“A good outcome comes from a sound case; a bad outcome comes from defective case” Lord Sumner

قبل أيام قليلة تلقيت عبر وسائل التواصل الإجتماعى بياناً صادراً عن مجموعة كريمة من أبناء دارفور المقيمين بالمملكة المتحدة يتضمن – فيما يتضمن - الشروع فى تكوين مكتب تمهيدى لإعلامى دارفور بالخارج" ومقره لندن.

نبعت فكرة هذا الجسم – حسب البيان – من واقع الحراك الثورى الجارى حالياً بالداخل والذى وصفه البيان بالبدء فى التحول لعمل منظم من خلال بروز أجسام سياسية ومدنية تتصدر المشهد فى ظل غياب شبه تام لمثل هذه الأجسام فى الخارج، وبما أن النضال – ما زال الحديث نقلاً عن البيان – قد يتواصل حتى بعد سقوط النظام، وحيث أن إبناء دارفور قد دفعوا ثمناً باهظاً من أجل التغيير، ينبغى إذن تكوين جسم فى الخارج يعمل فى تناغم وتنسيق مع إجسام الداخل كرابطة صحفى دارفور وتجمع محامو دارفور وذلك لأجل الدفاع عن قضايانا وأن يكون لنا حضور فى المشهد القادم.

أول ما خطر على بالى عند الإطلاع على هذا البيان، المثل الإنجليزى القائل The road to hell is paved with good intentions وعند العرب الطريق الى جهنم محفوف/معبد بالنوايا الحسنة، ذلك لأنى أعرف أغلب أفراد المجموعة معرفة شخصية بل وأن بعضهم يمت لى بصلة قربى ومن ثم أكاد إجزم بحسن نيتهم وسلامة مقصدهم فضلاً عن أن بعضهم قد هرم فى رجم صنم الإنقاذ من منطلقات وزوايا وطنية خالصة.

ما آثار فضولى وتخوفى معاً هو توقيت طرح هذه الفكرة ثم مدى سلامة هذا النهج من التفكير الذى يستبطن الإصطفاف المناطقى أو الجهوى ومحاولة إسقاطه على الأجسام المهنية التى ينبغى لها أن تكون محررة من كل قيد يكبلها سوف الشرف والعطاء المهنى.

أتفهم جيداً الأسباب الموضوعية التى دفعتنا - فى عهد الكيزان – الى الإنكفاء والنكوص نحو الولاءات الجهوية وإستدعاء المناطقية فى العمل العام، ولعل أبرزها غياب مؤسسات مدنية ذات تقاليد راسخة تؤطر العمل العام، على أن هذه الإشكالية التى تتجاوزنى وتتجاوز غيرى لتصبح إشكالية مجتمعية عامة يجب أن تحفزنا – فى هذا المنعطف الفارق – على الإصطفاف خلف الإجسام العابرة للمناطقية لا أن نميط اللثام عن تقوقعات جهوية، خاصة ونحن أمام شباب إنطلقوا من قيود كبلتهم سنيناً عدداً وليس لديهم ثقافة أو تجربة سياسية تحصنهم من الإرتدادات الإنفصالية وما تجربة جنوبنا الحبيب ببعيدة عن الأذهان.

ربما هناك منطق سليم وحجة أسلم إستند عليها الأخوة عند طرحهم هذه الفكرة، بيد أن ما يناهض ذلك المنطق ويعصف بتلك الحجة هو حقيقة إستحالة بناء أو تأسيس مثل هذه الكيانات والتجمعات إنطلاقاً من المنطق الجهوى وهى حقيقة تاريخية ثابتة لكل من يقرأ التاريخ وهنا أشير لتجربة حركة التضامن البولندية بقيادة ليخ فاليسا إبان حقبة الثمانينات.

هب أن الإخوة فى الشمالية وجبال النوبة والنيل الأزرق وإبناء البجة والرشايدة الخ قاموا بتأسيس كيانات مماثلة لأطبائهم وقضاتهم ومهندسيهم ومحاميهم الخ بدعوى الدفاع عن قضاياهم المحلية ذات الخصوصية وهو أمر لا يجوز لنا إنكاره أو حتى إستهجانه لأن القاعدة القانونية تقول What you approved for yourself cannot disapprove for others ، ألا يثير مثل هذا النهج القلق؟ ألا تغذى مثل هذه المبادرات حالة الإنشطار وتشجع على الإنقسام؟

أبلغ درس تعلمته من تجربتنا المريرة فى دارفور هو أن المناطقية – حينما تطرح فى غير محلها ولا توقيتها – سريعاً ما تتعرض للإنقسام الأميبى، إذ أنها وبحكم منطقها وبنيتها وتكوينها تحمل بأحشائها بذرة صراع داحس والغبراء وسوف ترتد – عاجلاً أو آجلاً – الى أبناء الأقليم أو المنطقة ذاتها بل وتمتد الى البطون والأفخاذ والعائلات ليصبح الجميع فى نهاية المطاف ذرات تسبح فى فضاء التشظى ثم العدم والفناء.

فى هذا العهد الكئيب والزمن الردئ، شاهد الجميع كيف أن الكيزان تلاعبوا بالمناطقية ووظفوها لأغراء كل من يود تحقيق مكاسب لا يستطيع تحقيقها فى فضاء التنافس الوطنى الواسع، إذ سمعنا بوزير سياحه لم يسمع بجبل مرة، ووزير ثقافة لا يعرف عما إذا كان محجوب شريف شاعراً أو رئيس حركة مسلحة وعضو برلمان يطالب بنصيب أقليمه فى منحة من البنك الدولى لتطوير مجلة الأحكام القضائية وآخر لا يعرف من هو إسماعيل الأزهرى.

رغم إستعصاء الأزمة فإن ضرورات المرحلة تفرض علينا جميعاً غض الطرف عن المظالم والخصوصيات المناطقية – ولو بشكل مؤقت – وأن نعتصم فى عملنا العام وتنظيماتنا المهنية بالحد الأدنى من الهوية السودانية التى تشدها – مهما إختلفنا - أواصر إجتماعية وتاريخية وثقافية وسلوكية بالغة الحضور فى أوساط عموم السودانيين.

أكرر مرة أخرى شكرى وتقديرى لمبادرة الأخوة بالمملكة المتحدة ولكن أقول لهم أن النوايا الحسنة قد تصلح فى أعمال الخير التطوعية وفى إدارة الجمعيات الخيرية، لكنها قطعاً لا تصلح فى تنظيم العمل العام أو المهنى خاصة خلال مراحل الإنتقال الحساسة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////