ثلاثة مقاطع رأيتها على اليوتيوب للبشير، جسدت بشكل فاضح ومفجع مدى العزلة التي يعانيها، ومدى الخوف واليأس الذي يحتل دواخله ويكاد يحبس تنفسه، ورغم أنه كان يضحك بتوترٍ أراده طلقاً، ولكنه كان ضحكاً كالعويل، "يطرقع" كالماعون الفارغ عند انطلاقته الأولى لينتهي بما يشبه حشرجة صامتة. وأظن كل الناس شاهدوا تلك المقاطع، التي كانت الأولى منها أثناء زيارة قام بها للفنان حمد الريح في منزله، وكانت أشبه بمسرح الرجل الواحد، هو الذي يطلق ما يظنه نكاتاً، وهو نفسه الجمهور الذي يضحك متفاعلاً مع النكات، بعض الحضور كان يضحك مجاملة، والبعض التزم الصمت وسرح بعيداً وكأنه لم يكن يتابع العرض، وأما المقطع الثاني – وهو الأكثر شهرة – فكان عندما ذكر حديث "البركاوي"، وهو يشير بعصاته مومئاً لما يمكن أن يُفهم منه بأنه قد صرف لـ"الخواجية" شيئاً آخر – ولكنه أكثر بذاءة – غير البركاوي، وما يثير العجب أن جمهور المسلمين كان يًكبر عالياً ويهلل فرحاً، وأميرهم يعلن بأنه قد سب دين الخواجية. ويمكنك أن تضيف ثالثاً أي مشهد مما رأيت، يتطابق مع هذين المشهدين، سواء في مناسباته العائلية أو لقاءاته الجماهيرية.


(2)
هذا الضحك الراجف المتوتر وهذا الرقص المتواصل بعد كل خطاب، يؤكد بأن البشير يعيش في عزلة، وبأن الرجل فقَد توازنه تماماً، وانه يبذل جهداً عاطفياً شاقاً وهو يحاول جاهداً أن يغطي الخوف الذي يسري في أعصابه. وإذا أردت أن تعرف ممَّ يخاف، أو ما الذي يثير رعبه ضع نفسك مكانه. لقد أصبح الرجل وحيداً بعد أن نال كل من كان حوله مراده الدنيوي، فابتعد من ابتعد ، وصار بعضهم يحاول أن يغسل يديه مما كان يأكل. وأما من لم يجد فرصته في المائدة الشيطانية فهو يحاول اليوم أن يركب "مُسطِّحاً" قطار المعارضة. وأما الصادقون من قبيلة "المغفل النافع" فقد مات منهم من مات مدموغاً بصفته "فطيسة" بعد أن كان جثمانه يضوع مِسكاً، وجُنّ من التحس عقله منهم، وهاهم يحاولون في الغرف الأسفيرية أن يقنعوا أنفسهم بأن "قطار دينهم" سيمضي في طريقه، ليتجاوز هذا النفق المظلم المغلق، بعد إذ "خرجت عجلاته من القضيب" (وتلك مشكلة بسيطة!). يتداولون هذا بينهم في ما يشبه الاستمناء الفكري الذاتي. وتلك لعمرك غيبوبة تحسدهم عليها.

لقد كان وجودهم حوله يشعره بشيء من الأمان والاطمئنان، فهو داخل حشد من الجماعة المؤتلفة قلوبهم.
هم قلَّة ... ولكنهم "جماعته".
هم شعبه ... وهو رئيسهم.
فهو إذن في مأمن وسط "شعبه المختار".
المشكلة أن السودان/ المائدة كانت وستظل أكبر من جوعهم مهما بلغ بهم الجوع، ولكن لأنهم جوعي و"عينهم طائرة" لا تهدأ ولا "تترحمن"، صاروا يتصارعون فيما بينهم حول من يأكل أكثر من الآخرين!.

ولم يتأخر أو يعف أهل بيته، مع أنهم المالكون للأمر، فنزلوا من عروشهم التي كان ينبغي أن يكتفوا بها مغنماً ليشاركوا في المزاحمة على المائدة.
تلفت الرجل ولم يجد أحداً يعبأ به، أو يلتفت إليه. لم يعد له وجود حقيقي أو واقعي، هو مجرد مفتاح للخزنة، لم يعد حتى حارساً – مجرد حارس – لها صار مفتاحاً لا أكثر.

