لم يحدث أن اطلعنا يوماً عن انتهاكات جسدية ونفسية بحق الناشطين السياسيين في بلادنا , إلا من بعد ظهور ما سمي بجهاز أمن الدولة , (البوليس السري) المنسوب لنظام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري , لقد كان الناس يهابون ذلك الجهاز القمعي و يحذرون الكبير و الصغير , من مغبة التعرض للحاكم العسكري والدكتاتور الأوحد بالنقد أوالتحليل , إلى أن جاء من هم أكثر شر وسوء وقسوة وبطش من زبانية النميري , فبدأوا بجز الرؤوس و دق الخوازيق, والكي بالنار التي لا يعذب بها إلا ربها , وشهد عهدهم أكثر الأحداث دمويةَ وفجوراً في الخصومة السياسية , منذ مجزرة رمضان في العام الذي تلى سطوهم على أسباب السلطة , إلى حين ضلوعهم في التخطيط و التنفيذ لأكبر كارثة إنسانية عرفها العالم, في إقليمي دارفور وجبال النوبة , فالتطور النوعي في وحشية أجهزة القمع التابعة لدويلة الهوس الديني , هو ربط هذه المخالفات اللاإنسانية و اللا أخلاقية المنتهكة لحق الانسان في الحياة بقيم السماء , فكل الدماء التي انهمرت على سفوح جبال النوبة و سهول جبل مرة, برر لها وباركها رجال ملتحون موسومون بعلامة أثر السجود على جباههم , يطلقون على أنفسهم (علماء وفقهاء الدين) , فهم قوم فضحهم واقع حالهم ليقول للناس كافة أنهم ليسوا سوى علماء للسلطان وخياطين ومطرزين , ينسجون له الثياب المتنكرة بناء على ما تمليه عليهم رغباته ونزواته , ومن ضمن هذه التطريزات المنسوجة, تلك الفتاوى المستبيحة لحرمة دماء الكرماء من أبناء الوطن , الذين يصدعون و يصدحون بكلمة الحق ليل نهار , من الناشطين السياسيين والفاعلين الإجتماعيين و حملة الفكر والرأي الحر , فمارس هذا النظام الاسلامي المتشدد ما لم يخطر على قلب بشر , من أساليب شنيعة بالغة الوحشية و شديدة القسوة بحق أصحاب الضمائر الحية.

إنّ الأفراد المستوعبين في أجهزة القمع الحكومية , في حقيقة أمرهم أنهم مرضى نفسانيون , فهم بحاجة إلى التأهيل النفسي والتقويم السلوكي متى ما تبدل نظام الحكم , وهذه تعتبر خطوة ضرورية وجوهرية يجب اتخاذها, قبل أن توكل إليهم مهمة أو وظيفة عامة, مهما صغر مقدار درجة المسؤولية المتعلقة بهذه الوظيفة. ففي واقع الأمر أن المجرمين الحقيقيين ليسوا هؤلاء المرضى , بل هم أولئك المخططون الكبار الذين درجوا على حياكة خيوط المؤامرة في الظلام الدامس, وفي أمسيات الليل البهيم حيث يتفننون في تنفيذ أجنداتهم اللئيمة , ويبرمجون تطبيقاتهم الحاقدة على أجساد الشرفاء من أبناء وطنهم , مثل الذي يرعى الكلاب الضالة فيحجرعليها نهاراً ويحرمها الأكل من خشاش الأرض , ثم يطلق سراحها ليلاً لتنهش جسد ذلك الأعزل مهيض الجناح , الذي لا يملك سلاحاً يدافع به عن وقع أنياب هذه الضباع الجائعة , وفي مثل هذه الحالة تقع المسؤولية الجنائية على راعي هذه الوحوش المفترسة , وليس العكس , فقد تحدث أحد المعتقلين الذين واجهوا صنوف من الضرب والسحل و الجلد, في بيوت أشباح منظومة التطرف و الهوس الديني , عن أن ذلك الرجل الذي كان يقتلع أظافره إكراهاً خلال الساعات الطويلة في طوابير التعذيب , لا يتردد في دعوته بكل عزم وإصرار إلى مشاركته له صحن إفطاره , في ظاهرة سلوكية لا تفسير لها سوى أن هذا الشخص يعاني جميع أنواع المشكلات والاختلالات النفسية , من إطراب ووسواس وإنفصام وهيستيريا وغيرها من الأزمات السايكلوجية التي تلازم هذا المعتل المصاب, فتخيلوا معي ما حل بالمعلم الشهيد ورفاقه المقهورين من فجيعة قاسية و أليمة بمدينة خشم القربة, أبطالها عصبة من مدمني استنشاق رائحة الموت ومعتادي إراقة الدماء البريئة و إزهاق الأرواح الطيبة , الذين جاؤوا على متن عدد من السيارات المدفوعة رباعياً من حاضرة الولاية , خصيصاً لمزاولة هواياتهم ونزعاتهم السايكوباتية والسادية بحق أناس لا يعرفونهم , إذ أنه ليس بينهم وبين هؤلاء المعتقلين ثأرات قديمة ولا خلافات شخصية , يمكنها