إذا كانت غبراء السودان قد عرِفَتْ في العقود الأخيرة رجالاً شجعاناً إلى حد الجسارة، مع تواضع وزهد؛ فلا يمكنك أن تحسب منهم خمسة يمثلون (أصابع اليد الواحدة) ولا تذكر بينهم (عمر الحسين)! الشاعر الباسل الباحث المحقق راهب التراث الشعبي إبن نوري بل إبن السودان والإنسانية.. فهو يمثل نموذج (الرجل الكوني) فتراه يسير بين حلّال السودان وهو يحمل حقيبة صغيرة فيها كل أملاكه في الدنيا (بطارية يد ومسواك وسبحة وأوراق وعلب دواء وبخّاخة) وكأنه في غدوه ورواحه أحد علماء فلورنسا الأقدمين أو هو معروف الكرخي بين أزقة بغداد!

والغريب أنه ظل طول عمره حتى التقاعد يعمل مصرفياً في (باركليز- الخرطوم لاحقاً.. ولكنه يطلب إجازة (ولو بدون مرتب) من أجل أن يحقق (ديوان حاج الماحي) ثم تنتدبه شعبة أبحاث السودان متفرغاً لأن أي شخص آخر يمكنه أن يعالج أوراق النقد وحسابات عملاء البنك! ولكن من يستطيع أن يخرج للدنيا مثل هذا السِّفر الذي جمع فيه عبر أعوام سبعة ما وسعه من قصائد وفرائد حاج الماحي، وهو يجوب الفيافي والغفار ولا يترك (حجراً لم يقلبه) ولا سمع براوية إلا ورحل إليه، فلم يترك صقعاً في السافل أو الصعيد، علاوة على (طريق الحرير) بين "حلة العِقيدة" منشأ جدود حاج الماحي و"قرية الكاسنجر"! فعرفنا من هذه التحفة الثمينة كيف يكون تمحيص الروايات الشفاهية، وجذور الشاعرية، وأسرار التكوين الفني في بنية قصيدة المديح الشعبية ومصادرها وروادها السابقين مثل (ود حليب وحاج العاقب) ثم يشق حاج الماحي طريقاً يحتار الناس فيه من غزارة علمه وهو الذي لم يكمل حتى دراسة الخلوة! ولكنه لا يغادر أثراً ولا خبراً في السيرة إلا ويضمنّه في مدائحه التي يفوح منها أريج البيئة المحلية!

لعمر الحسين أكثر من ديوان؛ أشهرها (سنابل وسنابك) وربما (اللهيب ورسالة الى كسلا) ولكن هناك قصيدته الشهيرة: (شدولك رِكِبْ فوق مهرك الجمّاح) والتي تغني بها سيد خليفة؛ وكان قد كتبها بعاطفة جيّاشة في أحد جدوده، في حين لم يقصد بها إلا رصد المخايل المطلوبة للإنسان السوداني! ..ولكن ما أحرى أن تكون وصفاً له هو نفسه..الفارس الجحجاح: عينيك يا صقر في الحارة ما بتنوم/ صدرك للصعاب دايماً بعرف العوم/ في وسط الفريق للفارغة ما بتحوم/ لا بتنلام ولا بتعرف تجيب اللوم..إلخ!

للرجل ملحمة طويلة وكأنها من المعلقات بإسم (إلهام) التي رآها في كسلا بعد سنوات في (كهولته وكهولتها).. ولكنها هذه السنوات لم تقطع خيط (إلهامه) الشعري.. ويقول أنه يريد أن يجسّد فيها (رزانة) الجمال السوداني فوصف إلهام هذه بمئات وليس عشرات النعوت!

كان عمر الحسين من أصحاب النظرة السياسية المتقدمة فهو من أنصار الديموقراطية التي تزينها العدالة الاجتماعية، وكان كثير البغض للدكتاتوريات وقد نافح الدكتاتورية الحاضرة التي عاصرها بأقصى ما يمكن (للرجل الواحد) من منافحة.. ولقى في سبيل ذلك ما لقى من عنف وسجن حتى كان ذلك سبباً في ما إنتهى اليه آخر عمره من (غمرات ودوخات) تنتابه من حين إلى حين..إلى أن رحل فجاة وحيداً أثناء نومه.. وفي حقيبته بجانبه مخطوطة شاعر الشايقية الجهير (حسّونة) وعليها آخر لمساته!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.