الإصلاح القَانُوني في سُودان ما بَعد النِزاع
د. سامي عبد الحليم سعيد
إن الدول التي تعايشت مع الحرب الاهليه الطويلة، خرجت من الحرب و هي تعاني من العديد من المُشاكل المُتعلقة بإنهيار البُنية التحتية، و تَدني الخدمات العامة المُتصلة بالصحة العامة و التعليم و الرعاية الإجتماعية، و إنهيار الخدمة المدنية، و تدهور مستوى أداء موظفي الادارة العامة، و إنتشار ثقافة العنف السياسي، الإنقسام المجتمعي الحاد. هناك أيضاً مشاكل أخرى ذات صلة ببيئة النزاعات المسلحة، و ذات صلة بإسلوب الحكم، من بين تلك المشاكل، غياب الإرادة السياسية و عدم إستقلال السلطة القضائية، و ضعف الأمكانات و الموارد، و إنتشار الفساد، و إنتهاكات حقوق الإنسان. بجانب ذلك هناك، مؤسسات و أشخاص، ليسو على إرتباط مؤسسي بالحكومة، و لكنها مؤثرة بشكل كبير في سياسات و قرارات الحكومة، مثل أغنياء الحرب و زعماء المليشيات و شبكات الفساد من شركات و رجال أعمال، و عموماً، كل المستفيدين من حالة التمييز و الإنحراف بالسلطة العامة. هذا الوضع، يؤسس بالنتيجة، لنظام الإفلات من المحاسبة و العقاب، و بالتالي يضع العراقيل الكبيرة أمام أي جهود للإصلاح في نظام سيادة حكم القانون في الدولة.
أصبح الإهتمام بإصلاح النظام القانوني متزايداً في الدول التي كانت تعيش حروبات أهلية. و هذا الإتجاه أيضاً حظي بإهتمام كبير لدى فقهاء القانون و علماء السياسة، لا سيما بعد توقيع إتفاقية السلام الشامل في عام 2005. و بالضرورة، تختلف السياسات و الإستراتيجيات المعتمدة في الإصلاح القانوني في الدول التي تعايشت مع الحروب فترة طويلة، و ذلك بحسب مستوى تأثير الحرب على مؤسسات الدول و النظام العام، فبالتالي تتعدد أنماط تلك الدول فمنها ما يمثل الدولة الهشة أو الدولة المنهارة ، و منها ما يمثل الدولة المتخلفة، لذا فإن الاصلاحات المطلوبة في النظام القانوني في تلك الدول، يعتمد على مقدار تأثير الحرب على مجالات الحرب و السلام، و مؤسسات تطبيق القانون، ومُؤسسات تحقيق الرفاه الإجتماعي.
إن المدخل الصحيح للإصلاح القانوني في تلك الدول - بما فيها السودان - يبدأ من مفاوضات السلام، اذ يظهر الاصلاح القانوني في إتفاقية السلام بوصفها إطار توافقي للسلام، و يتم إستيعابه في إجراءات صياغة الدستور بوصفه الناظم الأعلى للأوضاع القانونية، و في إجراءات تقييم إحتياجات ما بعد الحرب كمؤشر للسياسات الوطنية الواجب تبنيها، و في قرارات مجلس الأمن كإطار للموجهات الدولية، و خطط منظمات المجتمع المدني بوصفها الناظم للحراك الغير رسمي.
أهداف إصلاح النظام القانوني في دول ما بعد النزاع المسلح
هناك العديد من الأهداف الواضحة التي تسوقها هذه الورقة، لإجراء إصلاحات جوهرية في بنية النظام القانوني في سودان ما بعد النزاعات المسلحة. و من أبرز تلك الأهداف و أكثرها تأثيراً في بناء العدالة و السلام في السودان، هي أربعة، كما يلي:
1. بناء السلام: السلام و الأمن من المسائل المهمة التي يتوافق حولها أطراف الحرب في وثيقة يعلنون من خلالها عزمهم في بناء السلام من خلال وسائل يتفق حولها. و بالتالي إن أي إنتهاك لعناصر بناء السلام و الامن المتفق عليها، يقود من جديد إلى تجدد النزاع المسلح.
من أبرز صور الإصلاح القانوني التي تستهدف بناء السلام في المجتمعات التي تعايشت مع الحروبات الأهلية سنوات عديدة، هي إصلاحات متصلة ببناء نظام للعدالة الإنتقالية، صياغة دستور جديد و تشريعات لإزالة أسباب الحرب و العنف.
2. بناء الديمقراطية: من المهم الإعتناء بالنظام القانوني الذي تتأسس في إطاره مؤسسات الديمقراطية و نظمها ، و تتأتي أهمية ذلك النظام القانوني، من أهمية الديمقراطية للدول التي إنتهت من نزاعات مسلحة طويلة. و من المتطلبات القانونية الأساسية لبناء الديمقراطية الوليدة، هو وضع نظام قانوني جديد، يؤسس لدولة السودان في فترة ما بعد النزاع، و يحمي الحقوق و الحريات، و يجعل سلطات الدولة كلها خاضعة للمساءلة و المحاسبة دون تمييز.
