السؤال الوحيد الذي يتحاشى طرحه الشيوعيون في مجتمعاتنا على أنفسهم: هل هذه الأحزاب تجسِّد الرؤية الماركسية ثقافياً واجتماعياً وسياسياً؟، هل تُعبِّر بالفعل عن المنهجية الماركسية وعن روحها النقدية، وتطلعاتها؟.

حين تجيب بالنفي، لا يمكنك أن تتوقع سوى الحرب والهجوم عليك واتهامك بأنك عميل للإمبريالية والصهيونية العالمية وما إلى ذلك من الصفات التجريمية، هذا إذا ما لم تطال قائمة الاتهامات حتى شخصك ونواياك المضمرة، وقد توصم بصفات قد تجهل معناها حتى، أو قد تجعلك تعيد التعرف على نفسك التي كنت تجهلها من قبل على ضوء ما توصم به من صفات ونعوت!.

ورغم كل هذا لا تملك غير الاجابة: بأن هذه الأحزاب المسماة شيوعية، وتلصق نفسها زوراً بالماركسية لا علاقة لها لا بماركس ورؤيته، ولا بفلسفته ومنهجه.


(2)
الخطيئة الأولى والكبرى التي وقع في فخها الحزب الشيوعي السوداني – مثله مثل غيره من الأحزاب الشيوعية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية – ربما سببها أنه نشأ في احضان الماركسية اللينينية التي نشرها الاتحاد السوفيتي الذي خرج من تلك الحرب مزهواً بأيديولوجيته "المنتصرة" في الحرب.
رغم أن الذي انتصر في تلك الحرب في الواقع كان هو شعوب الدولة وتضحياتها القاسية والمجيدة، لا الأيديولوجية ولا الحزب!.
وإذا كنت تستطيع أن تجد مبرراً لمؤسسي الحزب، الذي تأسس في تلك المرحلة من الحرب الباردة، حيث كانت آلة الدعاية السوفيتية تبشر الشعوب المضطهدة بقرب فجر الخلاص من الاستعمار والتخلف والحرية ومن الأنظمة الفاسدة، فإنك لا تستطيع أن تتفهم استمرار من جاءوا بعدهم، في ترسّم خطاهم، سيما وقد كثرت الدراسات حول قراءات أخرى ناقدة للنسخة اللينينية من الماركسية، وقراءات مختلفة من داخل التراث الماركسي ذات تأويلات تختلف عن تلك اللينينية، كانت كفيلة بدفعهم للاجتهاد قليلاً في البحث عن صيغة تتناسب مع واقع مجتمعاتهم.
بل أكثر من ذلك لقد أتيح للشيوعيين السودانيين – مثل غيرهم – الاطلاع على التجربة التطبيقية لماركسية لينين في الاتحاد السوفيتي والصين وسائر دول المنظومة الشيوعية منذ نهايات الحرب العالمية في الأربعينات ، ومرحلة الحرب الباردة في الخمسينات والستينيات، بعد أن أتيح لهم الاطلاع حتى على المسارات التاريخية للثورة البلشفية وصراعاتها المريرة لحظة التأسيس.
ورغم هذا كان، مؤسسو هذه الأحزاب، يشاركون في الحياة السياسية ويمارسون نشاطهم باعتبارهم حزباً سياسياً، يؤمن بالصراع السياسي الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، بينما مضمون عقيدتهم السياسية لا يؤمن بالليبرالية السياسية، وينادي بديكتاتورية البروليتاريا حسب المفهوم اللينيني.
ولذا لا تستطيع وأنت تتكئ على الأيديولوجية المسماة بـ "بالماركسية اللينينية" أن تنكر أو تحتج على من يقول بأنك ستمارس انتقائية في التزامك بقائمة حقوق الإنسان التي أعلنت التزامك بها، وأن يصفك بالنفاق والتقية. لأن القائمة المتصلة بحقوق الإنسان وبالممارسة الديمقراطية هي في الأساس تراث غريب عن الماركسية اللينينية على مستوى التنظير والفلسفة، وعلى مستوى التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي والصين ومن يدورون حول فلكهما من أنظمة.
