إذا كانت النتيجة، كما رأينا سابقاً، بعد تلك العقود من محاولات تجيير التراث الاسلامي لصالح الماركسية، لم تؤدي إلى توطين الماركسية في المجتمعات الاسلامية، ولم تنجح في أن توجد للجدل الماركسي مكاناً أو قبولا، ولم تتمكن الاحزاب الماركسية من ان تصبح قوة اجتماعية حقيقية لها حضورها ووزنها، وأن كل تلك المحاولات، كانت عبثاً و "ضرباً من حلب الثور"، كما يقول الماركسي أحمد القاضي... إذن ما هو الحل؟. هل من أفق؟.

(2)
لقد انهار الاتحاد السوفيتي وتفككت منظومة دوله التي صارت دولاً مستقلة، وحتى رأس قاطرته الأممية/ الروسي بدَّل جلده السياسي والاقتصادي اللينيني، حيث أخذت روسيا تعيد تشكيل هويتها السياسية والاقتصادية جاهدة، وهي الآن في مرحلة إعادة التشكيل الانتقالية تسعى لأن تصبح دولة رأسمالية كاملة الدسم، إلا أن سيطرة مافياتها الاقتصادية تجعل من هذا العبور مهمة شاقة، ولا أحد يعلم على أي نحو سوف يستقر نظامها، في النظام العالمي الجديد، الذي لم تتبلور ملامحه الأخيرة بعد.
إلا أن سقوط الإمبراطورية الحمراء يُسقط معه واحدة من معوقات طرح ماركسية ماركس، أو محاولة إعادة طرحها من جديد، ويتيح فرصة للقوى الاجتماعية التي تحلم بعالم أكثر عدلاً وسلاماً ورفاهاً، أن تأخذ من نبع ماركس ما يعينها، وبالقدر الذي يعين ويتناسب.
إذ بسقوط الاتحاد السوفيتي سقطت الماركسية المزيفة ونسختها اللينينية المشوهة التي كانت تُتخذ نموذجاً عند الأحزاب الشيوعية في الدول العالمثالثية. وكانت بذات الوقت تمثِّل نموذجاً في الأدبيات السياسية والفلسفية الرأسمالية الغربية، وعنواناً للفشل في مواجهة تحديات العصر، بسبب جمود وتصلب طروحاتها النظرية، وعجزها عن مواكبة التغييرات الاجتماعية والتقنية، أو التكيف مع نتائجها وآثارها المستقبلية، ولكونها نموذجاً للدولة القمعية الديكتاتورية.
بكلمة واحدة كانت التجربة السوفيتية "حائط صد" بين اليساريين عامة والماركسيين منهم خاصة، وبين الآفاق النقدية العقلانية الرحبة التي تفتحها ماركسية ماركس.
والنتيجة الحتمية لسقوط هذا الحائط، هي، انعدام فاعلية سلاح الفكر الرأسمالي، بعد أن افتضح أمره كسلاح فاعل، كان يعمل ضد "شبح الماركسية".
ولكن ما هو أهم من ذلك إنه بسقوط "حائط الصد" هذا ستهتز قواعد أكبر المعوقات أمام الفكر النقدي العقلاني في مجتمعاتنا، ألا وهو العائق الديني.
فمن المؤكد أنه حين تطرح ما يسمى بالأحزاب الشيوعية، ما بين يدها جانباً من الطبعة اللينينية من الماركسية، وتستعيد ماركسية ماركس، لتبلور رؤيتها الخاصة بمجتمعاتها، وفق ظروف مراحل تطور وعيها السياسي والاجتماعي، ووفق معطياتها الاقتصادية والثقافية، فإنها ستستعيد مبادرة الفعل السياسي والاجتماعي، و تصبح بالتالي قوة اجتماعية حقيقية لها حضورها ووزنها في تطور الوعي المجتمعي والتأثير السياسي.
بل أبعد من ذلك يؤكد المفكر الماركسي الراحل سمير أمين أن التحليل الاقتصادي للعالم الرأسمالي المعاصر، وكذلك الخطاب الدائر حوله، يجب أن يبدأ من قراءة لماركس "بلا ضفاف"، الأمر الذي يدعو الماركسيين إلى تعميق وإثراء الماركسية بإدخال جميع ما أضافه تاريخ العالم الحقيقي من اكتشافات واختراعات منذ أيام ماركس ، بل وتصحيحها إن لزم، أي أن "تخضع الماركسية للانتقاد الماركسي الدائم"(1).
