أثار تدشين كتاب (مانديلا الجنوب ورحلتي إلى جوبا) للكاتبة المصرية سالي عاطف، الذي يوثق لسيرة الزعيم التاريخي للحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور، نهاية شهر يناير المنصرم، موجة جدل كبيرة بالشارع العام في جنوب السودان، وقوبل الكتاب بسيل من الإنتقادات والسخرية، بخاصة من قبل الناشطين على منصات التواصل الإجتماعي، بسبب أخطاء عديدة ومغالطات تاريخية وقعت فيها الكاتبة، وقد أرتاينا ان نوجه بوصلة النقاش نحو السجال الفكري الهادف، صون للحقيقة وحماية للحقوق، وحتى لا تسود العاطفة على العقل، والتعصب على المنطق، والغوغائية على الموضوعية، وأيضا لفائدة القراء والمتابعين والمهتمين.

وقبل النفاذ إلى المحتوى، حَريّ بنا أن نشكر الزميلة الصحفية سالي عاطف، على مثابرتها وجهدها، وهي تتصدى توثيقاً لواحد من أبرز الشخصيات السياسية في التاريخ الحديث لجنوب السودان، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، و أحد رموز الحركات التحررية في أفريقيا، وهي مغامرة في نظرنا تستلزم الدراية الكاملة، والاعداد الجيد، والموضوعية والمهنية والدقة، إلا إنها - الكاتبة - ما لبثت ان أخطأت بالوقوع في فخ القراءة الخاطئة للواقع (الجنوبسوداني)، كما انزلقت في مأزق "الخطاب العربي" ونظرتها الطوباوية" للسودان، كما يقول الدكتور منصور خالد، وبذا تورطت في قمع وتزييف التاريخ بوعي منها أو لاوعي، وهذا ما سنناقشه في متن المقال.

في الطروحات التي قدمت لمقاربة مفهوم (قمع التاريخ) .. نصل إلى انه، محاولة تقديم قراءة زائفة لواقع معين، وتبني احكام وافتراضات تفتقد السند التاريخي والمنطقي، وعكس صورة إنطباعية غير موجودة على الواقع، وفق منطلقات تخدم اغراض محددة، وللتقرب أكثر من المفهوم، نورد هذا الإقتباس من تقدمة كتاب (جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي) للدكتور منصور خالد :"السودان ككائن حضاري، ليس هو ما ينبغي عليه أن يكون وفق رغائب بعض أهله، أو حسبما يتخيله أكثر المحللين العرب ابتناءً على مقايسات غير متوافقة أو إسقاطات خاطئة. الذي يحدد كينونة السودان هو واقع اثني وثقافي شاخص لا ينكره إلا الأعشى، وإرث تاريخي متنوع ومتميز لا يتنكر له إلا دعاة قمع التاريخ".

وفي موقع أخر يضيف خالد :"وعلى كل فأكثر ما يستفز المرء فيما جاءت به الشريحة التي نتصدى لها من المعلقين العرب حول الشأن السوداني هو الإيحاء بانهم أكثر دراية بشعاب مكة من أهلها. وفي هذا هم ضحايا نزعين، الأولى ظنهم الثابت بأن وراء كل حدث داخلي مؤامرة خارجية، رغم أن فيما يتواتر من الاسباب الداخلية ويتسرد من الوقائع المحلية ما يفضي دون ريب للحدث/المؤامرة، النزعة الثانية هي إفتراض السذاجة في أهل السودان لأنهم لا يفطنون لما يراد بهم من شر. حقيقة الأمر أن هولاء المعلقين أسارى لنظرة طوباوية لما يجب ان يكون عليه السودان وفق منظور أيديولوجي محدد ولا يعنيهم، فيما يبدو، أن يتوافق هذا المنظور مع معطيات الواقع الموضوعي أو تعارض معها".

ونحن هنا نزعم ان الكاتبة عملت على (قمع التاريخ) وتزييفه، بايرادها معلومات مغلوطة وسطحية عن الدكتور جون قرنق وجنوب السودان، وإنها تعاملت مع موضوعها بعدم مهنية واحترافية، وأشرنا إلى تأثرها بوجه أو باخر بالصورة الزائفة لجنوب السودان في الإعلام العربي، ومن ثم اتجهنا لمناقشة الأخطاء التي وردت في الكتاب، حجة بحجة ومنطق بمنطق.