على أقل التخمينات أن تكون مبرراً كافياً لارتكاب فعلتهم القاسية تلك , تصوروا معي مشهد ذلك الحفل المأساوي الذي ساد فيه الضرب المبرح بالسياط , و الركل المؤذي بالأرجل والصفع بالأيدي والجرح بالحديد الصلب على الأجساد , بأيدي خمسة أفراد مدججين بكل وسائل البطش يكيلون اللكمة تلو الأخرى على جسم فرد أعزل لا حول له ولا قوة , فانه من المؤكد أن دوافع هؤلاء المرضى النفسانيين لممارسة هذه البشاعة ليست دوافع سياسية , ولا علاقة لها بالصراع الدائر بين السلطة ومنافسيها في التنظيمات و الاحزاب و الحركات المسلحة , إنها مجرد محركات لكوامن ذلك الداء السيكولوجي اللدود في نفوسهم , الداء المستوطن الذي يلازم صاحبه منذ الصبا الباكر إلى مرحلة اشتعال الرأس بالشيب, تماماً مثل تلك الرغبة الجامحة التي دفعت ذلك الجندي الموتور إلى إجلاس المعلم الجسورعلى الخازوق , قد يقسم أحدنا بأن ذلك الجندي عندما أقدم على فعلته النكراء تلك , لم يكن يقصد بها الدفاع عن النظام الإخواني المتهالك , و إنما فعل ذلك نتيجة لاجترار أحداث أليمة قادمة من دهاليز ذاكرته المحشوة بما جارعليه الزمان الغابر , وهذا ما يجعلنا نعود و نكرر القول بأن الذنب ليس ذنب ذلك الجندي السقيم , بل هو ذنب وجريمة تلاحق من وظفه واستخدمه بناءً على استغلال هذه الخصيصة المنحرفة , المتأصلة في وجدانه والكامنة في عقليه الباطن و الظاهر.
لقد قرأنا كتباً و شاهدنا أفلاماً وثائقية عن مهام المخابرات الروسية و الأمريكية, عكست مهنية وحرفية هذه الجاسوسية العالمية في استخدامها الوحشي, للوسائل ذات التقنية المتقدمة في التعنيف والايذاء البدني , في سبيل أستنطاق العملاء واستجواب الجواسيس الأجانب والعملاء المحليين, الذين يستهدفون التخريب والإضرار بالأمن القومي للأوطان, لكننا لم نر ناشطاً سياسياً ولا كاتباً صحفياً أمريكياً ولا روسياً واحداً , قد تعرض لانتهاك الجسد و ازهاق الروح بحجة حماية سيادة الدولة , فان ما يتعرض له الناشطون المدنيون السودانيون من قمع وإرهاب , وتكميم للأفواه و قتل و تشريد من البلاد قد فاق حدود كل التصورات , وفوضى أجهزة القمع والتنكيل المسنودة بنظام الاخوان المسلمين في السودان , قد أفقدت البلاد خيرة كادرها المهني والفني المتخصص في شتى ضروب الحياة. و من مضحكات القدر الساخر أن ذات المنظومة الإخوانية التي مارست العسف و العنف بحق المختلفين معها في الرأي , ذهبت قبل عام لتستنجد بأحد الذين تسببت في طردهم من البلاد في الماضي القريب, فتسولت وتوسلت إليه واستجدته لكي يتولى أمر حقيبة المال , حتى يدير عجلة الاقتصاد الذي هبط و انهار ووصل نقطة اللاعودة , فأيما نظام حكم سياسي يشن الحرب على مواطنيه و يستهدفهم بالقمع و التعقب والترصد والتخوين , لن يجد له مكانا في الصفحة البيضاء الشاهدة على تاريخ الأمم و الشعوب الحرة.
وإنّه لمن المدهش حقاً أن يظل جيشنا الوطني يقاتل جيوشنا الشعبية الحرة , المطالبة بالحرية و الانعتاق من ظلم مركزية الدولة القابضة , هذه الجيوش الشعبية و الأهلية المنتشرة في ربوع أقاليم السودان, ومن الحسرة أيضاً أن تزهق أرواح الشباب ذوي السواعد الخضراء وتهدر طاقاتهم في أتون هذه الحروب العبثية اللعينة, و من المؤلم و المبكي كذلك أن تتفرغ أجهزة مخابرات الدولة لتتجسس على المواطن المسكين , و تتتبع حركاته وسكناته لترسل التقارير عنه وعن حياته اليومية, ماذا أكل؟ و هل شرب أم لا؟ و كيف نام؟ , لم نر هذه الأجهزة المتنمرة على الضعفاء و المساكين من مواطنيها , أن قامت بالقبض على مندس أجنبي عبر البحار, ودخل البلاد بهدف إلحاق الأذى والضرر بالأمن القومي , إنها لحقيقةً واقعة ومدعاة للأسف البليغ أن تتفرغ أجهزة الدولة العسكرية و الأمنية و المخابراتية , لتكون مشغولة بالصراعات البينية والداخلية تقوم بالأصطفاف وراء المتنازعين حول الكرسي.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.