كبابة شاي لبن "مقَنَّن" بعد صلاة المغرب مع قطعة من الرغيف المحمص بمدينة أوستن مع ابنتي وزوجها وأطفالهما، عادت بي الذاكرة الي كسلا حي "أبو خمسة" في بداية الستينات.
أجتر ذكرى ذلكم الزمن الجميل وفي ذات الحين استمتع بهذه الوجبة الخفيفة، ولا زالت تطاردني تلك المعاناة الطويلة والمريرة التي نعيشاها في الخرطوم مع انعدام الخبز وسوئه والذي اصبح تناوله مشكلة كبيرة لانه يحتاج لان تغمض عينيك كي لاتراه، وتقفل انفك لكي لا تشتم رائحته، وتذدرد اللقمة إزدراد الدواء حتي تصل جوفك، فلم تعد للأكل متعته في السودان إنما التزاماً بقوله (ص): بحسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه.
ذات كباية الشاي وذات الخبز المحمص الذي امتع نفسي به الان في اوستن وكنت أفتقده في الخرطوم، كانت تعتبر لنا وجبة عشاء مُفضلة في ستينيات القرن الماضي بحي "ابو خمسة" في كسلا، وربما بلبنٍ أفضل بكثير من لبن هؤلاء الخواجات لانه من نعاج أمنا ست الأهل سعيد ضيف والتي كان باب منزلها يقابل مباشرة بابنا، وكلا البابين من الصفيح وكلاهما بلا مفتاح. ولأهل كسلا الذين لا يعرفون ست الأهل، فهي شقيقة دوكة سعيد ضيف وعجب سعيد ضيف، وزوجها محمد اسماعيل الذي كان يعمل فراشاً بمدرسة كسلا الأهلية الوسطي، انتقلا لرحمة مولانا ولا اعرف لهما ابناً أو بنتاً، وأصول هذه الأسرة الكريمة تنتمي لصعيد مصر، جاءت للسودان ربما مع الغزو التركي وتزاوجت الأسرة بالقبائل النيلية وأعطتنا هذه الخلطة الجميلة التي أنتجت ست الأهل والتي كانت تتميز بطول فارع ولون خمري وشعر طويل. كانت ست الأهل جميلة بكل المقاييس.
كنا كأطفال نذهب اليها عصراً عندما تبدأ في حلب اللبن من مراحها الذي كان يضم عدداً مقدراً من النعاج والغنم، تمرح ومعها الدجاج داخل حوش منزلها ويعينها علي اداء هذه المهمة زوجها محمد اسماعيل، وكانت تناديه هكذا (محمد اسماعيل). كنا نقف صفاً فتملأ لنا ست الاهل مواعيننا لبناً خالصاً سائغاً للشاربين دون ان تأخذ منا مليماً واحداً.
ودائماً ما تكون وجبة العشاء بعد مغيب الشمس كباية شاي مقَنَّن وتكتمل المتعة عندما تكون مع كباية الشاي قطعة خبز محمص، وأجزم ان تلك القطعة المستديرة من الخبز والتي كان حجمها يساوي ربما عشرة رغائف مما يشتريه الناس اليوم، تباع كاملةً أو تقسم الي جزئين أو اربع ويباع الربع ذا اللب المجوف والقشرة المحمصة منها بتعريفة وهي نصف القرش، وكانت التعريفة متاحة لنا كفقراء دون رهق.
ولجلسة الشاي عند المغرب والتي يتكون مسرحها من عدد من العناقريب الصغيرة في وسط الحوش، يتوسطها كانون بشررٍ يتطاير ولمبة للإضاءة غالباً ما تكون زجاجتها مكسورة بسبب الحركة الكثيرة، و(حَلة) خاصة يُنَظَّف باطنها بعد غليان اللبن دون ان يزال ما علق بها من دَسم، فيصبح الدَسم بمرور الزمن قشرةً سوداء تجعل من رائحة اللبن رائحة زكية تسمي "القنانة" فتملأ رائحتها المكان.
يلومنا البعض اذا تحدثنا عن الزمن الجميل، ويتهموننا بالتحيز العاطفي لزماننا، ولهم أقول كان الزمن جميلاً بكبابة الشاي باللبن الخالص المقنن والخبز الصحي المحمص والأمن المستتب وكان جميلا كذلك بست الأهل وعمنا شليش وإبراهيم صومالي.
مبارك الكوده، اوستن، الولايات المتحدة الامريكية، 4 اكتوبر 2018