إذ أن في تحرير الماركسية من سجن القيود الأيديولوجية، تحرير للفكر الماركسي النقدي، وتحرير لوعي الماركسي – مفكراً كان أو حزبياً – في المجتمعات العالمثالثية ليمارس عقلانيته النقدية "براحته".

(3)
ليس بالضرورة أن تكون مع أو ضد رؤية ماركس للدين، فالماركسية ليست مذهباً دينياً، والنص الماركسي ليس نصاً مقدساً لتأخذه ايماناً مغمض العين والعقل، ولكنك مطالب – بل "يجب" عليك – التعرف عليه، إذا ما قاربته، وأن تفهمه في سياقه الصحيح، ثم لك بعد ذلك أن تأخذ منه ما يوافقك، وترفض ما لا يوافقك.
وإذا أردت أن تفهم على نحو صحيح موقف ماركس من الدين، وموقعه في منظومته الفكرية، عليك أن تخرج أولاً من ساحة الجدل "الكلامي" الذي يثير غباره العقل السلفي، وأحكامه القيميَّة المسبقة، وتتجنبها.
كما وعليك أن تتحرر من سلطة المركزية الأوروبية وتخرج عن مدار منطقها الرأسمالي. لأن قراءة ماركس داخل أياً من هذين الفضاءين ستقودك – حتف الأنف – إلى إعادة إنتاج مقولات أيهما فضاء تختار. وقد رأيت فيما قبل كيف كان وقع دوي سقطة بعضهم في هذا الفخ/ الحفرة.
فما هو موقف ماركس الحقيقي من الدين، وأين موقع الدين في بنائه الفكري؟.
الدكتور فؤاد زكريا وهو تنويري، لا يجحد جهده التنويري أحد، ينبهنا في مدخل مقاربته لهذ القضية إلى أن معارف الغالبية العظمى من قراء الصحف والكتب غير المتخصصة، فيما يتعلق بماركس، اقتصرت على مجموعة صغيرة من التعبيرات المحفوظة المتكررة، وحتى هذه التعبيرات تعرض في كثير من الأحيان بطريقة مشوهة أو محرفة أو مقطوعة من سياق، له معنى مخالف. ومن بين هذه التعبيرات جملة ربما كانت تشكل الحصيلة الوحيدة المعروفة عن ماركس في عقول عدد غير قليل من الناس، فضلا عن أنها هي السلاح الأقوى - وربما الوحيد - الذي يستخدم في محاربة ماركس في البلاد النامية التي يغلب عليها طابع التدين، ومنها بلادنا العربية، تلك هي الجملة المشهورة "الدين أفيون الشعوب".
إلا أن زكريا حاول بعدها أن يدفع عن ماركس وزر كلمته تلك التي وردت في مطلع مقال كارل ماركس "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل"، فعزا الالتباس في هذه العبارة إلى خطأ في ترجمة كلمة الشعب التي وردت في النص الماركسي إلى كلمة الشعوب. وقد انطلق الدكتور زكريا من هذه الجزئية ليصور ماركس بالصورة التي تناسب عقلية القارئ المسلم وهي أن ماركس لم يكن معاديا للدين وأن تلك العبارة (الدين أفيون الشعوب) انتزعت من سياقها حيث يقول زكريا بالحرف الواحد "هذه الفقرة هي أطول الفقرات التي تحدث فيها ماركس عن الدين، وهي تكشف بوضوح عن السياق الذي قيلت فيه عبارته المشهورة، فلم يقل ماركس هذه العبارة على سبيل النقد أو التحامل أو التشنيع، بل إنه، بعكس ذلك، قالها في سياق يعد فيه الدين تعويضا للإنسان عما فقده في العالم الفعلي المحيط به، وتخفيفا لما يعانيه من بؤس. إن الدين في هذا النص عزاء لإنسان مطحون، وهو يظل ضروريا مادامت الأوضاع التعسة التي يحياها الإنسان قائمة: إذ أن من القسوة المفرطة أن تحرم المظلوم المضطهد حتى من الأمل في حياة أخرى أفضل من حياته التعسة، أو أن تسلبه الإيمان الراسخ بأن في الكون نظاما عادلا، وبأن هذه العدالة إذا تمهلت أو تأخرت قليلا، فإنها لا تهمل". (2)
ويجد المرء نفسه متفقاً مع أحمد القاضي في أن هذا الدفع "يعد بمثابة عملية جراحية (تجميلية) لموقف الماركسية من الدين تراعي ذوق المسلمين ومتطلباتهم من اجل (تحسين) وجه الماركسية في عيونهم...وإرضاء شعوب هذا الجزء المتخلف المظلم من العالم الغارقة في الغيبيات الدينية وذلك. على حساب الحقيقة، ولو عن طريق تديين كارل ماركس!"(3).