3. التنمية الإقتصادية: إن القانون هو العمود الفقري في تأسيس نظام التنمية في الدولة، لا سيما التنمية الاقتصادية، و يكتسب الاصلاح القانوني أهميته للتخطط الاسترتيجي التنموي، في إنه يتأسس على إزالة التمييز، و يعالج مسائل التفاوت التنموي، كما يدعم الجهود السياسية في بناء السلام و إنهاء حالة الحرب بشكل دائم، و يدمج المجتمعات السكانية التي تأثرت بالحرب، في عملية التنمية المستدامة.
4. الحد من الفقر: يتلاقي التخطيط للحد من الفقر مع خطط التنمية الإقتصادية في الدولة، تحت سقف الإسترتيجية القومية للتنمية. الفقر سمة مُلازمة للمجتمعات التي تعيش ظُروف النزاعات المسلحة و يَرسم الاصلاح القانوني خارطة الطريق نحو الرفاه المجتمعي و للحد من الفقر عبر تَشريعات تحمى حُقوق الفُقراء و تضمن توفير الخَدمات الأساسية دون تمييز.
من المُؤكد أن النظام القانوني الذي ظل سائداَ قبل و إبان النزاعات المسلحة، لم يكن مُؤهلاُ لبناء العدالة و السلام، و إلا ما كان للحرب أن تستمر في دارفور و جنوب كردفان و النيل الأزرق، و ما كان لها أن تشهد الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، و ربما تكون الحرب و النزاع المسلح قد إندلعت في الأساس مناهضةً للنظام القانوني الذي كان سائداً في الدولة.
لذلك، من أهم المَوضُوعات التي ظلت تُحظى بإهتمام كبير، في مرحلة ما بعد توقيع الأطراف على إتفاقية السلام، كانت مَسألة الإصلاح القانوني و المُؤسسي في الدولة.
في مرحلة ما بعد الحرب، يعمل كل هدف من الأهداف أعلاه، بصورة منفردة، مثلما تعمل جميعها بشكل مترابط مع بعضها البعض. و بِحسب تجارب بعض الدُول، نجد أنه حين تتطلب الإصلاحات قَدراً عالياً من تطبيق مبدأ سيادة القانون على كافة المُستويات، نجدها في جانب آخر لا تقوم بتطبيق أعلى مستويات مبادئ حقوق الأنسان. و قد أثبتت التجارب في الدول النامية، أن تطبيق مبادئ سيادة حُكم القانون، لا يمكن أن تتحقق بدون تبنى قواعد حقوق الإنسان، و هذه مسألة يجب التنبُه لها بعدم إجازة قوانين لا تتفق مع المَواثيق الدولية المُتصلة بِحقوق الإنسان.
موضوعات برامج الإصلاح القانوني:
من خلال رصد تجارب عدد من الدول التي كانت تعيش في أوضاع الحروبات الأهلية، نجد أن هناك أهم خمسة أنواع من برامج إصلاح النظام القانوني في الدول النامية التي إنتهت تواً من من النزاعات المسلحة. قد يعتمد السودان بعض او كل هذه البرامج في إجراء الإصلاحات القانونية المراد إجراءها، و ذلك بحسب درجة تأثير الحرب على مُؤسسات الدولة. هذه البرامج هي:
1. الأمن الإنساني
2. إصلاح نظام النزاعات حول الأراضي و النزاعات التجارية ووضع قواعد لتنظيم الإقتصاد
3. حقوق الإنسان و العدالة الإنتقالية
4. الخضوع الفاعل لسيادة حكم القانون بواسطة الحكومة
5. الوصول للعدالة و المساواة أمام القانون.
الأمن الإنساني:
أبان النِزاع المُسلح، من الضَروري أن تكون تَسود حالة العُنف المُسلح والعُنف السِياسي و العُنف الإجرامي و العِدوان على حُريات الأشخاص و حِقوقَهم، و ذلك بسبب أن القواعد القانونية لا تجد طريقها للتنفيذ بسبب إنهيار النظام القانوني. بالإضافة لذلك، في ظل مثل هذا الوضع يبدو الناس مُصابين بالهَلع، و ليس لديهم ثِقة كَبيرة في الحًكومة أو النظام القانوني المُطبق الذي لا يعمل على مُحاسبة مُرتكبي الجَرائم. بالتالي أصبحت من أهم المَوضُوعات التي يَجب مُراعاتها ضِمن التَخطيط لبناء مُؤسسات و نُظم سِيادة حُكم القانون في الدول التي ظَلت تَعيش نِزاعاً مُسلحاً، هو موضوع إنهاء حَالة العنف و مُعاقبة مُنتهكي حِقوق الانسان.