إن صورة جنوب السودان، في الإعلام العربي، ظلت مشوهة باستمرار، فقد تعمد المركز السوداني الذي امتلك تاريخيا أدوات (قمع التاريخ) على تصدير صورة زائفة عن طبيعة الصراع في السودان، بخاصة ما سَمَّيْتَ (مشكلة الجنوب)، بهدف كسب التعاطف والدعم، وساهمت في رسوخها النظرة غير الناقدة لقطاع كبير من المتلقين العرب، باستثناء العقول الواعية والمستنيرة التي نظرت دائما للوقائع بموضوعية وعقلانية ومنطقية، وغير مثال على ما نحن بصدده، هو تصوير الصراع الدائر في السودان منذ فجر الاستقلال في الأول من يناير 1956 ، بانه صراع بين الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي/الوثني، أو صدام ثقافي/إجتماعي بين الشمال/ العربي والجنوب/ الأفريقي، وذلك بالرغم ان الحركات الجنوبية المتمردة ظلت تضم بين قياداتها ومقاتليها افراد من أقصى الشمال النيلي يدينون بالإسلام، وبشكل اكثر وضوح في تجربة الحركة الشعبية، وكان يتم كذلك تقديم الجنوب على انه خط الدفاع الأول الذي يستخدمه الغرب وحلفائه - في اغلب الأحوال يقصد إسرائيل - للحد من تمدد وتوغل الإسلام إلى شرق افريقيا، وكان يكفي أيضاً الإشارة بسبب أو دونه للمخاطر المتوهمة المترتبة على إنفصال الجنوب وتأثيره على الأمن القومي المصري وملف مياه النيل، لإستثارة الرأي العام المصري وبالتالي إحراج حكومتها، وفي كل ذلك كان يتم التجاهل عمداً الظلم الذي يتعرض له الشعب في الإقليم الجنوبي، وقد ظلت الصورة على ما هي عليها، حتى بعيد إنقسام السودان، وقيام دولة مستقلة في الجنوب في يوليو 2011 ، ويمكن القول في المجمل ان العقلية التي انتجت هذه الصورة المشوهة تطورت مع الوقت، تحت تأثير عوامل عديدة، حتى تشكل منها ما يشبه مسلمات واحكام ثابتة مجافية لواقع الحال والتاريخ، وهذا العرض المختصر مع ظروف أخرى نعتقد انها ساهمت في تقديم صورة زائفة عن جنوب السودان وانسانها خارجياً، في ظل ضعف الإعلام المحلي، وعدم قدرته على مجاراة نسق الإعلام العربي السريع، بامكانياته البشرية والمادية الهائلة.

يحتوى كتاب (مانديلا الجنوب ورحلتي إلى جوبا) الصادر عن دار الجمهورية للصحافة بمصر، على (13) عنوانا جانبيا، بخلاف التقديم والإستهلالية والملاحق، كل عنوان يعالج موضوعا معينا، ويقع في (184) صفحة، وقدم له السفير أسامة شلتوت.

واعتمدت الكاتبة على معلومات استقتها خلال تجربتها كمديرة إعلام بسفارة جنوب السودان في القاهرة، ومديرة إذاعة (دريم اف ام) بجوبا، وعلى لقاءات مع عدد من الشخصيات ذات العلاقة بموضوع الكتاب، منهم الرئيس سلفا كير ميارديت، ووزير الخارجية السابق دينق ألور كوال، ورئيس مخابرات الحركة الشعبية السابق إدوارد لينو أبيي، وأرملة الراحل جون قرنق "مدام ربيكا نيادينق دي مبيور" وابنه مبيور قرنق وأخرين.