لقد تم تشيئه تماماً.
وأظنه حينما يقف يخطب بالساعات الطوال ويسب ويشتم معارضيه وضحاياه ويضحك ويرقص بلا كلل، فإنه في واقع الأمر كان يسترد شيئاً من كينونته كإنسان، لا كشيء، وفي هذه الحالة فإنه بكل هذا الرقص والضحك والشتائم والبذاءة، كان يشكو حزنه ووحدته وعزلته للمصلوبين تحت هجير الشمس. يخلع التاج من رأسه والعباءة الرئاسة التي يتغطى بها ويقف أمام من لا يعرفونه عارياً، يعود إلى أصله. ولعل هذا ما دفع الصادق المهدي يقول في حوار صحفي واصفاً عمر البشير بأنه "ود بلد بسيط" وفهم البعض منها، في تحليلاته، بأن الصادق يحاول تبرئة البشير من جرائمه، كونه انساناً بسيطاً ساذجاً، في تأويل سياسي اتحفظ شخصياً عليه، وأشتمُّ فيه رائحة اشتطاط في التأويل السياسي.


(3)
الآن بات الرجل محاصراً من الجهات الأربع:
يطارده شبح المحكمة الدولية من جانب..
ويطارده من جانب آخر المقاطعات الدولية/ الغربية، أنظمة سياسية سواء كانت، أو منظمات حقوق مدنية، أو مصارف.
وبسبب غدره وكذبه ونكصه بالعهود وتنكره للمواثيق بينه وبين الدول التي تقليدياً هي شقيقة وصديقة للسودان، لم يعد محل ثقة منها. فقد ساعدته مصر، وبذل حسني مبارك تحديداً جهداً كبيراً لتعترف السعودية ودول الخليج وأمريكا بانقلابه، فكافأه نظام البشير بمحاولة اغتياله في أديس أبابا.
توعد روسيا وأمريكا وكل الغرب بالويل والثبور، ثم ركع لها ورقص طرباً وهي ترفع عنه الحظر الرئاسي، لا كل الحظر، وسلمها ما بين يديه من الاسلاميين.
تحالف مع ايران نكاية في السعودية ثم تحالف مع السعودية ضد ايران.
حاول أن يقف مع قطر والسعودية معاً، وينحاز لهما معاً في مواجهة كل منهما الآخر، في الخلاف الذي نشأ بينهما، ليقبض الثمن منهما معاً، ولو كان وقف بينهما "واسطة خير" بين الأشقاء لكسب احترامهما معاً.
وهكذا لم يعد أحد يعرف أين موقعه بالتحديد في اعراب السياسة الدولية والاقليمية؟ وماذا يريد ليتم التعامل معه؟ هل هو رجل مبادئ، أم سياسي يلعب "صالح ورق" وطنه؟؟!!.
ويطارده دم الذين أعدمهم ظلماً وغدراً غيلة، ومهما بلغت استهانته بأرواح الناس إلا أن بعض الأرواح تتسلل مخترقة صفوق الشياطين التي تحرس الضمير من أي وخزة تقلق منام صاحبها، ولا أعني كل شهداء٢٨ رمضان، ولكن روحاً مثل روح الرائد طيار اكرم الفاتح يوسف الذي جازف بحياته لينقذ عمر البشير عندما كان محاصراً في ميوم وقد نفذت ذخيرته، فقام بعملية انتحارية بطائرة هليكوبتر تابعة لسلاح الطيران السوداني واخترق نيران مدفعية المتمردين لتوصيل الذخيرة والمؤن كاسرا الحصار جوا وهي العملية التي مكنت عمر البشير وكتيبته من الصمود لحين وصول وحدات برية من الجيش دحرت المتمردين وفكت عنه الحصار الذي نجا منه بفضل شجاعة وجسارة رائد طيار اكرم الذي انقذ حياة الغادر عمر البشير، الذى رد جميله بالتوقيع على اعدام الشهيد اكرم ورفاقه بحركة ٢٨ رمضان!. فإذا لم تسطع أرواح شهداء رفقاء السلاح أولئك أن تبكت ضميره وتقضّ مضجعه، فإن أرواح أمثال الشهيد أكرم كفيلة بأن تحاصره حتى يسلم روحه.
وهو محاصر وبدم كل من فر من البلاد فمات في البحر أو على الحدود المصرية الاسرائيلية أو في ليبيا، وبكل من قصفته طائراته فمات في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وفي كجبار والجريف والعيلفون، ومن ماتوا في بيوت الأشباح أو اغتُصِبوا أو فقدوا عقولهم في أقبيتها المظلمة.
وهو محاصر بالفشل الذريع في حكم البلاد التي مزقها، فانفصل ثلثها، والباقي في طريقه إلى الانفصال، البلاد التي هانت واستذلت واستباح الجيران حرمة حدودها، فاقتطعوا واحتلوا منها ما شاءوا وما زالوا يطلبون من أراضيها. ويحاصره الفساد الذي استشرى، والفاقة والفقر والجفاف الذي أهلك النسل والزرع، بعد أن استباح هو وأهله وأقاربه والرهط الذين من حوله خزينة البلاد وأرضها وكل خيراتها، فباعوا ما باعوا منها بثمن بخس وحشوا جيوبهم ثمنها ثم هربوها وأودعوها في خزائن أجنبية، لا تسألهم عن مصادرها، فرزق هذا من السماء أو من الشيطان لا يهمهم في شيء.