فيما يَتصل بالأمن الإنساني و سِيادة حُكم القانون في زمن النزاع، هناك مُستويان، يمثل كل مستوى مرحلة من مراحل بناء دولة القانون، و هما كما يلي:
الأولى:
الحوجة الآنية، لإستعادة قدر من النظام و سيادة حكم القانون في الدولة، و ذلك، يتطلب إتخاذ تَدابير عَاجلة و فَعالة تَعمل عَلى توفير قَدر من سيادة حكم القانون. و تطبيق هذا القدر من النظام و القانون، يجب أن يأتي في إطار ما يُمكن أن نطلق عليه "إدارة الأزمة" و تهيئة الأوضاع من أجل بِناء السًلام في البلاد، و قد تتطلب الحالة أحياناً إستخدام عدد من التدابير الإنتقالية، التي قد تضطلع بها بعثة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما قد يكون جزءً منها تعيين شرطة دولية و أجهزة دولية لإقرار العدالة بواسطة قُضاة دوليين. هذه كلها ملامح التدابير الإنتقالية لإدارة الأزمة.
هذه المرحلة قد تم تطبيقها على نطاق واسع في العالم في الدول التي شهدت حروباً أهلية، في كمبوديا، و في سيراليون و ليبريا و كسوفوا وهايتي.
الثانية:
و التي يمكن أن نَطلق عليها "مرحلة التنمية" و التي يجب أن تسير بشكل مُتزامن مع "مرحلة إدارة الأزمة"، و الهدف من هذه المرحلة هو تأسيس نظام طويل الأمد لنظام دولة القانون.
و المرحلة الثانية تُعنى بالتخطيط المَدروس لبناء النظام القانوني و ترسيخ السَلام في الدولة، و في ذلك يجب أن تندمج المَرحلة الأولى في المَرحلة الثَانية، بحيث تكون المَرحلة الثانية إمتداد للمرحلة الأولى و مُكمِلة لها، و بحيث تتكاملان في إعادة بناء بيئة القانون بصورة مُستديمة في الدولة، و يجب أن تتضمن خُطط طويلة المدى لمعالجة تفشي حالة العنف و لإنهاء حالة الإفلات من العقاب، و تساعد في وضع لَبِنَات السلام الدائم. هذا يتضمن التخطيط لإصلاح نظام العدالة الجنائية، و الهيئة القضائية و الإدعاء العام، و يشمل أيضاَ، التخطيط للإصلاح القانوني في هذه المرحلة، إصلاح النُظم القانونية التي تَحكم القوات المسلحة و قوات الشرطة و بقية قوات القطاع الأمني.
2. حل النزاعات حول الملكيات:
إن النزاع حول ملكية الأراضي، ظل ملمحاً واضحاً و مؤشرات في تقارير تحليل النزاعات في السودان، و من المؤشر أيضا، إنه و بفضل النزاعات المسلحة و العنف، تتوقف الأعمال التجارية و الإستثمارية، و يهجر المزارعون حقولهم، و رجال الأعمال متاجرهم و مصانعهم. و لإقامة السلام من جديد، يتطلب أن تعود تلك المصالح التجارية و الإقتصادية من جديد لمسارها القانوني الصحيح، و في سبيل ذلك يجب أن يتم إيجاد آلية عاجلة لحل النزاعات المُتصلة بِملكية الأراضي، و إستعادة المُمتلكات. و من الشَائع في الدول التي تَعيش نِزاعات مُسلحة، أن تِستولى المَجموعات المُسلحة، أو بعض المُجموعات الإثنية، على الأراضي، و تَصادر مُمتلكات الأفراد و تَجبُر أصحابها على النُزوح بَعيداً عن أراضيهم و مُمتلكاتِهم.
إن مَسألة نَزع المُمتلكات المُغتصبة و إعادتها لمُلاكها الحَقِيقِيين، مَسألة في غَاية التَعقَيد بالنسبة للمُجتمعات التي خرجت من الحُروبات الأهلية، لا سيما من زاوية القانون الواجب التطبيق، و من حيث تحديد المُلاك القانونيين، و مًستندات الإثبات المُعتمدة، و كذلك من زاوية كَفاءة الهيئآت العَدلية التي يُفترض عليها أن تنظر في مثل تلك المسائل.
تلك التعقيدات المرتبطة بالنزاعات التجارية و الإقتصادية، تمتد لتشمل النزاعات التجارية المتصلة بالإلتزامات التعاقدية كافة، فالمشهود في حالة النزاعات المسلحة، ان العقود التجارية، المتصلة بالنقل و الإنشاءات و تقديم الخدمات، تتوقف بشكل جزئي او بشكل كامل، و تنشأ عن ذلك بشكل تلقائي أوضاع قانونية يستلزم حلها من خلال آليات قانونية كفوءة.
