ربما يتذكر القارئ الكريم إننى قد كتبت مقالين فى الماضى القريب، (اغسطس وسبتمبر 2018 ) ،حول إدارة الدولة. وكان المقال الأول بعنوان: ( إدارة الدولة السودانية؛ ماذا حدث وما يجب أن يحدث) والمقال الثانى بعنوان : ( إدارة الدولة و زفرات الطيب مصطفى) وقد تحدثت فيه عن مخاطر الإنابة وهى إحتمالت خذلان النائب البرلمانى للمواطن الذى ينتخبه .وقد قلت إن المختصين فى العلوم السياسية يقولون إن الدولة تتكون من أرض يسكنها شعب وتقوم على كل من الارض والشعب سلطة تدير الشؤون أو المصالح العامة. وفى المجتمعات صغيرة الحجم التى تتواجد فى نطاق جغرافى ضيق يشارك كل الناس أو على الأقل أغلبيتهم فى مناقشة الشؤون العامة و إتخاذ القرارات بشأنها و تحديد الجهة المناط بها تنفيذ القرارات و الإشراف على أدائها ومتابعته ومحاسبتها على قصور الأداء وسوء التصرف والفساد. ولكن مع إتساع المساحة الجغرا فية للدول وكبر حجم السكان طور الناس نظم للمشاركة فى إدارة الدولة تقوم على التمثيل representation أو الإنابة deputation بأن يفوضوا أفراد منهم وفيهم ليناقشوا الأمور العامة ويقرروا بشأنها إنابة عن الجميع و يشرفوا على أداء الجهة المناط بها التنفيذ و يحاسبونها. وحق المشاركة فى إدارة الدولة مباشرة أو عن طريق التمثيل حق طبيعى لكل مواطن ولايوجد اى مسوغ أخلاقى أو دينى أو عرفى يعطى شخص أو جماعة من الناس الحق للإنفراد بإتخاذ القرارات والوصاية والإستبداد على الآخرين كما تفعل اليوم الحركة الإسلامية (كاملة الدسم) . كما أن الله تعالى يقول فى كتابه الكريم إن أمر الناس شورى بينهم ( الشورى 38 ). ويعنى ذلك كما يعرف القارئ الكريم أن يدير الناس شؤونهم العامة بالتفاكر والتشاور والتناصح والتراضى بدون إنفراد بالرأى أو وصاية أو إستبداد من فرد أو جماعة.


المقاصد أو المصالح أو الشؤون العامة:
فى عالم اليوم إستقر الرأى فى أغلبية الدول على أن هناك مصالح أو شؤون عامة أو مقاصد مركزية فى إدارة كل الدول التى تدار بالناس ولمصلحة الناس. و تلك المقاصد أوالشؤون أو المصالح العامة هى:
أولاً حفظ أمن وسلامة أرواح الناس و أعراضهم و أموالهم وبيئتهم التى يعيشون فيها.
وثانياً إقامة العدل وإعطاء كل ذى حق حقه وحماية الضعيف من تعدى القوى ( بما فى ذلك الحكومة نفسها) بواسطة القضاء المستقل و العادل و الفاعل و معقول التكاليف.
وثالثاً تسهيل وتنظيم تدبير المعايش لتوفير الحياة الكريمة لكل الناس بواسطة إستقرار أسعار السلع و الخدمات و إتاحة فرص العمل المنتج وإتاحة التعليم و الرعاية الصحية و رعاية الفئات الضعيفة مثل ذوى الإعاقة والذين لا راعى لهم من الأيتام والأرامل والمرضى وكبار السن.
و تقوم السلطة الحاكمة فى الدولة و خاصة الأجهزة التشريعية بمخاطبة المقاصد أو المصالح العامة المذكورة أعلاه عن طريق:
أولاً إصدار القوانين التى تنظم سلوك الناس السياسى و الإقتصادى و الإجتماعى و الثقافى الخ والتى تنطبق على الجميع الغنى و الفقير و الحاكم و المحكوم. وعندما ينشأ نزاع بين الناس يلجأون إلى القضاء المستقل ليقوم بفض النزاعات وفق ما تنص عليه تلك القوانين. وهذا ما يعرف بسيادة حكم القانون.
