الحرية هي وجود قواعد ومنظومات تحدد السلوك الإنساني تكون مقنعة وكافية لكفالة حقوق الإنسان. 

والسلوك هو كل ما يصدر عن الإنسان من أفكار يعبر عنها بالقول والفعل.
وقد تكون هناك قواعد طبيعية وعرفية وقانونية تضع حدودا وتنظم السلوك البشري (قولا وعمل) ولكن الفكر مصدر السلوك فلا قانون يحده ما عدا المنطق.
وهو مجموعة القواعد التي تحدد الخطأ والصواب وفقا لقدرة العقل البشري على الاستدلال قياسا وإستنتاجا وإستقراء.
وباستخدام المنطق في نقد الفكر ينبغي أن نبدأ بالشك في وجودنا ولكننا لانستطيع ذلك فشكنا يعني أننا نفكر ومن يفكر لا بد من وجوده (ديكارت ،الكوجيتو المعرفي )إذن ما دام وجودنا حقيقي فحواسنا نوافذ إدراك الوجود خارج ذواتنا لا بد أن تكون حقيقية كذلك مع كل الوسائل والأساليب التى إخترعناها لمساعدتنا في الإحساس بالمدركات الحسية من ناحية أخرى.
البنية المنطقية المتماسكة أعلاه هي ما أطلق العقال لعهد الأنوار في أوروبا منذ القرن السابع عشر إلي يوم الناس هذا.
وقد ترتب عليها نقد واعادة توصيف علاقة الإنسان مع الطبيعة من ناحية وعلاقته مع الإنسان الآخر في إطار منظومة العلاقات المجتمعية ذات الأساس الاقتصادي والسياسي.
مع الطبيعة إكتشف نيوتن قانون الجاذبية وقوانين الحركة ونسبية المسافات والامكنة إلي السرعات الحركية المختلفة فحرية الفكر هنا أدت إلي حرية الحركة بإكتشاف البخار وآلة الاحتراق الداخلي مما أطلق الثورة الصناعية وما تلاها من ثورات وتغيرات في الإنتاج والنقل واستكشاف العالم استعماره لغرض تسويق المنتجات وجلب المواد والبشر كمقومات لاقتصاديات الصناعة والتجارة الرأسمالية...
وهي ذات الحرية الفكرية التي بنظريات ماكسويل وبلانك حول الضوء والبرت إنيشتاين حول نسبية الزمن أدت إلي كشف العلاقات بين الطاقة والمادة إلي إن جاء نيلز بوهر وفجر مفاجأة ميكنيكا الكم ومبدأ عدم اليقين و أدي إلي إطلاق العنان لتكنولوجيا الإلكترونيات في مجال الاتصال والطب والحروب وغيرها ومنح الإنسان قدرة وحرية في إستخدام خصائص الطبيعة وإمكانياتها بشكل غير مسبوق.
في مجال الحقوق و الواجبات والقوانين التي تنظم العلاقات الاجتماعية اقتصادا وسياسة ولد عصر الانوار وحرية الفكر نتائج لا تقل خطورة عنها في مجال الطبيعة أعظمها الثورات الكبرى في أمريكا وفرنسا التي أرست مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في الحرية والحياة والعدل والمساواة (على الأقل في أمريكا والغرب ) ولروادها المفكرين من منتسكيو وجان جاك روسو وفولتير وجون لوك وهوبز أثرا بعيدا راسخا في إنشاء فلسفة طبيعية للعلاقات الإنسانية.
فهل نطمح إلي صحوة مماثلة ونطمع في ثورات في الفكر تطيح بالقديم فلسفة وقولا وعمل وتأسس مكانة لعقد جديد مع الطبيعة والمجتمع. .....؟
أم ما أنا إلا مجرد داعشي من نوع آخر مغرم بالعلوم ومفتون بالعقل ويرغب في ربط الوقائع بتاريخ أوروبا والغرب الحديث والمعاصر. ......كما يرغب الدواعش في العودة بعجلة الزمان إلي عصر صدر الإسلام والخلافة الراشدة. ...؟
ولهذا السؤال اجابة قد لا تسر الليبراليين انصار حرية الفكرة والقول والعمل...
فالمنظومة الفكريه أعلاه هي كل متكامل افرز نتائج على الطبيعة وعلاقات الناس في جوانب قد لا تكون كلها خيرا محضا وجمالا كاملاً كما يبدو من مقدمته العامة...
فهذه السيطرة التي منحتها الفكرة للانسان لم يمارسها على الطبيعة بالرشاد والعقلانية اللازمة لخيره ونفعه.... فدمر بيئة الأرض موطن سكنه بالقضاء على التنوع الاحيائي..واستنزاف الموارد... . و تلويث الهواء والماء واليابس... وابرز مشكلات لم تشهدها البشرية قبله مثل الاحتباس الحراري الذي بات خطراً يهدد استمرارية الحياة على ظهر الأرض كلها....
