تداولت الأسافير مؤخرا مقتطفا منسوب للدكتور عبد الوهاب الأفندي، يقول فيه:
د.عبدالوهاب الافندي
(اعتقد ان هذه التجربة قد أضرت بالإسلام ضررا قد يصعب اصلاحه، وأكاد أقول انها مثلت جريمة في حق الإسلام والمسلمين).

ولقد اعترتني الدهشة من مطالعتي لمثل هذا الحديث، وعجبت لأن يصدر من رجل يوصف كثيرا بأنه بأنه مفكر من كبار مفكري الإسلاميين المعتدلين، وناقد للمتطرفين الذين يحتكرون الحديث بإسم الدين، وباحث ضليع، وداعية إسلامي يتصدر منابر الحديث عن قضايا وشئون الفكر الإسلامي الحديث، والحركات الإسلامية، والفكر الإسلامي المعتدل، ويكتب الكتب الفخيمة، باللغتين العربية والانجليزية، ثم هو بعد كل هذه المكانة، يعتقد بأن الإسلام، يمكن أن يضار بما يفعل أي فرد، أو تنظيم، أو جماعة، حاكمة كانت أو محكومة!
فمن الذي يجب أن يكون من المعلوم من الدين، بالضرورة، لكل مسلم، هو أن الإسلام هو الدين الذي أنزله الله هداية للناس كافة، وقال عنه في محكم تنزيله:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
وقال عنه سبحانه وتعالى كذلك:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) ۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
فهل بعد كل هذا يعقل أن يشك مسلم مؤمن بأن الإسلام يمكن أن يضار بما يفعل السفهاء من الأخوان المسلمين، الذين يدعون الحديث بإسم الله، ثم يفعلون مثل الأحبار والرهبان، الذين أشارت لهم الآية أعلاه: (إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)؟!
ففيم الخوف، والشفقة على دين الله، والحسرة على ضياع فرصة إنتصار الإسلام وانتشاره، والله سبحانه وتعالى قد تعهد بحفظه، وتعهد بأن يظهره على الدين كله ولو كرهت حكومة الإتقاذ وكل تنظيمات الأخوان المسلمين وجماعات المتطرفين؟!
المشكلة التي ظهرت لي من كلام الدكتور عبد الوهاب الأفندي أعلاه، هي أنه قد فوت على نفسه الفرصة في أن يتعلم من الحكمة من انكشاف وهم، وخداع، وخطأ، الفكرة الأساسية التي تأسس عليها تنظيمه، تنظيم الأخوان المسلمين! وهي فكرة فهم الإسلام السلفي، والذي يسعى دعاته إلى تحكيمه في وقت غير وقته، كما سعوا وحاولوا، ولا يزالوا يسعون ويحاولون، لتطبيقه على المجتمعات والدول الحديثة في عالم اليوم، وخاصة في القرنين العشرين والواحد والعشرين.
فقد غاب عنهم أن الإسلام في هذا المستوى الفرعي من الدين الإسلامي، قد كان خاصا بالقرن السابع، ولا يصلح لإنسانية وعالم اليوم، الذي يصلح له الإسلام في مستوى أصوله، كما فصل شرحه الأستاذ محمود محمد طه في كتبه العديدة، وفي محاضراته، وكما فصله تلاميذه الجمهوريين.
والحكمة التي غابت عن الدكتور عبد الوهاب الأفندي، من الفشل الكبير الذي أفرزته تجربة حكم الأخوان المسلمين، والتي أذاقت الشعب السوداني الأمرين، وأدخلت البلاد في محنة أحالت نهارها إلى ليل، هي ما نبهنا لها الأستاذ محمود، قبل حصولها بزمن، وقد أكد بأن مرور الشعب ودخوله في تجربة حكم هذه الجماعة، ستكون خيرا له، وستكون مفيدة في تعليمه، حتى يتحرر من أسر الفهم المتخلف للدين الإسلامي، ومن وهم الاعتقاد بأن تشاريع فروعه، القائمة على الشريعة الإسلامية، خلافا لتشاريع أصوله القائمة على السنة، يمكن أن تحل مشكلته.
فقد قال شهيد الفكر والرأي والاستنارة الأستاذ محمود محمد طه في 1978 ما يلي، ولقد صدقت نبوءته:


"من الأفضل للشعب ان يمر بتجربة حكم جماعة الأخوان المسلمين، إذ لا شك أنها سوف تكون مفيدة للغاية، فهي تكشف لأبناء هذا البلد مدى زيف شعارات هذه الجماعة، التي سوف تسيطر على السودان، سياسياً، واقتصادياً، ولو بالوسائل العسكرية، وسوف يذيقون الشعب الأمرين، وسوف يدخلون البلاد في فتنة، تحيل نهارها إلى ليل، وسوف تنتهي هذه الفتنة فيما بينهم وسوف يقتلعون من أرض السودان اقتلاعاً".


ولقد رأينا مؤخرا كيف صدقت الأحداث كل تفاصيل هذه النبوءة، ونحن نستشرف اليوم السطر الأخير منها! ولقد استيقنا مدى ما تعلمه الشعب، وما كسبه من الوعي، من معاناته، ومن تجربته المريرة التي عاشها خلال الثلاثين سنة الأخيرة من حكم الأخوان المسلمين. ولقد كان من المنظور والمتوقع أن يكون الدكتور عبد الوهاب الأفندي في طليعة من تعلموا الدرس البليغ، والأساسي، من هذه التجربة، بأن مكمن الخطأ هو في الإصرار على محاولة تطبيق هذا المستوى السلفي من فهم الإسلام، وهو الفهم الذي تضرر، إن جاز القول، وليس الإسلام كما يعتقد الدكتور الأفندي. كما وأن إدراك الخطأ في فهم الشيء لا يوصف بأنه قد أضر به، بل يجب أن يوصف بأنه وفر الفرصة الذهبية لتصحيحه!
فعلى عكس ما يعتقد الدكتور الأفندي، فإن الفهم الصحيح للإسلام، ما كان ليجد مثل هذه الفرصة الكبيرة لقبوله اليوم، بغير هزيمة الفهم المتخلف للإسلام الذي دعا له، وحاول الأخوان المسلمون تطبيقه، بهذه البشاعة، في السودان.
فهذا الفهم الصحيح هو الذي يقدم الإسلام في مستواه العلمي، بدستوره الإنساني، الذي يؤمن لجميع المواطنين في الدولة، الحقوق الأساسية والدستورية المتساوية، في دولة تسودها العدالة الاجتماعية الشاملة، وفق نظام الحكم الصالح، والقائم على المساويات الثلاث، الديمقراطية، والاقتصادية، والاجتماعية، والذي يدعو للجمع بين الإشتراكية والديمقراطية في جهاز حكومي واحد، كما فصله الأستاذ محمود.
أنا حقيقة أنتظر من أمثال الدكتور عبد الوهاب الأفندي أن يعيدوا النظر في قناعاتهم، ويراجعوا منطلقاتهم، ويتحرروا من وهم أن الفهم السلفي للإسلام فيه الحل، وأن الخطأ هو فقط في التطبيق غير الصحيح للشريعة الإسلامية، كما حدث في نموذج تجربة حكومة الأنقاذ. فقد وصل قبلهم الزعيم الإسلامي التونسي راشد الغنوشي ورفاقه لهذه الحقيقة البينة، فلماذا يتخلف الدكتور عبد الوهاب الأفندي، والكثير من رفاقه، عن إدراكها، وقد أصبحت بينة وواضحة، بحيث لا يمكن أن يجادل في وضوحها إلا معاند، أو مكابر، ونعوذ بالدكتور عبد الوهاب الأفندي من شرور المكابرة والعناد!
وستكون لي عودة بإذن الله لتفصيل كل هذا الذي أجملت، قريبا بإذن الله، كما أرجو من من أراد الاستزادة أن يبحث عنها في موقع الفكرة الجمهورية بالانترنت:
alfikra.org
بدر موسى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.