عندما قررت الحكومة الإستعمارية فى السودان غزو دارفور، كانت بريطانيا منهكة بسبب الحرب العالمية الاولى، ولم تك وزارة المستعمرات قادرة على تمويل ذلك الغزو. بيد أن غلاة الصليبيين من لدن العجوز هدلسون قد أتوا بحيلة جعلت الخديوى الألبانى يتكفل بنفقات الغزو. وكان الفلاحون المصريون المجندون قسريا، هم بيادق بأيدى الأرتاؤوط ، الشراكسة، الترك والإنجليز.

فى المراسلات بين ونجيت باشا، الحاكم العام فى السودان، والسلطان على دينار، ركز الاخير على محاولة المناورة لكسب الوقت ريثما يكمل إستعداده العسكرى لمناهضة المستعمر. وكانت الأسلحة ترد إليه من إيطاليا وألمانيا.وفى ذات الوقت كثف السلطان مراسلاته إلى الشريف الهندى، داعيا إياه على الإتحاد من أجل مناهضة النصارى وإخراجهم من بلاد المسلمين.كما راسل الزوايا السنوسية التى إنتشرت فى السودان الأوسط وغرب أفريقيا وهى قوة كامنة لمناهضة المستعمر والغزو الصليبى.
تحملت مصر الخديوية نفقات غزو دارفور. وكتب أحد الضباط المصريين عن إستعادة أملاكهم (أى دارفور!!!)، والمفارقة أنه هو نفسه ملك للمستعمر الصليبى الذى يرى أن دارفور، وعلى حد قول ثيوبولد: "آخر سلطنة رسالية" أى أنها جهادية وبالتالى لا بد من إجتثاثها لأنها خطر على بقاء المستعمر والنصرانية فى وسط أفريقيا.
تعجل هدلسون وأصر على ملاحقة على دينار حتى تم قتله. وكان الإنجليز يرون أنهم يؤدون واجبا دينيا مسيحيا وهو مفهوم صليبى بامتياز.
كان وقع الإحتلال على دارفور كارثيا، وخاصة على نبلائها الذين كانوا رجال دولة من طرازٍ فريد إستطاعوا إسترداد السلطنة فى فترة وجيزة وبسطوا الأمن فى ربوعها
وفتحت السفارات والقنصليات فى دول الجوار وفى الأستانة.
تعامل الإنجليز بمكرٍ شديد مع نبلاء السلطنة ووجهائها لكى يتم تحطيمهم وإقعادهم عن أداء دورهم الوطنى فى مقاومة المستعمر.
كان أخ السلطان محمد الفضل قد بنى له قصراً فى منطقة منعزلة جنوبى رهد تندلتى الذى يقع وسط الفاشر. وسمى تونق باسى بلغة الفور. وتونق تعنى المنعزل وباسى تعنى أخ السلطان.
وعقب الغزو وسقوط السلطنة قطن هذه المنطقة التى هى أحد أحياء الفاشر العريقة، قطنها أبناء نبلاء ووجهاء السلطنة.
فثمة دار فرج الله منصور آخر خفراء المحمل وأبناؤه سعد والتجانى رحمهما الله. وأبناؤهم ما زالوا هنالك.وعلى مقربةٍ منهم تقع دار أحمد أمين إبن الزعيم أمين وهو من الذين بايعوا على دينار بعد معركة كررى.وكان عالماً وشاعراً، كما كانت أمه صالحية تدرس الموطأ فى (كريو) المدينة التى كانت بمثابة الجامعة التى تخرج منها العلماء والحفظة.
وإلى جوارهم تقع دور أحفاد القائد عبدالجبار قمرالدين الرجل المهيب وذو المكانة العلية عند السلطان وفى السلطنة.وقد برز إسمه فى الحملات على غرب دارفور فى المعارك ضد سلطنة المساليت بقيادة تاج الدين أندوكا،الذى سجل فى التاريخ أنة القائد الأفريقى الوحيد الذى هزم الإمبراطورية الفرنسية. ومسجلاً فى ذات الوقت حقيقة أنَ السودانيين هزموا ثلاث إمبراطوريات هى التركية، البريطانية والفرنسية.
وقد قاد عبد الجبار الحملة على الفكى سنين فى كبكابية آخر معاقل المهدية وعلى كاجا سرج.وهو جد البروفسور محمود موسى محمود والأستاذ ومربى الأجيال محمد موسى محمود الرجل الأكثر نبلاً وأحتراماً وقد مضى إلى عليائه هذا العام عليه رحمة الله.
وعند شط "رهد" الفاشر على مسافةٍ ليست ببعيدة من دار قمر الدين إسماعيل تمتد دور أحفاد محمد السيد المشهور بود السيد وهو صائغ السلطان على دينار الذى أرسله له الباب العالى، وكان رجلاً وقوراً مقلاً فى الكلام وكانت له جنينة ملحقة بداره أدخل فيها الشادوف وزرع الخضر والنخيل وبقى أحفاده بسيرتهم العطرة ودماثة خلقهم وكانت حرمه حاجة "كنتوشة" أول قابلة قانونية أماً للجميع وكانت إمرأة فى غاية التهذيب غمرت الجميع بعطفها.
وفى ذات الحى يسكن أحفاد الفكى سنين وهو آخر قادة المهدية فى دارفور. وقد تصالح إبنه مع على دينار وبقى مقلاً فى الكلام وفوراً يمتطى حصانه الأصيل من الحلة المعروفة بإسمه والتى تجاورها غابة حملت إسمه أيضاً، ويقدم إلى داره فى تمباسى والتى يقطنها أحد أبنائه وأحفاده النبلاء.
وكما إرتبطت تمباسى بنبلاء السلطنة، ثمة أحياء أخرى تجاورها إرتبطت بشخصيات تاريخية مهمة مثل حى القاضى إدريس بن زكريا قاضى السلطنة وجد الأستاذ عبد الله زكريا المعروف.
وثمة حى دادنقا، حيث دار الملك محمود ملك الفاشر وحفيد الفقية إبراهيم على معلم السلطان إبراهيم قرض. وهو قد ذاع صيته كقائدٍ عسكرى عظيم شارك عبد الجبار قمر الدين فى قيادة الجيش الذى قاتل الفكى سنين وهو الذى قاتل الجيش الإنجليزى فى جبل حلة.
ووصف ثيوبولد الملك محمود بأنه الأكثر إحتراماً بين الرجال، وقال أنه لم يجد له مثيلاً بينهم.
ألا رحم الله هؤلاء الذين خلفوا لنا السيرة العطرة ،النموذج الوطنى الأسمى فى الشجاعة، النبل والتواضع والأدب الجم وهم مفخرةٌ وطنيةٌ لنا جميعاً.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////////////