ومن ناحية أخرى لم تمنح حرية الفكرة سيطرة للانسان على الطبيعة وحدها بل أطلقت يده للسيطرة على اخيه الانسان... فكانت الحروب... و مخزونات الترسانة النووية الكونية وكان الاستعمار المباشر ونهب خيرات الأمم واستعباد الشعوب لدرجة الرق الصريح .... فضلا عن الهيمنة الامبريالية التي يمارسها الغرب على شعوب الأرض الأدنى منه مرتبة في التمكن من السيطرة على مقدرات الطبيعة.... وأقل منه مقاما في ممارسة فضيلة حرية الفكر....
ليس هذا فحسب بل على مستوى العلاقات داخل المجتمعات الغربية نفسها.. حدثت تفاوتات قسمت المجتمع إلى طبقات متناحرة متصارعة على اقتسام غير عادل للمال والسلطان وامتيازه..وإن نجحت هذه المجتمعات في توفير منظومات مؤسسية حدت من حدة التفاوتات وقللت من افرازاتها السالبة إلى درجة...

ولكن هذا الصراع والتفاوت أدى في جوانب أخرى إلى تفتيت النسيج الاجتماعي وغلبة الفردية المفرطة والانانية الحادة وقلة الغيرية الانسانية والايثار على النفس... مما أسفر عن تراكيب اجتماعية... قد تبدو غريبة مثل الأسر النووية المفرطة في الصغر... التي تحوى فردين.. قد يكونان من نفس الجنس... وحتى لو كانا على اختلاف جنسي لا يحبذان الانجاب... والأسرة وحيدة العائل.. وما نجم عن ذلك من مشكلات تتعلق بهرم الاعمار الذي يغلب عليه كبار السن ويحد ذلك من قدرات المجتمع الانتاجية ويهدد وجوده بالانقراض من جراء نقص التناسل التكاثري اللازم للبقاء والاستمرار.
فضلا عن هذا النوع من العلاقات الإنسانية الفردية الداعمة للتحرر تقود إلى تفشي الجريمة والمخدرات...
وغيرها من الانحرافات مما لا يسمح المجال بالاستفاضة فيه والتفاصيل.....
وبالتالي انحيازي لليبرالية الفكر والقول والعمل على اطلاقها بنموذجها الغربي الذي طغى وسيطر.... يسمح للآخرين بوصفي بالداعشي الليبرالي الموهوم... اذا وضعنا في اعتبارنا الانتقادات السالفة....
وهذه الانتقادات.. قادت لبروز تيارات فكرية سياسية اجتماعية نقدية معتبرة لها مبرراتها الواضحة والحقيقية والتي لا ينكرها عاقل...
وعندنا في السودان... يوجد منها الشيوعيين.... و القوميين العرب(ناصريين وبعثيين) .... والافارقة.... فضلا الاسلاميين...بتياراتهم المختلفة...
و ختاما نحن اليوم في مفترق طرق يحتم علينا تمحيص البدائل المطروحة لتمثل خلفية نظرية تسند ثورتنا القائمة وتمنحها اطار مرجعي.. ينبغي أن يقدم حلول مرضية لعلاقة الفرد بالجماعة... فلا تطغى الجماعة على الفرد فتمحق حريته وتمحى وجوده.. فضلا عن قتل وتقييد قدراته الابداعية التى لا تنمو وتذدهر خارج أطر الحرية والكرامة..ولا يطلق العنان للحرية الفردية خارج قيود الجماعة مما يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج سالبة غير محمودة.. ولربما تكون مدمرة....
وينبغي لبديلنا الذى تطرحه قوانا الحية ونخبنا المفكرة ... أن يجمع بين اصالتنا الثقافية... الممتدة جذورها... الى دوائر انتمائنا المتعدد انسانيا وعربيا وأفريقيا. واسلاميا.. وكل كريم المعتقدات الروحية التى نؤمن بها... فضلا عن تاريخنا المتوغل الى نبتة وكوش...ويكون معبرا عن هويتنا السودانية الجامعة والاصيلة...
حتى يكون هذا البديل اضافة للارث الثقافي الانساني العالمي يسهم في حل مشكلات البشر على الأرض...وتجاوز الأزمات الحضارية الثقافية التي تعانيها الانسانية.. فهل نحن قادرون على هذا...
أعتقد أن نستطيع أن نفعل... من خلال ثورتنا اليوم التى نأمل عبرها أن نتجاوز واقعنا البائس الى آفاق السمو الانساني الرحيب... ونحن اهلا لهذا وقادرون عليه...
ودمتم
عمر البشاري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////