وثانياً تقوم السلطة الحاكمة بمخاطبة المصالح العامة المذكورة أعلاه عن طريق أخذ المال من جيوب المواطنين وصرفه على أجهزه حفظ الأمن مثل الجيش والشرطة والإستخبارات وعلى الأجهزة العدلية وعلى البنيات التحتية الضرورية لإنتاج و تبادل السلع و الخدمات مثل مواعين تخزين المياه و الطرق و الكهرباء الخ وصرف المال على خدمات التعليم و العلاج ورعاية الضعفاء( وليس صبه فى جيوب المتمكنين رموز ومناسيب و محاسيب الحركة الإسلامية ).


إبتعاد الحكومة عن السلع والخدمات الخاصة:
و فى عالم اليوم و بعد إنهيار المعسكر الإشتراكى تشكلت قناعة شبه عامة إن دور الحكومة يجب أن لا يمتد إلى الصرف على إنتاج و توزيع السلع و الخدمات الخاصةprivate goods وتعنى السلع و الخدمات التى يسهل حجبها عن من يرفض أن يدفع ثمنها و لذلك يقبل القطاع الخاص على إنتاجها و توزيعها طمعاً فى تحقيق الأرباح لأن الله قد زين للناس حب الشهوات(آل عمران 14) ووصف عباده بحب المال حباً جماً ( الفجر 20 و العاديات 8 ). وخير مثال لذلك فى السودان قطاع الإتصالات الذى شهد طفرة كبيرة عند فتح أبوابه للقطاع الخاص .و لكن لا أتصور أن يقبل القطاع الخاص على الإستثمار فى الطرق البرية فى السودان لصعوبة حجب إستخدامها عن من يرفض دفع رسوم الإستخدام.وقد أثبتت تجربة الحياة فى كل الدنيا إن الذى يحقق وفرة السلع و الخدمات و إنخفاض أسعارها و إرتفاع جودتها و يحقق توافر فرص العمل المنتج هو خلق المناخ المواتى لإنتاج و تبادل السلع و الخدمات و إطلاق طاقات كل الناس ليتنافسوا فى عدل ومساواة كاملة بدون محاباة أو مضاداة على أساس الجنس أو اللون أو الإنتماء الحزبى أو القبلى أو الدينى أو الجهوى( بدون تمكين).
تحديات الندرة challenges of scarcity :
تواجه كل المجتمعات تحديات كبيرة جداً فى مخاطبة المقاصد أو المصالح العامة التى ذكرتها أعلاه وذلك بسبب الندرة scarcity. ولكن ماذا نعنى بالندرة و كيف تخلق تحديات كبيرةً؟
عندما يقول الإقتصاديون عن أى شئ إنه نادرscarce فى مكان وزمان محددين فإنهم يعنون إن ذلك الشئ غير متوافر مجاناً و بالكمية التى يرغب فيها الناس ويتطلب الحصول عليه بذل الوقت و المجهود و الموارد والتخلى عن شئ آخر كان يمكن الحصول عليه بذات الوقت و المجهود و الموارد وهو مايعرف فى الإقتصاد بالتكلفة الفرصية opportunity cost.وفى سودان اليوم يمكن القول إن الشئ الوحيد المتوافر مجاناً وبكمية كافية ولا نحتاج للتخلى عن شئ آخر من أجل الحصول عليه هو الهواء الذى نتنفسه. فهو هدية مجانية من الله وبالكمية الكافية التى نرغب فيها وكل ما عداه سلع و خدمات نادرة scarce نعمل أو ندفع من أجل الحصول عليها. وقد قلت أعلاه إن الحكومة تأخذ المال من جيوب الناس للصرف على حفظ أمن و سلامة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم والبيئة التى يعيشون فيها و الصرف على إقامة العدل و على توفير الحياة الكريمة لكل الناس. ولكن هذا العمل ليس بالسهولة التى قد يتصورها بعض الناس لأن رغبات الناس متنوعة و متفاوتة فى حجمها. فمثلاً الشخص الذى أنعم عليه بالمال يعطى أهمية كبيرة لحفظ أمن و سلامة الأرواح والأعراض والأموال والبيئة وربما لايعطى أهمية كبيرة لصرف المال الذى تجمعه الحكومة من جيوب الناس على إتاحة فرص التعليم والعلاج لأنه يستطيع تدبير حاله كما نقول فى السودان؛ عكس الفقير الذى لا مال له يخشى عليه و يرغب أكثر فى صرف المال على التعليم والعلاج. ويستطيع القارئ الكريم أن يفكر فى عشرات الأمثلة على تنوع و تفاوت الرغبات.