وهكذا يمكنك أن تفهم دوافع الدكتور فؤاد زكريا – الذي يُعد من ثلة التنويريين القلائل – بأنه إنما أراد أن يجرد القوى الرجعية والسلفية من اخطر سلاح تحارب به اليسار وهو سلاح الدين، متكئاً في دفاعه على الزعم بالظرفية التاريخية لموقف ماركس من الدين، وكما يقول القاضي فإن "كلامه هذا قد يصلح لكسب معركة انتخابية ضد تلك القوى ولكنه مضر على الجانب العلمي والتنويري في المحصلة النهائية، بالإضافة الى انه تحريف لموقف كارل ماركس من الدين وتصوير له على غير حقيقته"(4).
نعم تلك هي دوافع الدكتور زكريا، والتي لا يمكنك الشك في نبلها، لكن، وكما ترى، فإن النوايا التنويرية وحدها لا تكفي، وقد تضر من حيث أراد صاحبها إصلاحا.

(4)
موقف ماركس من الدين يبدو واضحاً، وقد عبر عن هذا بنصوص لا تحتمل التأويل. فالدين عند كارل ماركس – وفردريك انجلز أيضاً – شكل من اشكال الوعي الزائف. وهو في ذلك يتفق مع فيورباخ بأن فكرة الله هي عملية اسقاط إنساني.
فالله من صنع خيال الانسان وانه مرآة ذاته. وعلى عكس المبدأ الديني في المسيحية وفي مدرسة وحدة الوجود الصوفية على نحو ما عبر عنها محي الدين بن عربي، والتي تنصّ بأن (الله خلق الانسان على صورته)، يقول فيورباخ ويتبع خطوه ماركس بأن (الإنسان خلق الله على صورته)..
فالإنسان أسقط صفاته على الإله المُتَخَيَّل ثم قام بتشخيصه وأضفى كل صفات الجلالة والتقديس على هذا الكائن الأعلى المتخيل كالعدل والمحبة والقدرة الكلية والرحمة والغنى، وبهذه الطريقة يغترب الانسان عن ذاته، حسب مفهوم فيورباخ، لأنه ينزع عن نفسه كل هذه الصفات الإيجابية الرائعة التي هو جدير بها ويعطيها لكائن اعلى متخيل اسمه الله، ومن ثم فإن كل صفات الجوهر الإلهي هي صفات جوهر الإنسان في أقصى درجات كمالها.
وكلما وهب الانسان الله من صفات العظمة والتبجيل كلما تضأل هو وتقزّم طردياً، وكلما جعل الله غنياً كلما اصبح هو فقيراً.
وكما يُقال: ليس بالفكرة السيئة أن يقال بأن الهوة أو المسافة بين جوهري التصوف والمادية ليسا بعمق الاختلاف الذي نتصوره، أو ظل الفلاسفة والمتصوفة الكبار يصوروه لنا.
فهذا هو نفس الطريق الذي يسلكه تطور الإنسان في مدرسة ابن عربي الصوفية، ولكن بالسير في الاتجاه المعاكس. فكلما جاهد العبد تقريب صفاته – التي هي في طرف النقص –، من صفات الرب، – التي هي في طرف الكمال – كلما قلَّص المسافة والفارق بينه وبين الله.