3. حقوق الإنسان و العدالة الإنتقالية:
إن موضوع العدالة الإنتقالية من المَوضوعات المِحورية في سياق مُعالجة أوضاع ما بعد النزاعات المسلحة، و ذلك لمواجهة الأفعال التي سَادت خلال فترة ثقافة العُنف، و يكتسب موضوع العدالة الإنتقالية أهمية لكونة وسيلة لمواجهة ثقافة العنف و الفرار من العدالة و الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حدثت أثناء النزاع، و لكونه أيضاً يُمهد لإجراءات مُعالجة المُجتمع بواسطة المُصالحة و المُساءلة و التَاهيل. و مَرحلة العَدالة الإنتقالية هي مَرحلة مُحددة المدة، غالباً ما تكون لفترة قصيرة. و عند البدء في التَخطيط للعَدالة الإنتقالية، قد يَثُور سُؤال، عما إذا كان من المُمكن إستخدام العَدالة الإنتقالية في إعادة بِناء النَظام العَدلي و تَأهيله؟.
تم إستخدام نظام العدالة الإنتقالية - عبر آليات دولية - في العديد من الدول التي شَهِدت حِروباً أهلية، و كانت بعض تلك التجارب قد إستهدفت المُساهمة في تطور النظام العَدلي في الدولة، ففي المَحكمة الجنائية الخَاصة في سيراليون قد تم إستخدام القَانون الوطني، و القُضاة الوطنيين، و كان لذلك دور كبير في تَأهيل النَظام العدلي الوطني. و كان للمحكمة الجنائية الدولية في رواندا نفس هذا الإتجاه، و لكن أثرها كان مَحدوداً و ليس بصورة شاملة مثلما كان في نظام مَحكمة سيراليون الخاصة.
إن انتهاكات حقوق الإنسان، إبان النزاعات المسلحة، تتخذ صُوراً عديدة شَائعة، من بينها العُنف الجِنسي، تَشريد المُواطنين داخلياً، أو إجبارهم على الهِجرة خارج بلادهم، و تَجنيد الأطفال في الأعمال الحَربية، و الإتجار في النساء و الأطفال. و من الملاحظ، في أوقات الحرب، يكون الإعتداء على حقوق المرأة و حقوق الطفل، من أكثر الانتهاكات شيوعاً بواسطة أطراف العمليات الحربية.
في مجتمعات ما بعد النزاعات المُسلحة، تتطلب حِماية حِقوق الإنسان، إجراء تَغييرات جَوهرية و لازمة، على العَديد من مُستويات الدولة و المُجتمع، حتى تنتج أثرها على المَدى البَعيد.
4. الخضوع الفعال للقانون بواسطة الدولة:
و لما كان من اهم متطلبات مبدأ سيادة حُكم القانون، هو خُضوع الأشخاص العَامة و الخَاصة للقانون، فإن خِضوع الحَاكمين للقواعد القانونية، يكتسب أهمية قُصوى، من زاوية سُلوكهم الفَردي الخَاص، أو من زاوية مُمارستهم لوظيفتهم الحَكومية. يَظل هذا الوضع النُموذجي غائباً في الدول التي تعيش في نزاعات مسلحة، حيث تغيب الإدارة الحكومية المِهنية، و يَسُود بدلاً منها المحسوبية و الفساد و كل نماذج الإنحراف بالسلطة العامة. و المؤسسات و السلطات التي من واجبها مراقبة أداء السلطة التنفيذية، مثل البرلمان، و نظام الرقابة الإدارية (الأمبودزمان)، و السلطة القضائية، و الإعلام و منظمات المجتمع المدني، تكون ضعيفة و مُكبلة بمجموعة من القَوانين و المُحددات، و في الغَالب يَكون وجودها في الأساس، وُجود شَكلي دِيكوري.
و يَجب أن لا يغيب عن الحُسبان، أن البرلمانات المُكونة، بعد توقيع إتفاقيات السلام، و بعد إنتهاء الحَرب، دائماً ما تُعاني مُشكلات مُتصلة بالكَفاءة الديمقراطية و الخِبرة الإجرائية، و السُلطة القضائية في تلك المرحلة قد تكون ضعيفة، حيث تتعرض السُلطة القضائية لعمليات تصفية للقُضَاة الذين إرتبطوا بالنظام الفاسِد، و بالتالي إحلال قُضاة جُدد، هذه العملية تتسبب في إحداث فراغات في الكفاءات و الخِبرة.
و لضمان خِضوع كَافة سُلطات الدولة للقانون، في الدول النامية التي ظلت تعيش نزاعات مسلحة، فإن تغييراً جوهرياً يجب أن يحدث في بنية الحكم في الدولة. هذا التغيير، يتطلب إعتماد سياسات و إستراتيجيات طويلة المدى و أخرى قصيرة المدى، تِتَسم بالمُرونة.
من الضروري أن يشمل هذا الجانب، إصلاحات جوهرية متصلة إصلاحات المؤسسات الأمنية، بما في ذلك الشرطة و الامن و الجيش و قوات الإحتياط. بجانب تعديلات تشريعية تهدف الحد من الاتجار بالسلاح او حيازته بواسطة المدنيين، و وضع سياسات تضمن تسريح المقاتلين و إدماج في المجتمع و المساعدة في تأهيلهم.