يحاول الكتاب تقديم تلخيص شامل عن سيرة الدكتور جون قرنق دي مبيور، للقارئ العربي والافريقي، وفق تجربة الكاتبة الشخصية، واختارت لذلك عنوان ظل محل جدل كبير (مانديلا الجنوب ورحلتي إلى جوبا) بيد لم تدفع باي شروح أو مبررات حول دوافع اختيارها لهذا العنوان، ولم تتطرق لاوجه الشبه أو نقاط التلاقي والتقاطع سياسيا وفكريا بين نيلسون مانديلا وجون قرنق، أو إجراء مقاربة بين الرجلين، بل اكتفت بالقول :".. هو الزعيم والمناضل الثوري الذي أسميته "مانديلا الجنوب" الدكتور جون قرنق دي مبيور" أبن الأرض السمراء ... صفحة 5"، وهذا العنوان المربك موضوعا لم يكن مدخلا موفقا للحديث عن السيرة الذاتية لقرنق، ويعكس اختلالا في الرؤية. ومانديلا كما هو معروف، هو إيقونة النضال في بلاده وفي أفريقيا والعالم، آمن بقوة النضال السلمي بعد قراءته ظروف النضال في موطنه، وناهض نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (الأبارتايد) بقيادة "فريدريك وليام دي كلارك" حتى تمكن من كسب الجولة ووضع بلاده في المسار الصحيح نحو التحرر الكامل وتحقيق المساواة سياسياً وإجتماعيا واقتصاديا للمواطنين، وبداية التعافي من تركة النظام السابق. أما "جون قرنق" فبعد تشخيصه لاوضاع السودان، أختار النضال المسلح وسيلة لتحقيق أهدافه، وظل يقاتل الحكومات المتعاقبة، حتى إستطاع الوصول إلى إتفاقية السلام الشامل في يناير 2005 مع حكومة الرئيس عمر البشير، التي انهت أطول حرب أهلية في افريقيا، وقرنق أيضا كان وحدوياً وصاحب نظرة وطموح ورؤية تتجاوز "السلالة والدين والعرق إلى المواطنة"، وكان رؤيته تتخطى نطاق جنوب السودان والسودان، إلى إمتدادات أوسع، "مفكر، ايديولوجي، أدرك معطيات العصر قبل الكثيرين" كما وصفه المفكر المصري ميلاد حنا، وانتمى قرنق إلى المدرسة الإشتراكية الافريقية، واعتنق افكارها أبان دراسته في تنزانيا، وهناك تأثر بالمناضل الافريقي الكبير جوليوس نايريري، وارتبط بالعمل الثوري، وأصبح اشتراكيا يدعو إلى تغيير الحياة الريفية الافريقية، وفي تنزانيا أيضا نضجت رؤيته لبلاده وللعالم كله (راجع كتاب أروب مدوت –الطريق الشاق للسلام)، كما إستطاع ان يضع تصورات واضحة لحل قضية جنوب السودان في إطار السودان الواحد، مستفيداً من التجارب السياسية السابقة، وقد انفق جل عمره وفكره من أجل تحقيق هذا الهدف، ولم تكن الوحدة بالنسبة له مسألة تكتيك أو موقف براغماتي، يهدف منها لتعظيم الدعم للثورة، رغم ان عدد كبير من الجنوبيين كان يرونها على هذه النحو، وواجه قرنق إنتقادات حادة من قبل خصومه ورفاقه معا، إذ وصف بالعناد وضبابية الرؤية بسبب عدم الإنسجام بين تنظيراته ومعطيات الواقع، فبينما كان يدعو للوحدة وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، كان غالبية جنوده وبعض القادة ينادون علناً بانفصال جنوب السودان، تماماً كما تعكسها الأغاني والجلالات الثورية للحركة، وهو ما حدث بالفعل، وقد كان موقفه المتمسك هذا احد مسببات الخلاف الإيديولوجي العميق داخل منظومة الحركة، وقاد لاحقا إلى جانب عوامل أخرى إلى الإنشقاق التاريخي في العام 1991، ويمكن القول هنا ان الافكار التقدمية لقرنق كانت تواجه واقع صعب وبيئة غير متسامحة، لذلك ظل يخوض صراع أيديولوجي شرس ضد خصومه في الخرطوم، الذين حشدوا ضده كل الأدوات المشروعة والغير مشروعة، من ضمنها تشويه صورته والتشويش على أفكاره في الإعلام، وقرنق أيضاً كان يؤمن بأهمية التعاون والتكامل بين دول حوض النيل، بخاصة بين السودان ومصر، ودول القارة الافريقية عموماً، وكان موقفه إيجابي تجاه "قناة جونقلي" الذي اعد حولها اطروحته لنيل درجة الدكتوراة في أمريكا، وكان يرى انه يجب استصحاب المخاطر والأضرار المترتبة على حفرها، وان تساهم القناة أيضا في التنمية في جنوب السودان وليس فقط زيادة حصة مصر من المياه، ويمكن وصف قرنق على نحو دقيق من خلال الكلمات التي رثاه به صديقه وزميله السابق في الدراسة الرئيس اليوغندي يوري موسيفني :"الرؤيا الواضحة عملة نادرة في افريقيا، وقد كان قرنق يتمتع برؤيا واضحة للجامعة الافريقية Pan-Africanism"، وكان قائداً لا يتنازل إطلاقاً عن قضية وطنه في السودان"، وإن مات دون أن ينجز ما كان يصبو إليه كاملاً، فهو يستحق على الأقل أن يقدم إلى العالم على هذا الاساس والخلفية، وليس تحت عباءة أخرى.