فكلما قرَّب صفاته من صفات الله (العلم الارادة القدرة) كلما تحرر من نسبيته وأخذ طرفاً من اطلاق صفات الله، ويتم ذلك بالتواضع والتسليم بمشيئة الله والمسكنة بين يديه.
بينما في مادية فيورباخ يطلق الانسان من صفاته ما يعزز وجود الإله.
ويمكن أن يتلخص الفهم الأساسي للدين عند فيورباخ في : أن الأنثروبولوجي هو سر (حقيقة) اللاهوت. أي أن جوهر وحقيقة الدين ومعناه الباطن العميق هو الجوهر الإنساني. وهذا مضمون ما يطلق عليه "لوفيت" "البديهية الكلية" Universal axion عند فيورباخ.
لقد طور ماركس هذا المفهوم الفيورباخي المادي في تفسيره لظاهرة الدين. حيث اتخذ تطوره الفكري المسار التالي: في اوائل الاربعينات من القرن التاسع عشر وهو في الثاني والعشرين من عمره كان ماركس من الشبان الهيجليين وواقعاً تحت التأثير الفكري لمنظِّر هذه الجماعة برونو باورو. إلاَّ أن صدور كتاب فيورباخ (جوهر المسيحية) في العام 1840 أحدث فيه تأثيراً فكرياً عميقاً جعله يتجه نحو المادية. ثم تعرَّف على الفكر الاشتراكي الفرنسي، وقد ظهر هذا التحول في اطروحته للدكتوراه التي قدمها في العام ، 1841، وواضح فيها ، كما يؤكد مؤرخو سيرته انحيازه لمادية فلسفة أبقراط، ثم أصدر مقاله (مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل) الى جانب مقال آخر بعنوان: (في المسألة اليهودية)، وقد كتبهما في العام 1844 بعد عام واحد من قدومه الى فرنسا فاراً من المانيا. ورغم إشادته بمنجز فيورباخ في كتابية وفي كتابه المشترك "العائلة المقدسة" مع انجلز، إلا أن قطيعته مع مادية فيورباخ بدت واضحة حين أطلق عليها مصطلح "المادية التأملية".
فالظاهرة الدينية عند فيورباخ هي، كما رأينا، نتاج النشاط الذهني التأملي التخيلي عند الانسان باعتباره كائناً ذا خيال وقدرة على التأمل في الأزل، من هنا فان الله أو الكائن الأعلى، في مفهومه، ليس سوى صورة الانسان عن ذاته. إلاَّ أن ماركس رأى أن النقد الفيورباخي للدين يفتقر إلى البعد الاجتماعي والاقتصادي. فالظاهرة الدينية عند ماركس باعتبارها شكلاً من اشكال الوعي الزائف هي نتاج النشاط العملي، أي النشاط الانتاجي والعلاقات التبادلية مع البشر الآخرين، وأن الدين منتج اجتماعي. وأن المجتمع والدولة هما اللذان ينتجان الدين.

(5)
كيف ذلك؟.
لقد اتفق مع فيورباخ في أن الكائن الأعلى (الله) ليس سوى صورة الانسان عن ذاته، وأن الدين يخلق عالما زائفا للإنسان. ومثلما دعا الاخير إلى مكافحة الدين باعتباره معوقا للتكامل الانساني وحتى يعود الانسان الى ذاته، دعا ماركس ايضا الى الشيء نفسه.
ولكنه انتقد مفهوم فيورباخ عن الاغتراب لأن الأخير جعل الاغتراب نتاج عملية ذهنية تأملية خالصة، منتزعاً الانسان من شروط وجوده الاجتماعي. ويؤكد في كتاب (الايدلوجية الألمانية) بأن الإغتراب يتم في خضم الحياة العملية للإنسان في علاقته بالطبيعة والآخرين. ويبدو أن المسألة كلها في فلسفة ماركس تتأسس على مفهوم "الاغتراب" وهذا ما يمنحها طابعها الوجودي الإنساني النقدي.