(4)
ثم ها هو يواجه وحيداً وزر كل هذه الآثام والجرائم و"البلاوي" بعد أن بدأ رهطه يتلكؤون في اعادة ترشيحه، فيما الأفق يشتعل بالغضب وطلب الثأر:
• بعضهم يشعر بأن دوره قد حان ليعتلي العرش وآن للرئيس أن يرحل مثلما رحل قبله الترابي "معلمهم" الأكبر..
لقد ساعدوا البشير بالأمس لـ"يتغدى" بالترابي، والآن يتهيؤون لـ"يتعشوا" به، وهو يدرك بأنهم سيفعلونها، فهم أبناء رحم واحد، وأبناء تربية واحدة.
• وبعضهم يشعر بأن عرش العصابة/ التنظيم كله أصبح مهدداً بالزوال بسبب الفشل والفساد وسيف الجنائية الدولية المسلط، وما هو آت لم يعد كما كان معروفاً، ولكنه على كل حال لا يبشر بخير، بقدر ما يحمل في جعبته من مجهول مخيف ..
• وبعضهم يعصف به الخوف على "الفكرة"/ المخطط، ولكنه يعلن على الملأ كذباً بأن خوفه إنما هو على الإسلام، والبعض يخونه التعبير فيعلن بصراحة غير مقصودة بأنه يخاف على "الحركة الاسلامية"، التي لا تعرف لها مكاناً أو صفة يمكنك أن "تلصقها" بالإسلام.
• وبعضهم لم يحقق كل ما كان يطمح، ولكنه يشعر بأنه قد "تورط" معهم، ويستشعر الخوف، وهو يرى السماء ملبدة بسحب وغيوم الاحتمالات، ويريد أن ينسحب، ولكن في النفس شيء من العشم.
وحده الرئيس هو من يستشعر بأنه وحده الذي ينوء كاهله تحت جبال كل هذا الخوف، وهذه الاحتمالات وبلبلتها، ويشعر بأن كل السيوف التي تهدد رقاب الجميع من حوله لا خلاص لهم منها إلا برقبته وحده.
حين يجد الانسان نفسه في موقف مثل هذا ليس أمامه سوى واحد من حلين:
أن ينتحر، مثلما فعل هتلر، أو أن لا ينتحر وحده إذا خانته شجاعته، فيهدم المعبد على رأس الجميع، بما فيها رأسه هو، وعلى رأي المثل السوداني فليكن عرساً جماعياً طالما "موت الجماعة عرس".
وأخشى أن يكون تخبط القرارات، واللغة العارية في ركاكتها وبذاءتها اللامسؤولة التي يستخدمها البشير في خطاباته، واطلاق يد مليشيا الجنجويد العنصرية لإهانة المواطنين، عسكريين ومدنيين، وهم في زحفهم يطئون بأحذيتهم الدستور وكل القوانين والتقاليد والأعراف والحقوق، هي حلقات في سلسلة متصلة الحلقات لهدم المعبد على رأس الوطن كله.


