والتالتة مجانيً)!
كان موضوعه بعنوان: "لمن تقرع طبول حرب المياه؟" ويمكن متابعته في الأسافير فهو يستحق.. وإذا بالرجل يقدم عرضاً تفصيلياً لتنبيه الغافلين على ضفاف حوض النيل ولا ينسى توضيح فوائد وفرص وطنه؛ وهو يقدِّم بمعلومات كثيفة مآلات اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان التي لا تعترف بها معظم دول الحوض، والتي عَفَت عليها الأحداث مع ارتفاع الوعي بين شعوب الحوض وازدياد الكثافة السكانية، ويأخذ القارئ في رحلة مشوقة حول الضفاف والجزر والجسور والسدود من المنابع والأحباس العليا وحتى المصب، ولكنها رحلة تستثير العصب والحواس.. ويعرّج إلى (إتفاقية كيوتو) والتغيير المناخي وتأثيراتهما على الحوض والأنهار، و(ينكش) الرجل الذاكرة الوطنية مذكّراً بلجوء السودانيين الي الجزر أثناء (حملة الدفتردار) الباطشة بعد "حريق المك في قلب الدخيل"!

ولخطورة المسالة يقدم الرجل بتواضع مقترحاته وعلى رأسها إسراع السودان ومصر بالتوقيع على مبادرة دول الحوض، وإعتماد الميزة النسبية للمحاصيل (الأرز بجنوب بالسودان والقمح بمصر والبقوليات بأثيوبيا والموز بيوغندا والذرة الرفيعة بالسودان) وتقسيم أنصبة مياه القاش وبركة مع إرتريا، والتكامل بين القطاع الآلي والمطري، والجدية في برنامج حصاد المياه، ومواصلة حفر قناة جونقلي، والتحذير من البيع والإيجار الطويل لأراضي السودان الزراعية... هذا إذا لم يكن قد فات فيها الفوات (جفت الأقلام وطويت الصحف)!!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.