ما لم ينتبه إليه كثيرون ممن درسوا موقف ماركسي من الدين، أن وظيفة الدين تتحول في تطور سيرورته التفسيرية، من الدين "كتجربة فردية" ذاتية، إلى الدين كوظيفة في الصراع الاجتماعي، ليتبلور أخيراً في علاقة الدين بالدولة. ففي الحالة الأولى لم يبعد ماركس بعيداً عن المحطة التي توقف عندها قطار فيورباخ. إلا أنه ذهب إلى أبعد بعيداً انطلاقاً من نقطة افتراقه عن فيورباخ الأخيرة حينما أضاف البُعد الاقتصادي السياس/ الطبقي الاجتماعي إلى تحليلاته، على نحو ما رأينا.
اكتسب الاغتراب بدخوله، كعامل اقتصادي سياسي طبقي، بعداً نقدياً واقعيا، لأنه أدخل الحلقة الاجتماعية الطبقية الأضعف (البروليتاريا) في المعادلة. سواء من حيث علاقة العامل بالعمل، أو من حيث علاقته بنتاج عمله، وهذا كان هو مدخل ماركس لخلخلة علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي من جذوره.
"إن الاقتصاد السياسي لا ينظر إلى البروليتاري إلا كعامل، ومن هنا يستطيع الاقتصاد السياسي أن يطرح القضية القائلة أن البروليتاري – مثله مثل أي حصان – ينبغي أن يحصل على ما يمكنه من العمل. وهو لا يلقي له اعتبارا حين لا يعمل، أي ككائن إنساني، وإنما يترك هذه الاعتبارات للقانون الجنائي والأطباء والدين وجداول الاحصاءات والسياسة وشماس الاصلاحية" (5).
فهو يقول حول علاقة العامل بنتاج عمله بأن "العامل يزداد فقراً كلما زادت الثروة التي ينتجها. وكلما زاد انتاجه قوة ودرجة، يصبح العامل سلعة أكثر رخصاً كلما زاد عدد السلع التي يخلقها. فمع القيمة المتزايدة لعالم الأشياء ينطلق في تناسب عكسي انخفاض قيمة البشر. والعمل لا ينتج سلعاً فحسب، وإنما هو ينتج ذاته، وينتج العامل كسلعة، وهو يفعل ذلك بنفس النسبة التي ينتج بها السلع عموماً.
وكل هذه النتائج يحويها التعريف القائل أن العامل يرتبط بنتاج عمله كما يرتبط بموضوع غريب، لأنه كلما أنفق العامل نفسه زادت قوة العالم الموضوعي الغريب الذي يخلقه أمام نفسه، وأصبح هو – عالمه الداخلي – أكثر فقراً، وقلَّ ما ينتمي إليه، كشيء مملوك له. ونفس الشيء في الدين .. فكلما زاد ما يضعه الإنسان في الله قلَّ ما يحتفظ به لنفسه.
إن العامل يضع حياته في الموضوع، لكن حياته الآن لم تعد تنتمي إليه وإنما للموضوع. ومن هنا، فكلما زاد نشاط العامل، زاد افتقاره إلى الموضوعات. وأياً كان ناتج عمله، فإنه هو لا يوجد. ومن هنا فكلما زاد هذا الانتاج أصبح هو ذاته أقل. ولا يعني اغتراب العامل في ناتجه أن عمله قد أصبح موضوعاً – وجوداً خارجياً – فحسب، وإنما يعني أنه يوجد خارجه، مستقلاً عنه، وأنه يصبح قوة في ذاته تواجهه. إنه يعني أن الحياة التي منحها للموضوع تواجهه كأمر معاد غريب".
كان هذا عن اغتراب العامل في أحد جوانبه، أي علاقة العامل بمنتجات عمله.
ولكن للاغتراب لا يبدو فحسب في نتيجة الانتاج، بل في الانتاج نفسه، داخل النشاط الانتاجي ذاته.
فماذا إذن يشكِّل اغتراب العمل؟

(6)
أولاً، حقيقة أن العمل خارجي عن العامل، أي أنه لا ينتمي إلى وجوده الأساسي، وأنه بالتالي لا يؤكد ذاته في العمل وإنما ينكرها، لا يشعر بالارتياح بل بالتعاسة. لا ينمي بحرية طاقته البدنية والذهنية، وإنما يقتل جسده ويدمر ذهنه. ومن هنا فإن العامل يشعر بنفسه خارج العمل، وهو في العمل يشعر بأنه خارج نفسه. إنه في مكانه حين لا يعمل، وحين يعمل فإنه ليس في مكانه.