(5)
ولعل أوضح علامات الانتحار بالوطن كله ما فعلته مليشيات الجنجويد التي شرعن الرئيس وقنن تواجها.
ليس ما فعلته هذه الميليشيات هو ما يدعو للتعجب، ولكن وجودها ذاته يكشف عن نوايا البشير ورهطه من الاخوة الأعداء.
هو لا يجهل أن حلفاؤه في مؤامرة "قتل الأب" وتوريثه سلطته ونفوذه في مفاصل الحكم أعد كل منهم ميليشيته الخاصة، حتى صار السودان في حدوده الجغرافية يعج بالجيوش والأِجهزة الامنية والاستخباراتية.
وإذا كان لك أن لا تعجب أن يكون داخل حدود الدولة فصائل مسلحة معارضة للنظام تحاربه وتهدف إلى إسقاطه، فإن ما يثير تعجبك هو أن يكون لمراكز القوى داخل النظام نفسه مليشيات خاصة، خارج مؤسسات الدولة، تخضع لأفراد داخل النظام، وهذه ظاهرة لم تعرفها دولة في التاريخ القديم أو الحديث على حد علمي، وقد أكون مخطئاً !!.
قوات خاصة لا تخضع لقوانين الدولة وسلطتها.
قوات خارج الاطار الدستوري للدولة.
قوات لها معسكراتها وميادين تدريباتها الخاصة.
• بعضها تُقتطع مخصصاته المالية من ميزانية الدولة، وبعضها مجهولة مصادر تمويله.
• بعضها، نهاراً جهاراً يجوب شوارع عاصمة البلاد (محل الرئيس بنوم والطيارة بتقوم)، حيث مرافق مؤسسات الدولة بما فيها قيادة وزارة الدفاع، والاستخبارات، والشرطة، والنظام العام، وسيء الذكر الدفاع الشعبي.
• وبعضها يقيم معسكراته خارج العاصمة، ولا أحد يجهل لمن تتبع، ولكنه يجهل مصدر شرعيتها وتمويلها.
ولكن الجميع يعرف بأنها كلها تتبع لمراكز قوى في النظام.
لقد اختار كل واحد من أركان القوى المتحكمة في السلطة أن ينشئ "جيشه" الخاص في موازاة جيش الدولة التي يحكمونها، فلأي غاية أنشأوها هذه المليشيات؟ وما هي فائدة جيش الدولة وشرطتها وجهاز استخباراتها إذن، وما دورها؟!!.
وهل تحتاج الإجابة لـ"درس عصر"؟
لقد أنشأت مراكز قوى "المتأسلمون" في السلطة هذه المليشيات والتي تأسست على عصبيات "قبلية" (1)ليتم استخدامها في حالتين، إما لمواجهة الاحتجاجات الشعبية السلمية مثلما حدث في 13 سبتمبر، أو ارهابهم وتخويفاً لهم من الخروج، وإما لاستخدامها في حروب بعضهم البعض في صراعهم على السلطة.
وطالما الأمر كذلك فلِمَ لا يُنشئ رئيس العصابة ميلشياته هو الآخر لحمايته من غدر أركان عصابته الذين يتربصون به، وببعضهم البعض، خاصة والجيش بدأ يضيق ويتململ، بعد أن همشت دوره المليشيات، بل واستأثرت بانحياز القيادة السياسية لها وأغدقت عليها المخصصات والهبات، حتى صارت لها الهيبة والفاعلية على الأرض على الحدود وداخل المدن والعاصمة القومية، وما ذاك سوى لسبب بسيط، وهو استعداد هذه الميلشيات لأداء ادوار مهما بلغت قذارتها، بحكم أنهم في نهاية الأمر "مرتزقة" لا تحكمهم قيم ولا قوانين.

:::::::::::::::::::
أما وقد أحكِم الحصار على البشير في عزلته الثلجية، فإنه ولجبنه لن ينتحر مثلما فعل هتلر، ولكنه لن ينتحر وحده، بعد إذ لم يعد ثمة بدّ الانتحار، سيهدم المعبد على رأس الجميع، بما فيها رأسه هو، وليكن عرساً جماعياً طالما "موت الجماعة عرس" عملاً بالمثل السوداني.

::::::::::::::::::::
الحق، والحق أقول لكم:
تلك هي البروفة الأولى للقيامة الصغرى
وهي ارهاصات بقرب القيامة الكبرى .. يوم يُبعث السودان الجديد

(هوامش)
(1) لاحظ كيف تحول شعار الإسلام الذي تحت غطاءه تم الانقضاض على الديمقراطية والاستيلاء على السلطة، وهو شعار أممي يتجاوز حتى مفهوم الوطن والدولة القومية ويتعالى عليه، وقد تحول إلى "ردة قبلية" تقلص الوطن وتختزله في قبيلة وربما فخذ من قبيلة أو ما هو أدني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////