أتسم الكتاب بالسطحية وعدم الدقة في التحليل وقراءة الأحداث، ووقعت الكاتبة في هنات أفسدت الموضوع في الكثير من الفقرات، علاوة على أخطاء في الأسماء والتاريخ والجغرافيا والمجتمع، ويتضح جلياً ان الكاتبة اهملت الرجوع إلى المصادر السابقة التي تناولت سيرة وأفكار واطروحات الدكتور جون قرنق، والتأريخ السياسي والاجتماعي لجنوب السودان، على سبيل المثال كتاب (جون قرنق .. رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية) الذي حرره دكتور الواثق كمير، وقدم له كلا من الكاتب والمفكر المصري ميلاد حنا، ورئيس مجلس الشورى المصري، رئيس أسرة وادي النيل "سابقاً"، الدكتور صبحي عبد الحكيم، وصدر عن دار الرؤية للنشر والتوزيع في القاهرة 2005، وكتاب القيادي بالحركة الشعبية إدوارد لينو أبيي عن جون قرنق باللغة الانجليزية (Dr. JOHN GARANG de MABIOR ATEM - A MAN TO KNOW - By. Edward Abyei Lino) وأيضا المرجع التاريخي المهم للكاتب والصحفي أروب مدوت أروب (الطريق الشاق للسلام .. القصة الكاملة لتأسيس وتطور الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان 1983 – 2005)، وكتاب (تاريخ الفكر السياسي في جنوب السودان) للدكتور جون قاي يوه .. الخ.
من الصعوبة حصر كل الأخطاء التي وقعت فيها الكاتبة، في هذا المقال المقتضب، ولكن سنورد بعض النماذج للإستدلال فقط، وسنعلق على كل نموذج بما نراه صائبا، لوضع الحقائق على نصابها، وأرجو من القارئ الكريم أن يعود دائما إلى الكتاب والمراجع التي اشرنا إليها انفا، ليراجع ويطابق.

قالت الكاتبة :"كان يحارب – يقصد قرنق – حتى إستطاع تحقيق النصر بالانفصال .. صفحة 11" هذه الفقرة كانت تحتاج فيها للتوسع في التحليل، بخاصة ان موضوعها ظل يثير نقاشا مهما، ويطرح استفهامات عدة، هل إنفصال جنوب السودان هو إنتصار لمشروع الدكتور جون قرنق؟ هل كان موقف قرنق من الوحدة برغماتيا؟ هل انتصرت ظروف الواقع على حلم الوحدة؟ هل كانت الظروف السائدة انذاك يمكن ان تقود للوحدة في ظل وجود قرنق؟ هل يمكن القول ان الإنفصال/الاستقلال هو إنتصار لرغبة الجنوبيين وليس إنتصار لمشروع الدكتور جون قرنق؟ هل كان قرنق سيحول دون إنفصال جنوب السودان إذا ما بقى على قيد الحياة؟ هذا الموضوع كما يتراى لنا يحتاج إلى نقاش مستفيض، ولكن الكاتبة فضلت عرضه بهذا الإختصار المخل.

مرة أخرى تقع الكاتبة في خطأ :"... في عام 1972 والذي يعد البداية الحقيقية للتمرد وبداية صراع طويل نحو الانفصال الحقيقي الذي بدا نتيجة عدة قرارات اصدرها الرئيس جعفر نميري اطاحت بالاتفاق السابق وادت لتقسيم الأقليم إلى ثلاثة اقاليم ونقل الكتيبة (105) وبعض الجنوب إلي الشمال، كما تم إرسال قوات لإخضاعها فأدى ذلك إلى هروبها إلى الأدغال الاستوائية لتصبح فيما بعد نواة جيش الرب .. صفحة 20" هذه الفقرة تحتوى على أخطاء فادحة، فـ كتيبة (105) التي كانت تتمركز في مدينة بور، لم تهرب إلى ادغال الإستوائية، لتشكل نواة جيش الرب، بل اشتبكت مع القوات الحكومية، وخاضت قتال ضروس حتى تم ارهاقها، واصيب قائدها الرائد كاربينو كوانين بول، وبعدها إنسحبت شرقا إلى الحدود الإثيوبية، وهناك التقت مع قوات القائد وليم نيوان بانج (جزء من كتيبة 104) التي تمردت من حامية "أيود"، وقوات أخرى تمردت من حاميتي الجيش في "بيبور وفشالا" وشكلت هذه القوات مجتمعة رفقة قوات أخرى قدمت من انحاء متفرقة من الإقليم الجنوبي النواة الأولى للجيش الشعبي لتحرير السودان. بينما "جيش الرب" هي قوات مقاومة يوغندية، يقودها القس جوزيف كوني المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية منذ العام 2005 بسبب إتهامات تتعلق بإرتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان وإسترقاق الأطفال، وتنشط قواته التي تعرف أيضا بــ (حركة الرب) شمال دولة يوغندا، وشمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وافريقيا الوسطى وعلى الشريط الحدودي لجنوب السودان مع هذه الدول. اما بشأن توقيت إندلاع تمرد/ثورة الحركة الشعبية، فان الموعد الصحيح هو 16 مايو 1983، وليس في العام (1972) كما تفضلت الكاتبة.