ولا تستطيع أن تعترض على من يسأل: وما الفارق إذن بين الاسلامويين والشيوعيين؟. ألم تعمل الشيوعية في روسيا وفي غيرها من الدول التي طبَّقت الماركسية اللينينية على تنميط الناس وإعادة صياغة المواطن والمجتمع وفق رؤيتها وعلى نهج فرضياتها؟. لم تألو الشيوعية جهداً في الاتحاد السوفيتي ومن دار في فلكه نت أنظمة لتحطيم المجتمع المدني القائم كهدف استراتيجي باعتباره تركة رأسمالية غير جديرة بالحياة، بدءا من إعادة صياغة الأسرة بهدم عراها التقليدية، والاستعاضة عنها بالتصور الشيوعي الذي تفرضه الدولة فرضا على كافة أفراد المجتمع. كما تم تفكيك كل فعاليات ومؤسسات المجتمع المدني، فالأحزاب والنقابات والجمعيات المختلفة والكنيسة وغيرها من المؤسسات والمنظمات لم يسمح لها أن تحافظ على استقلاليتها لتؤدي رسالتها بحرية. لقد وضعت تحت جناح السلطة الحزبية لتتدخل الدولة وتنقض عليها وتجردها من وظيفتها وأدواتها وتحيلها إلى أدوات وظيفية تخدم الحزب وتعمل على تحقيق التصور الشيوعي لها، فغابت الديمقراطية وصارت الحرية من المحرمات، وانزوى الرأي الآخر وتم اقصاؤه واسكاته، وغابت الشفافية وعم الفساد بعد إذ تحول الحزب إلى طبقة فوق المجتمع يحكم بالحديد والسجون والنار. وهكذا لم تعد تجربة الحزب الواحد إلا دليلا قاطعا على ديكتاتورية الشيوعية.
كيف لم يتنبه قادة الحزب الشيوعي السوداني المؤسسون إلى أن الماركسية اللينينية، ليست سوى أيديولوجية مغلقة، ودين علماني جديد لا يمكنه أن ينبت ويثمر في تربة لها دينها الذي يضرب جذوره في أعماقها؟.
هل كانوا يتوقعون لها كدين أن تحل محل التراث الثقافي لشعوب الاتحاد السوفيتي بمختلف أنواعها وأن تستمر إلى ما لا نهاية؟.
ألم يستطيعوا أن يتبينوا حجم الخطأ/ الجريمة في التأويل اللينيني للماركسية الذي أحالها إلى أيديولوجيا مغلقة صماء؟.
وإذا كان المؤسسون بحكم محدودية وعيهم آنذاك، مجرد طلبة في مقتبل الشباب، وقد غرتهم "الشعارات" اللينينية التبسيطية لصراع الطبقات، والدعاية السوفيتية لانتصار البروليتاريا وحزبها في الحرب العالمية، فما بالهم بعد إذ كبروا؟.
وإذا كان وعيهم ظل ثابتاً لم يبارح "لحظة التأسيس"، فما بال من جاءوا بعدهم؟.
لماذا تخشب وتصلب "الوعي الحزبي"؟.
الاجابة ستجدها أيضاً في اللينينية/ الستالينية.


(3)
فالحزب الشيوعي السوداني لم يتبنى فقط الأيديولوجية اللينينية.
بل وتبني أيضاً مفاهيم العمل السياسي اللينينية. وقد ناقشنا ذلك من قبل، ونستطيع أن نجد ذلك متجلياً بشكل واضح في مفهوم الديمقراطية المركزية في الحزب الشيوعي. وهي في الواقع ليست سوى "اسم الدلع" للديكتاتورية المركزية
ولكنك بالطبع ستقرأ الكثير، والكثير جداً من الكتابات الشيوعية التي تؤكد لك بأن تجربة الحزب الشيوعي السوداني تتمتع بالاستقلالية والأصالة.
إلا أن الإتِّباع الذي يحاول أن ينفيه الشيوعيون، ولكن يؤكده بشجاعته المعهودة شيوعي سابق وهو البروف عبد الله علي ابراهيم في مقاله " لينينيون: تهمة لا ننكرها وشرف ندعيه"، يتجاوز علاقة التجاور في زنزانة السجن اللينيني الايديولوجي المشترك، على النحو الذي رأيناه في الجزء الأول، حيث تحولت رؤية ماركس النقدية المفتوحة إلى ايديولوجية مغلقة، أو إلى دين علماني جديد، بذل ماركس ما بذل من جهد معرفي في دحضه ومحاربة دعاته من الهيجليين اليساريين والماديين على نحو ما رأينا في مخطوطات 1848.