5. الحصول على العدالة، و المساواة أمام القانون:
إن الحصول على عدالة فعالة و غير تمييزية، في المجتمعات التي خاضت حروباً اهلية، من الأمور المهمة للغاية في سبيل بناء السلام و الديمقراطية فيها. تكون السلطة القضائية و مؤسسات العدالة الأخرى، في بيئة النزاعات العرقية المسلحة، و التمييز، متأثرة بشكل كبير بتلك البيئة، و تكون مواقفها و قراراتها موضع شك.
إن الإصلاح في نظام العدالة، يتطلب تحليل دقيق لمتطلبات المرحلة اللآحقة للحرب و النزاعات، و بالتالي تحديد أفضل الإسترتيجيات لتحديث مؤسسات العدالة و القوانين و اللوائح المنظمة لأدائها. إن القيام بعملية تحليل الواقع العدلي في تلك الدول، و تحديد أفضل الإستراتيجيات و الخطط الواجبة التنفيذ، قد يمر بمراحل تتباين في طولها الزماني، خاصة أن التنفيذ قد تختلف آلياته من منطقة لأخرى، فالأمور تزداد تعقيدأ حين يتصل الأمر بالتنفيذ في المجتمعات التي أنخرطت مباشرة في بيئة الحرب، حيث تكون مؤسسات العدالة مدمرة بشكل كامل، و يكون المجتمع منقسم عن نفسه بشكل حاد و تسود فيه قيم بعيدة عن المساواة. و على العكس من ذلك، قد يكون التنفيذ سلساً بقدرٍ مُعين حين يكون التنفيذ في الأقاليم البعيدة عن بيئة الحرب.
المؤسسات الرئيسية في قطاع العدالة
على الرغم من أن كل نزاع مُسلح يتسم بسمات خاصة به، تجعله مختلفاً عن غيره من النزاعات في العالم، فإن الترتيبات المُتصلة بإصلاح القطاع العدلي في دُول ما بعد النزاع المُسلح، دائما ما تتخذ قواعد عامة تتشابه من زاوية المَبادئ الواجب تطبيقها، و من زاوية الهدف النهائي المقصُود. و عند ترتيب أولويات الإصلاح قد يضع المصلحون، بعض المؤسسات العدلية على قائمة الأوليات، بحسبان أن إصلاحها يكتسب أهمية أكثر إلحاحاً، مثلما قد تكتسب بعض موضوعات قوانين العدالة أهمية و إلحاحاً على بعض الموضوعات الأخرى.
بالتالي، يجب مراعاة تحليل النزاع و تاريخه، من زاوية تأثيره على قطاع العدالة، بِصورة عِلمية قبل الشِروع في وضع خُطط الإصلاح في قطاع المُؤسسات العَدلية. في العَديد من الأوضاع، نجد أن مُؤسسات حِقوق الإنسان ووكالتها، لا سيما التابعة للأمم المتحدة او المنظمات الإقليمية مثل المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان و الشعوب، تكون قد اصدرت تقارير تحلل النزاعات المسلحة، أوردت العديد من النتائج المفيدة و المتعلقة بتأثيرات النزاع على مؤسسات قطاع العدالة.
المحاكم:
أصدرت الأمم المتحدة العديد من الوثائق التي تُعزز سِيادة حُكم القَانون، مثل المَبادئ الأساسية الخَاصة بإستقلال السُلطة القَضائية، و المَبادئ الخاصة بدور المُحامين، و مُوجهات خَاصة بدور المُدعين العَامين، و التي جَميعها تُعد أدوات مُهمة في التخطيط لتَعزيز مَبادئ سِيادة حُكم القانون في الدول. إلا إنه لم يَصدُر حتى الآن عن الأمم المتحدة وثيقة عَالمية تَقُوم مَقَام خَارطة الطَريق لتعزيز إستقلالية و فَعالية السُلطة القَضائية.
و حتى تؤدي دورها المَنُوط بِها بَعد إقرار السَلام في المُجتمع، تَحتاج المَحاكم، أن تقوم بتقييم لإداراتها و اللوائح المُنظمة لعَمليات تعيين و تأهيل و ترقية القُضاة و المَوضوعات المُتعلقة برواتبهم و حوافزهم و الضمان الإجتماعي و الرعاية الصحية. و عند وضع الترتيبات المتعلقة بالاصلاح الذي يضمن إستقلالية القضاة، يجب الوضع في الإعتبار، عدد من الأمور اللآزمة، من بينها تأهيل و تدريب القضاة، و إنشاء آلية لمراقبة و محاسبة القضاة.
أي مُقترح بِخصوص إنشاء آلية لمُراقبة أداء السُلطة القضائية، يجب أن تهتم بشكل أساسي، بما يلي:
1. المشاكل الخاصة بقدرة السلطة القضائية في حماية حقوق الإنسان.
2. العقبات المتصلة بتطبيق المعايير الدولية في المحاكمة العادلة.