ومن هنا فإن عمله ليس اختياراً ، إنما هو قسر، إنه عمل إجباري . وهكذا فهو ليس إشباعاً لحاجة، وإنما هو مجرد وسيلة لإشباع حاجات خارجية.. إن العمل الخارجي، العمل الذي ينسلب فيه الإنسان عن ذاته، هو عمل من التضحية بالنفس، من قتل النفس.
وأخيراً يبدو الطابع الخارجي للعمل بالنسبة للعامل في حقيقة أنه ليس له، وإنما هو لآخر، إنه لا ينتمي له، إنه خلاله لا ينتمي لنفسه وإنما لآخر.
وكما نجد في الدين أن النشاط التلقائي للخيال البشري وللذهن البشري، والقلب البشري يعمل بشكل مستقل عن الفرد، كذلك فإن نشاط العامل ليس هو شاطه التلقائي، إنه ينتمي لآخر، إنه فقدان ذاته".
وهكذا فإن العمل المغترب يحول وجود الإنسان كنوع – كلاً من الطبيعة وخصائص نوعه الروحية – إلى وجود غريب عنه. إلى وسيلة لوجوده الفردي. إنه يغترب بجسد الإنسان عنه، كما يفعل بالطبيعة الخارجية وجوهره الروحي، وجوده الإنساني.(6)
والآن دعنا ننظر إلى البُعد الثالث في هذه المعادلة ، ومن زاوية العمل نفسه هذه المرة.
فلنر الآن كيف يعبر مفهوم العمل المغترب عن نفسه وكيف يعرضها في الحياة الواقعية اليومية؟.
إذا كان ناتج عملي غريباً عني، إذا كان يواجهني كقوة غريبة، فلمن إذن ينتمي؟
إذا لم يكن نشاطي ينتمي إلى، إذا كان نشاطاً غريباً وقسرياً، فلمن إذن ينتمي؟
لكائن آخر غيري.
من هذا الكائن؟
الآلهة؟ صحيح أن الانتاج الرئيسي في الأزمنة الأولى (مثل المعابد في مصر والهند والمكسيك ..الخ) يبدو في خدمة الآلهة، والناتج يبدو مملوكاً لها .. غير أن الآلهة بذاتها لم تكن أبداً سادة العمل. كذلك لم تكن الطبيعة.
فالكائن الغريب، الذي ينتمي إليه العمل وناتج العمل، والذي يبذل العمل في خدمته، ويوفر ناتج العمل لمنفعته، لا يمكن إلا أن يكون الإنسان نفسه.
فلا الآلهة ولا الطبيعة، إنما الإنسان نفسه هو الذي يمكن أن يكون هذه القوة الغريبة التي تثقل على الإنسان.
ويبدو كل اغتراب ذاتي للإنسان عن ذاته وعن الطبيعة، في العلاقة الني يضع فيها نفسه والطبيعة ازاء أناس آخرين غيره ومتميزين عنه. ولهذا السبب فإن الاغتراب الديني يظهر بالضرورة في العلاقة بين الانسان العادي والكاهن أو بينه وبين الوسيط .. ما دمنا نعالج هنا العالم الفكري" (7).

هوامش
(1) سمير أمين، قانون القيمة المعولمة، المركز القومي للترجمة و دار العين للنشر، القاهرة/ مصر، الطبعة الأولى 2012م – 1433 هـ. ص (112).
(2) فؤاد زكريا، "ماركس .. وأفيون الشعوب"، موقع الحوار المتمدن، العدد رقم: 5154 ، بتاريخ ( 2016 / 5 / 6 ).
(3) أحمد القاضي " تديين كارل ماركس"، موقع الحوار المتمدن، العدد (3185) بتاريخ ( 2010 / 11 / 14).
(4) أحمد القاضي، م. سابق.
(5) مخطوطات كارل ماركس لسنة 1844، ترجمة محمد مستجير، دار الثقافة الجديدة، معهد الماركسية اللينينية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، (ب. ت) ، ص (22).
(6) مخطوطات ماركس، السابق، ص (70 – 73)
(7) نفسه، ص (76، 77).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.