لذا لم يكن من المستغرب أن يؤدي الانغلاق الايديولوجي إلى انغلاق في بنية الكيان المؤسسي ليمتنع عن أن يكون حزباً سياسياً مفتوحاً. وهكذا غلبت على الحزب تسمية "التنظيم الشيوعي"، ليس في الأدبيات الأمنية فحسب، بل حتى في المخيال السياسي السوداني العام.
والتنظيم – أي تنظيم – بطبيعته دائرة مغلقة، وحاضنة فكرية خاصة بأعضاء ينظرون إلى أنفسهم كنخبة طليعية لنشر رسالة ما، وتحقيق هدف ما، ولكنه في نهاية الأمر هدف سلطوي. وسلطة القيادة فيه تتخذ شكلاً هرمياً، على رأس الهرم سكرتير الحزب الذي يتربع على رأس مكتب الحزب السياسي.
تتنزل فيه القرارات من أعلى إلى أسفل الهرم على قاعدته.
ولأن السلطة فيه مركزية فإن سلطات رئيس الحزب تماثل وتطابق سلطة البطريرك الطائفي. الذي يجمع ما بين "الشيخ/ المرشد" والزعيم الحزبي الواجب الطاعة.
الأمر الذي يفرض على أعضاء التنظيم الالتزام بلوائح وقواعد محددة تحديداً صارما في الفكر والسلوك. وتتضمن القواعد التنظيمية بالطبع اجراءات عقابية وتأديبية في حق من يخالفها، وتتدرج لائحة العقوبات في الحزب السياسي، والذي يفترض فيه أنه مؤسسة مدنية، من "الاعتراف بالذنب" تحت مسمى "النقد الذاتي"، مروراً بتهمة "الزندقة" تحت مسمى "التحريف" أو"الانحراف"، وانتهاءً "بالتكفير" والردة والطرد من التنظيم وتوقيع عقوبة إعدام الشخصية.
وكما يقول يورغن فإنه في الثقافة الاسلامية يفسر الانشقاق غالباً استناداً إلى أحكام الشريعة ويعد مخالفةً للمبادئ الدينية، علماً بأن كلمة "منشق" أو "مرتد" كانت تطلق على المعارضين السياسيين في المعسكر الشيوعي سابقاً تاريخياً إذا خرجوا على العقيدة و"كان هذا التعبير قد استعمل في الأصل في "سلام وارسو الديني" عام 1573 لوصف المنشقين عن الكنيسة الكاثوليكية من البروتستانتيين، ثم أطلق في وقت لاحق على جميع الأشخاص المنتمين إلى فئات دينية غير معترف بها. فتبنى الأيديولوجيين الشيوعيون عن قصد هذه الكلمة، على الرغم من منشأها الديني ليصموا جميع المنحرفين "عن حرفية العقيدة" بصفات مرفوضة أخلاقياً (1). وهذا ما استلهمه أصحاب العقيدة بحرفيتها، ولكن بعد تحريف لغوي أكثر التصاقاً بالعقيدة الدينية، وأكثر ابتعاداً عن العقيدة السياسية، فجاء التحريف اللغوي ليعزل "الانشقاق" ويستبدله بـ"الارتداد"(2).


(4)
وتاريخ الحزب الشيوعي السودان دون شك يحتل موقع الصدارة بين الأحزاب السياسية في السودان من حيث عدد الذين راحوا ضحايا لهذه العقوبات القاسية في صرامتها، وهي على كب حال موثقة ومعروفة. بعضها تم بصمت، وبعضها صكت ضجتها الآذان مثل حوادث عبد الرحمن شيبون وصلاح أحمد ابراهيم، وبعضها تراوحت زوابعها بين بين، مثل قصص عوض عبد الرازق والخاتم عدلان والشفيع خضر. " لقد حورب محمد محجوب عثمان ، طرد من الحزب ومن شقة الحزب وقوطع لانه وجد نفسه قد اختارته الانقاذ كعضو في برلمانها . وعندما حضر الى السويد طالبا للجوء السياسي طالبت بتزويده بما يساعده في طلبه. رفض الزعيم التجاني الطيب بابكر طلبي وبقى محمد محجوب لأربعة سنوات منتظرا حق اللجوء في السويد (3). ومعاناة محمد محجوب لا تقاس بمعاناة عوض عبد الرازق وشيبون، وغيرهما كثير وكثير. فكثيرة هي بعد قصص المعاناة القاسية التي تجرع مرارتها بعض المثقفين الذين خطرت لهم بعض الأفكار الاصلاحية بعد إذ لمسوا، بل وعانوا من ضيق مواعين الحزب التنظيمية التي يختنق الفكر والتفكير التجاوزي في أقبيتها الرطبة. حتى ليكاد الحزب يشبه المعتقل الذي تدخله بإرادتك وتظل فيه حبيساً رغم إرادتك، وإلا فاغتيال شخصيتك، ووصمك بصفات أهونها "انتهازي".