3. رصد الفساد.
4. التدخل السياسي في أعمال المحاكم.
5. الأداء الوظيفي للقضاة.
6. إنعدام الموارد أو قلتها.
يجب أن تضطلع المحاكم بدور مُهم، في حالة الجَرائم المُتميزة التي تُرتكب في سياق النزاع المُسلح. فمن المهم تحديد أدوار للذين يتم تعيينهم في القطاع العدلي بصورة عامة، و في المحاكم بصورة خاصة، بحيث تكون تلك الأدوار متلائمة مع المرحلة التأهيلية التي تمر بها العدالة في الدولة، ، كأن يطلب منهم تقديم النُصح و المُساعدة في تأسيس آليات لمُعَالجة القَضايا المُتعلقة بِجرائم الحَرب و جَرائم ضد الإنسانية و الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان، كما يجب أن يكون بِمقدورِهم تَقديم المَعلومات عن التَحديات التي واجهتها الدول المُماثلة، و التَجارب التي أرستها، لا سيما تلك الخَاصة بتكوين مَحاكم خَاصة، و لجان مُصالحة و برامج تَاهيل و تَطبيق إجراءات ووسائل العدالة التقليدية.
العدالة الجنائية:
إن معظم الإصلاحات التي إستهدفت النظام العَدلي في الدول التي كانت تَعيش في نِزاعات مُسلحة، كانت تُعطي مَسألة إصلاح نظام العدالة الجِنائية إهتماماً خَاصاً، و السبب من ذلك هو وَضع نَظام عَدلِي فعال للمُساهمة في بِناء السَلام و تَحقيق الإستقرار، بعد أن سادت ثقافة العُنف زمناً طويلاً ، غاب فيه مبدأ سيادة حكم القانون.
إن الذين إشتركوا في إرتكاب الجرائم الجسيمة خلال الحرب، يجب أن تَصلهم العدالة، و أن تُزال كل العَقبات التي كانت تَحول دون ذلك، إن من المُهم جِداً للمُجتمع أن يرى العَدالة تُطبق على ما تم إقترافه من جَرائم و إنتهاكات جَسيمة خِلال الحَرب.
عند إعادة بناء مُؤسسات جنائية، بعد إنتهاء الحرب، يجب الوضع في الإعتبار مُعالجة العديد من المَوضوعات، التي كانت من السِمات الأساسية لمرحلة الحرب. و من بينها الجَرائم المُرتكبة ضد النِساء و الاطفال. في تَجارب بلدان مثل سيراليون و سيرالانكا و الكنغو، أسست هذه البلدان وحدات تاهيل نفسي لضحايا الجَرائم التي وقعت إنتهاكاً لحقوق المرأة و الطفل أثناء الحرب.
إن العدالة الجنائية، من أكثر فروع العدالة تأثراً بالحروبات الأهلية، ففي بيئة الحروب التي تتخذ طابعاً قبلياً أو دينياً، أو إثنياً، لا نتوقع أن من العدالة الجنائية أن تكون محصنة من أمراض بيئة الحرب. فالقُضاة الجنائيون، و المُدعون العَامون، و الشُرطة، يتاثرون ببيئة و ثقافة الحرب، فيغلب على أدائهم الوظيفي التمييز و الإقصاء، و بالتالي يتم تدمير إستقلال السلطة القضائية و الشرطة و الإدعاء الجنائي، بعد أن أصبحوا أداة طيعة في يد السُلطة السياسية في الدولة أو القُوى السياسية و الاجتماعية الغالبة الأخرى في الإقليم المَعنِي.
بالإضافة لذلك، تنتشر إجراءات الحصانة من المسئولية الجنائية و بواسطة ترسانة القوانين و اللوائح التي تمنع خضوع عدد كبير من رجال الجيش و الأمن و الشرطة، و كبار موظفي السلطة السياسية و البرلمان للعدالة الجنائية، بينما بالمقابل، تطبق قواعد العدالة الجنائية بصورة إنتقامية و مُشوهة ضد المُؤيدين و المُناصرين للمُعارضة السِياسية أو مُؤيدي الجماعة المسلحة المُناوئة للحكومة.
تكتسب العَدالة الجِنائية أهميتها لكونها تتضمن إجراءات قانونية مَاسة بالحُريات و الحِقوق للأشخاص ، فهي تتضمن إجراءات الحَبس و القَبض و التَفتيش و المَنع من السفر و مُصادرة المُمتلكات. بالتالي، تقدير الإصلاحات المَطلوبة، و المَوضوعات التي يجب أن تخضع للإصلاح، هي أمور يجب تقديرها بكثير من العِناية في بيئة المُجتمعات التي كانت لها تَجربة مع الحرب الأهلية.
حماية الضحايا:
حِماية ضَحايا الجرائم، من ضِمن إجراءات العَدالة الجِنائية، الواجب تَوفرها في الدُول الخَارجة من الحَرب الأهلية. هي أحد عناصر تَمكِين الأشخاص من الوُصول للعدالة، كما إنها عنصر جَوهري في إزالة الإحتقان المجتمعي بتحقيق المُحاسبة و في إنهاء عصر الإفلات من العقاب.
