بعد أن استطال عمر سلطة " الانقاذ " طولاً استشرى معه اليأس من قدرة السودانيين على النهوض مجدداً لمقاومة سلطة " الانقاذ" الغاشمة انتفض السودانيون في ديسمبر الماضي بجسارة مذهلة ذوداً عن حياض حقهم المشروع في حياة تليق بالبشر٬ حياة حرّة وكريمة٬ منتظمين في ملحمة شعبية غير مسبوقة في وجه عصابة "الانقاذ" التي أفسدت الحياة في بلادنا حيث استباحت الحرمات وداست على كل مقدس وانتهكت الأعراض جاعلة من الحياة جحيماً لايطاق محيلة الوطن الذي خصخصته لأهل الولاء إلى سجن كبير يتنقل فيه السودانيون وهم منكسرو الهامات كالارقاء يقاسون الأمرّين ويتعرضون لشتى ضروب التحرش والاهانات والتعدي والاحتقار عند بوابات التفتيش المنصوبة بين كل ولاية وأخرى٠

بلى لقد نهض السودانيون وأي نهوض بعد أن استيقنوا تمام الاستيقان من أن بقاء سلطة " الانقاذ" فيه هلاكهم وذهاب ريحهم كأمّة وقابل جلاوزة السلطة تحدي المقاومة الشعبية العزلاء بالبطش وزخّات الرصاص المميت والاعتقال والتعذيب المهين للكرامة ضرباً بالسياط ويبدو أن الجماعة الانقلابية التي استولت على السلطة في يوينو 1989 لم تأتِ إلا لتأديب السودانيين وامتهان كرامتهم وتمريغ إبائهم في ثرى المذلة والمسغبة حتى تنكسر شوكتهم ويصيروا أقناناً لأهل السلطة٠

لقد تمخض ماسمي بالمشروع الحضاري للمفارقة عن وحشية غير مسبوقة وعن ردّة إلى عصور الظلام وانكشف القناع عن اسلام هذه العصابة عن تعطش مريع للتسلط وتمكين لأهل الولاء وإقصاء للآخرين وعن نزوع مرضي للفساد والافساد٠

لقد خرج مارد الشعب المقموع لثلاثة عقود من القمقم وليس في مقدور السلطة بالغاً مابلغ عنفها من الوحشية على اعادته للجرّة وحبسه فيها من جديد ليستمر عبث طبقة الحكام المرفهة في الولوغ في استباحة المال العام بلارقيب، لكن الانتفاضة المستمرة لقرابة الشهرين لم تتمكن حتى الآن من إجبار الحكام على الرضوخ لمطلب التنحي، وأما الجيش فلا أمل يرجى في انحيازه لانتفاضة الشعب بعد أن افسده الحكام بفتات العطايا والامتيازات وبالنظر إلى سلبية موقف العالم الذي يتفرج الآن على عنف الدولة المنظم حيال المتظاهرين السلميين في السودان فما من أمل في أن يأتي الغوث من الخارج، فكيف الدبارة إذاً؟:

إذا لم تُتوَّج باضراب عام يشلّ الحياة في القطر وهو الأمر المستبعد حدوثه حالياً فإن أقصى مايمكن أن تبلغه الانتفاضة الحالية هو خلخلة نظام " الانقاذ" وزعزعة أركانه وإرباكه، أما الخلاص من ربقة "الانقاذ" فليس هناك من سبيل لبلوغه سوى استخدام القوة وذلك بتكوين جماعات سرية مسلحة في كل منطقة، جماعات لاتخوض حرباً تقليدية ضد الحكومة٬ بل يكون عملها هو التخطيط المحكم لعمليات فدائية تقذف الرعب في قلوب الحكام وتستهدف رموز السلطة السياسية والأمنية٠

عندما تنشأ هذه الجماعات السرية المسلحة وتشرع في تنفيذ عمليات الاستهداف التي تطال رموز السلطة ،وعندما تتكلل مساعيها بالنجاح فتأخذ رموز الشر السلطوي في التناقص، عندها فقط سيفيق الطاغية وأعوانه من سكرة الحكم٬ ثم يدركوا أن النهاية قد دنت، وأن حسبة أيامهم قد صارت معدودة٬ وأن جوف الأرض صار خيراً لهم من ظاهرها، وأن طعم الحياة مع مايسوّر دنيا جماعتهم المعزولة عن الشعب من بهرج مسروق وعز نبت من السحت قد غدا ماسخاً، وأنه لم يعد أمامهم من خيار سوى تسليم السلطة للشعب بالتي هي احسن أو مواجهة القدر المرعب الذي لامحالة نافذ إلى مكامنهم بخطى الثأر والانتقام عبر أستار الظلام٠

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////