فعوض عبد الرازق وصم بأنه انتهازي لأنه أعمل فكره اجتهاداً ليكون الحزب أكثر انفتاحاً على قواعد اجتماعية جديدة، ولكن أغرب من ذلك أنه في الحوار الذي أجرته صحيفة (أخبار اليوم) "مع القيادي الشيوعي محمد علي خوجلي هلاوي والذي يمثل نموذجاً لمئات من القادة الشيوعيين الذين أٌبعدوا من الحزب الشيوعي أو ابتعدوا"، كما جاء في مقدمة الحوار، قال " وفي الحقيقة لم يتم إيقاف نشاطي من الحزب بعد تلك الحادثة لوحدي بل كان معي ثمانية عشر كادراً تم إيقافنا منتصف يوليو 1989. ولم يكن ذلك القرار مفاجئاً لنا لأننا نعلم أن الانتهازية داخل الحزب تتطابق مصالحها مع أعداء الحزب السياسيين. والذين اتخذوا ذلك القرار هم قيادات سكرتارية مديرية الخرطوم في ذلك الوقت وهم الخاتم عدلان والحاج وراق وكانت توصيتهما لسكرتارية اللجنة المركزية ان يتم فصل هذه المجموعة دون إبلاغها بسبب أغراض التأمين كما ورد في توصيتهما". وهكذا يتم الأمر دائماً، فثمة قائمة جاهزة من الاتهامات الغليظة بالانتهازية والانشقاق يُطبع ختمها على جبين العضو المارق المهرطق، فقط لأنه حاول أن يبادر أو يبدي رأياً لا يتفق مع ما هو مُنزل من سماء القيادة السابعة، ويتمدد الأمر حتى ليصل إلى رصد السلوك الشخصي وخيارات الانسان الشخصية، وفي الذاكرة يظل الجدل الذي ثار بين أوساط الرفاق بسبب اختيار زعيم الحزب نفسه لشريكة حياته.


(5)
وحين تحاول أن تتفحص تعريف هذه الاتهامات لتسأل العضو المطرود عن انتهازية من أوصوا بطرده وعلى رأسهم الخاتم عدلان، يسأله المحرر في الحوار المشار إليه:
- ماذا تقصد بالانتهازية داخل الحزب؟
- الانتهازية في المفهوم الماركسي هي البرجوازية داخل الحركة العمالية وهي تعني التقليل من دور النظرية أو الفصل بينها وبين الممارسة العملية وإنكار دور الصراع الطبقي وإنكار دور حزب الطبقة العاملة, وقد أكدت الأحداث اللاحقة أن الخاتم عدلان والحاج وراق ورفاقهما قد تخلوا عن الماركسية ولم تمض فترة طويلة حتى حضر كلاهما اجتماع الوسطية الإسلامية في السعودية. وتفاصيل ذلك معلومة لكافة الشيوعيين.(5).
هذه هي الحلقة الدائرة المغلقة بعينها: المدعي يتهم ثم يصير هو نفسه متهماً من قِبل المتهم ، ثم يأتي زمان يكون هو متهماً في نظر مؤسسته!.
والعلة هنا واضحة نسجنا على منوال الرؤية الفلسفية النظرية والتنظيمية المغلقة للماركسية اللينينية/ الستالينية، ففي وثيقة الحزب عن انقسام 1964م، تقول الوثيقة " اصبحت للعناصر المنحرفة نظرية كاملة تبرر الانقسام تطابق النظرية التي يدعو لها الرفاق الصينيين ويعملون من اجل تطبيقها في اوساط الحركة الشيوعية العالمية، وهذا اخطر وجه للعناصر المنقسمة ، فالحزب الشيوعي السوداني لم يرفض الصراع الداخلي ، بل فتح ابوابه له وللنضال ضد الفكر اليساري المنحرف منذ مطلع عام 1961م، (وهو مستعد لتكون في داخله أفكار متعددة شرط التقيد بالنظرية اللينينية في التنظيم، فالماركسية اللينينية ليست نظرية فحسب وليست سياسة ولكنها أيضا تنظيم).(6)".