يكون لضحايا إنتهاكات حقوق الإنسان دور أساسي و فعال في إجراءات العدالة الجنائية، هذا الدور بقدر أهميته، يعتمد في توسعه على نوع النظام القانوني المُطبق في الدولة. إن الهدف النهائي من الدور المَأمول القيام به بواسطة الضَحايا، هو تَحديد الجُناة و إقامة العَدالة عليهم، بإتاحة السَبيل للكافة للمُساهمة في تحقيق العَدالة، بما فيهم ضحايا الإنتهاكات، مما يُنهي بالنتيجة حالة الإفلات من العقاب.
إن الإقرار بمعاناة الضَحايا، كتدابير لآحقة للنزاع المُسلح، يُعد جُزءً من الإقرار بالعَدالة الجِنائية و تَأهيل الضَحايا. يؤسس "إعلان الأمم المتحدة بخصوص المَبادئ الأساسية للعَدالة الجِنائية من أجل ضَحايا الجرائم و إساءة السلطة" ، للمبادئ الأساسية للعَدالة و المُعاملة المُنصفة للضَحايا، و لإقرار التعويض و المُساعدة لهم.
يَظهر دور الضَحايا في إرساء العَدالة الجِنائية، بإلحاح عندما يكون الضحايا، هم ضحايا الاتجار بالبشر و الإغتصاب و الإضطهاد الجنسي ضد النساء و الأطفال. أيضاً حين تتصل إجراءات العدالة الجنائية ، بجرائم ذات طابع دولي، مثل جرائم الحرب و جرائم ضد الإنسانية و الجرائم الأخرى التي تقع إنتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، عندها يكون للضحايا دور في إجراءات المحاكمات الجنائية، و يكون للمحكمة أن تقرر ما يُساعد في تأهيل أولئك الضحايا.
لقد إكتسب هذا الإتجاه في الإقرار بدور الضحايا في إرساء العدالة أهمية كبيرة في القانون الجنائي الدولي، لا سيما بعد أبريل 2005، حيث إعتمدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، "المبادئ الأساسية و المُوجهات بِخصوص الحَق في عِلاج و تأهيل ضَحايا الإنتهاكات الجَسيمة للقانون الدُولي لِحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني" .
القانون العرفي و آليات العدالة التقليدية:
بجانب النظام العدلي الرسمي، تقف العدالة التقليدية، عنصراً إضافياً في نظام العدالة في الدولة، لا سيما في دول العالم الثالث التي تلعب فيها الثقافة القبائلية و الأديان و الثقافات المحلية دوراً كبيراً. و تتمتع العديد من الدول بعدد من الإجراءات و القواعد القانونية العرفية التي تسود مجتمعاتها، و تكتسب تلك الإجراءات و القواعد مَشروعِيتها من إحترام السُكان المَحليين لها و من إلتزامهم بِها، مما جعلها تتمتع بِمشروعية في حَل النِزاعات بين السُكان.
عند إعتماد آليات العدالة التقليدية، من المُهم إجراء مُواءمة بين آليات العَدالة الإنتقالية، و المَعايير الدولية للعَدالة، لا سيما حين نُدرك أن بعض نَماذج العَدالة الإنتقالية تتضمن إنتهاكات واضحة لحقوق الإنسان، و أبرزها الإنتهاكات المُتعلقة بمبدأ المساواة بين الرجل و المرأة، و بحقوق الأطفال، كما قد لا تستوعب آليات العدالة التقليدية كل الإنتهاكات بالعقاب. في أفغانستان على سبيل المثال، نجد أن أعراف قبيلة البشتون Pashtun تجعل على أسرة القاتل أن تقدم فتاة يتزوجها أحد أفراد أسرة الضحية .
قدمت رواندا نموذجاً في مُواكبة آليات العَدالة التقليدية مع المَعايير الدولية لحقوق الإنسان، حين إعتمدت نظام مَحاكم (غاكاكا) Gacaca التقليدية في مُحاكمة الجرائم الأقل خطورة التي أرتكبت إبان حرب الإبادة في 1994، و ساهمت تلك الآلية العُرفية في مُحاسبة الجُناة و في تَحقيق التَصالح على مُستوى القُري.
أهمية العدالة الإنتقالية للمرأة
يشهد المدنيون خلال فترة الحرب، إنتهاكات جسيمة، لا سيما النساء، و تحتل إنتهاكات القانون الدولي الإنساني و قانون حقوق الانسان، صدارة تلك الإنتهاكات، و في ذلك تتعرض المرأة للإستهداف من قبل المجموعات المسلحة بصورة منظمة و منهجية، حيث تتعرض النساء في ظل تلك الأوضاع إلى الإغتصاب و التعذيب و الخطف من أجل تدمير كرامة المجموعات العرقية أو من أجل إضعاف الخصوم من خلال تدمير ما يعتقد إنه موطن عزة و كرامة و شرف تلك المجموعة.