الردعلى الأسئلة الصعبة:
ويطرح تنوع وتفاوت الرغبات أسئلة أخلاقية و سياسية صعبة مثل:ممن يجوز أو يجب على الحكومة أن تأخذ المال؟ وكيف؟ وكم؟. و كيف يجوز أو يجب عليها أن تصرف المال على مقابلة الرغبات المتنوعة و المتفاوتة؟ وتكمن صعوبة الإجابة على تلك الأسئلة فى أمر أساسى هو المصلحة الشخصية لأن الدافع الأساسى لسلوك كل الناس فى هذه الدنيا هو المصلحة الشخصية وتلعب الإعتبارات الأخلاقية المتعلقة بالعدل والرحمة دوراً ثانوياً(إلا من رحم الله وأنعم عليه بتفضيل الآجلة) .ويرغب كل الناس فى أن يدفعوا أموال أقل إلى الحكومة و يحصلوا على سلع و خدمات أكثر. مثلاً لا تريد أغلبية الأغنياء دفع ضرائب على الدخول مثل الأرباح التجارية وإيجار العقارات ويفضلون جمع المال من المواطن الغلبان فى شكل ضرائب غير مباشرة على السلع والخدمات وضريبة تضخم( طباعة وإصدار العملة لتمويل صرف الحكومة).ويفضلون صرف المال على حفظ الأمن والسلامة وتشييد الطرق المعبدة بدل التعليم والعلاج. وهذا ما تفعله اليوم رأسمالية الحركة الإسلامية الطفيلية. وقد يفضل المواطن الغلبان العكس تماماً.ولهذا فإن ما ندفعه و ما نحصل عليه أنا وأنت أيها القارئ الكريم وغيرنا من الناس يعتمد على توزيع النفوذ السياسى.والذى عنده نفوذ سياسى أكبر يدفع أقل ويأخذ أكثر. فمثلاً يردد معتز موسى عبدالله سالم رئيس مجلس الوزراء هذه الأيام تمسكه بالإبقاء على دعم إستهلاك البنزين والرغيف على الرغم من أن الإحصاءات الرسمية تقول إن هناك أكثر من ثلاثة مليون طفلة وطفل لا يجدون أماكن فى مرحلة الأساس. ولكن أولئك الصغار لا حول لهم و لاقوة. ولهذا سوف تصرف الحكومة المال على إسترضاء سكان المدن وخاصة العاصمة الذين يستهلكون البنزين والرغيف لأن نفوذهم السياسى كبير. فهم بوسعهم النزول إلى الشارع و التصويت فى الإنتخابات.وتفعل الحكومة ذلك بدون أن تواجه بمقاومة لأنه لا يوجد فى سودان اليوم وللأسف الشديد من يدافع عن مصلحة المستضعفين ويخاطب همومهم وتطلعاتهم.ورموز كل الأحزاب السياسية فى الحكومة و المعارضة كانت ومازالت مشغولة بمصالحها وتطلعاتها وخصوماتها الشخصية جداً ولم تفكر مجرد تفكير فى تحديات الندرة وكيف يكون التصدى لها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////