"وتخلص الوثيقة الي ضرورة تمسك حزبنا بمبادئ الصراع الداخلي والمبدئية والموضوعية، وأن يجعل من هذه المعركة ميدانا لتعليم اعضائه الماركسية اللينينية في صبر واناة، وان يوجه جهوده للنضال بين الجماهير وكشف الافكار المنحرفة وسطها(الوثيقة الصفحات: من 2 الي 27)" (7).
وورقة الخاتم عدلان التي قدمها لحزبه في الواقع كانت من حيث الجوهر لا تختلف نوعياً عن مقترحات سلفه عوض عبد الرازق أو أخلافه الشفيع وغيره من الاصلاحيين، ولكنها ذهبت أبعد في نقدها لما ظنه الأسس النظرية للماركسية حيث حاكمت ورقة الخاتم عدلان النظرية الماركسية من خلال تطبيقها في ما سمي بالمعسكر الاشتراكي. "لكن الخاتم كان يدرك أن النظرية تنقض في بنائها النظري وليس من خلال أي تطبيق مزعوم لها. ولما كانت القدرات الفكرية للمرحوم الخاتم عدلان وللحاج وراق – وغيرهم من كادر الحزب الشيوعي – متواضعة فقد تقاصرت عن المقدرة على نقد ونقض الأساس النظري للماركسية فاكتفت بالفتات. الفتات هو إسباغ كل عيوب ما سمي بالمعسكر الاشتراكي وتجربته الستالينية والخروتشيفية والبريجنيفية والغورباتشوفية على الماركسية" (8).
ولعل في ما أشار إليه يثير نقطة، رغم ما أثير حولها من نقاش خجول، تستحق التوقف عندها بشكل أكثر شفافية ووضوحاً، ألا وهي قصة هذا الصراع المستتر وغير المتكافئ بين أهل الفكر/ المثقفين وبين التنظيميين. إذ درجت الغلبة أن تكون دائماً للتنظيميين في قيادة الحزب والتأثير على قراراته ومواقفه، وأغلب الظن أن هذا يرجع إلى أن الحزب قضى أكثر من ثلاثة أرباع عمره منذ تأسيسه وهو يعمل ويمارس نشاطه السياسي "تحت الأرض"، في ظروف واجه فيها عداء الأنظمة العسكرية التي قضمت من سنوات السودان منذ استقلاله أكثر من نصف قرن.
ولكن هل يكفي هذا وحده مبرراً لتغييب ، بل ومحاربة واقصاء المفكر/ المثقف من دائرة القرار والتأثير في الحزب الشيوعي السوداني؟!.

هوامش
(1) عبد الله علي ابراهيم، "لينينيون: تهمة لا ننكرها وشرف ندعيه"، نٌشر بتاريخ 23 تشرين1/أكتوبر 2018 في صحيفة سودانايل الإلكترونية.
(2) فازولا، يورغن، القصيمي بين الأصولية والانشقاق (1907 – 1996)، ترجمه عن الألمانية محمد كيبو، دار الكنوز الأدبية، بيروت 2001م، ص 14،15.
(3) المرجع نفسه، ص 17.
(4) شوقي بدري "المناضل فاروق ابو عيسى يخطئ" موقع صحيفة سودانايل اإلكترونية، بتاريخ: 30 تشرين1/ اكتوبر 2018.
(5) (المسكوت عنه في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني) ... حوار شامل مع القيادي الشيوعي محمد علي خوجلي هلاوي، نشر في سودانيزاونلاين يوم 05 - 03 – 2012).
(6) "المسكوت عنه" ، السابق.
(7) المزدوجين من الكاتب.
(8) تاج السر عثمان، "انقسام أغسطس 1964م في الحزب الشيوعي السوداني" موقع صحيفة سودانايل الإلكترونية، بتاريخ 09 - 11 – 2009.
(9) صلاح محمد الحسن القويضي، في تعليق على تاج السر عثمان "انقسام أغسطس 1964" بصحيفة الراكوبة الإلكترونية، بتاريخ 06-08-2016

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.