من زاوية العدالة الجنائية في مُجتمعات ما بعد النزاع، يَصعب على النظام العدلي السائد، و المُصمم للمجتمعات المَدنية المُستقرة، أن يُعالج إنتهاكات حقوق الإنسان الجَسيمة التي تعرضت لها المرأة في وقت الحرب. و حين نتحدث عن عدم إمكانية قيام القانون السائد لِمعالجة مَوضوعات إنتهاكات حِقوق الانسان المُوجهة ضد المرأة، فإننا نقصد القانون الموضوعي و الإجرائي.
و لمزيد من الشرح في هذا الإطار، إن القانون الجنائي السائد قد تم إقتراحه و إعتماده، في زمن السلم بموجب معطيات مجتمعية و سياسية، توصل اليها واضعو القانون بعد إجراء تحليل و تقييم للأوضاع السائدة في المجتمع المعين، فبالتالي يتم إكتشاف المشاكل التي تعيق إستقرار المجتمع، و كذلك يتم إقتراح المعالجات القانونية الملائمة. أما حالة الحرب و السلوكيات المصاحبة لها فهي جديدة و طارئة و لم تخضع للتحليل و التقييم الذي يتناسب مع ظرف الحرب.
لذا جاءت فِكرة العَدالة الإنتقالية، كمُعالجة مُؤقتة لجرائم و إنتهاكات تَمت في زمن الحَرب و كَجزء من سُلوكيات الحَرب، من خِلال عدالة إنتقالية خاصة بظروف الحرب، و من خلال إنشاء قانون مَوضوعِي إنتقالي و قانون إجرائي إنتقالي و إنشاء مُؤسسات عَدلية إنتقالية.
إن الدور الذي يستلزم على العَدالة الإنتقالية القِيام به من أجل مُعالجة الإنتهاكات التي تعرضت لها المَرأة السُودانية إبان الحَرب، و الآثار النَاجِمة عَنها، ليس فقط تعقب الجناة و معاقبتهم، و توفير إجراءات عَادلة تستطيع من خِلالها المَرأة أن تِستعرض قَضيتها مع إستيعاب لظُروف الحَرب، بل أيضاً لمعالجة الآثار النفسية و الإجتماعية و الصحية التي خلفتها واقعة إنتهاكات حقوق المرأة، و تأهيلها و إعادة إدماجها في المجتمع بوضعية تكفل لها الإحترام. و بالتالي يمكن توصيف تلك العدالة بأنها عدالة إنتقالية بتطبيق يستوعب المساواة النوعية، و يوفر إجراءات عدلية خاصة متى ما إستدعى الأمر ذلك، لمعالجة مواطن القلق لديهم.
في هذا الجانب، الكثير من التجارب المماثلة للحالة السودانية، تبنت إجراءات و تدابير عَدلية، لِمعالجة مَوضوع إنتهاكات حِقوق المَرأة في زمن الحَرب، و لكن ما يجب قوله، بأن الإجراءات العَدلية الإنتقالية، تحتفظ بِصفتها الإنتقالية، بِحيث لا يصح أن تكون هي النسق الدائم للعدالة، كما لا يستوى أن تشمل كل الحَالات، بما في ذلك تلك التي لا تمت بِصلة لأوضاع الحرب و النزاع المسلح.
الخاتمة:
إن بناء العدالة في مرحلة ما بعد الحرب، يتطلب الكثير من الجهد، و ذلك لتأمين معايير عالية من الإستقلالية و الكفاءة، و من أجل إعادة الثقة و الاحترام في المؤسسات العدلية الوطنية، بجانب وضع إستراتيجية لضمان خضوع الكافة للقانون و تطبيقه بصورة نزيهة، و بعدها ضمان مساهمة العدالة في بناء السلام و التعايش السلمي. و تتطلب دواعي، بناء السلام في مرحلة ما بعد النزاع، إستيعاب إجراءات عدلية مبتكرة، تتواءم مع الظروف الإستثنائية التي مر بها ضحايا العنف و النزاع المسلح.
مهما يكن من أمر الإصلاح المطلوب، فإنه بلا شك يتطلب إصلاحا على المستويين، المؤسسي و التشريعي، و على الإصلاح في المستويين أن يتوافق بشكل تام مع معايير حقوق الانسان. إن تجارب عالمية عديدة، في مضمار الاصلاحات القانونية بما يتفق و إستراتيجية بناء السلام، و العديد من تلك التجارب شهدت ظروفاً، في ظل النزاع المسلح و الحروب الأهلية، تتشابه في العديد من جوانبها مع التجربة السودانية، مما يهيئ ظروفاً مناسبة للاستفادة من تلك التجارب، و توطين ما يتناسب من مبادئها، في أي محاولة للاصلاحات العدلية في سودان ما بعد النزاع المسلح.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////