أيضا ذكرت الكاتبة في معرض تعليقها على صورة تجمعها مع القيادي بالحركة الشعبية – شمال، إسماعيل خميس جلاب، بانه مواطن من دينكا بور، والصحيح أن إسماعيل جلاب ينتمي إلى شعب النوبة قبيلة (تيما) في جنوب كردفان، وذكرت أيضا ان الفريق مالك عقار اير، الوالي السابق لولاية النيل الأزرق السودانية، هو من قاد إلى تجدد الصراع في دارفور :" ... كان سكان أبيي يتطلعون للاستقرار منذ عام 2010 ولكن حدثت انتخابات وتجددت الصراعات بقيادة مالك عقار في دارفور، وبقيادة عبد العزيز الحلو .. صفحة 127". وعقار الذي يقود حاليا احدى أجنحة الحركة الشعبية – شمال، ليس له اي صلة مباشرة بتجدد الصراع في إقليم دارفور.

لم توفق الكاتبة أيضا، عندما وصفت إنشقاق 1991 في القيادة العليا للحركة الشعبية، بانه صراع بين قبيلة الدينكا وقبيلتي النوير والشلك، فـ الصراع كان بين فصيلين في الحركة، فصيل رئيسي بقيادة الدكتور جون قرنق عرف ب(فصيل توريت)، وفصيل اخر بقيادة الدكتور رياك مشار تينج، والدكتور لام أكول أجاوين وأخرين (فصيل الناصر) وتعود الأسباب المباشرة للصراع إلى خلافات سياسية وتنظيمية بين المنشقين والقائد جون قرنق حول أسلوب إدارته للحركة، وبالرغم من ان الصراع اتخذ بعد قبلياً دموياً في بعض الاحيان، إلا ان الإشارة إلى ذلك دون تحليل وسرد الوقائع المجردة، قد يتسبب في لبس للقارئ وينقل له معلومة ناقصة عن الحادثة.

عزيزي القارئ/عزيزتي القارئة، هذه بعض الأمثلة على الأخطاء التي وردت في الكتاب، وهنالك أخطاء أخرى لا يمكن حصرها في هذه العجالة كما اسلفنا لضيق المساحة، وإن المرء ليستغرب كيف لسفر توثيقي يتناول موضوع مهم وحيوي وبهذا الكم الهائل من الأخطاء والمغالطات، ان يتجاوز لجنة المصنفات ويطبع ويرى النور؟!.

في الختام، نخلص إلى أن الكاتبة اختارت موضوع ليس لها إلمام بابعاده المختلفة، ولم تتقيد باصول ومنهجيات واخلاقيات البحث العلمي، صحيح ان (الكتاب) جاء في سياق التجربة والخبرة الشخصية للكاتبة خلال عهدها بجنوب السودان، بيد انها افسدته بايراد سيرة ناقصة ومشوهة عن الدكتور جون قرنق، وبما أن الكتاب تم تدشينه رسمياً في القاهرة، واضحى معروضاً في الأسواق بتلك الأخطاء، وعدم وجود اتجاه لسحبه، ليس لنا سوى ان ندعو القراء لتمحيصه بعيون صقر قناص وإلقاء نظرة ناقدة عليه لتبيان الحقائق، وكما يقول أدونيس "أدب الكاتب يستوجب أيضا أدب القارئ".

_____________________________

ملوال دينق – كاتب من جنوب السودان
يمكن التواصل معه عبر البريد الإلكتروني:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.