عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رويتُ مرّة من مرويات الحرب العالمية الثانية أن الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول الذي كان يقود قوات فرنسا ضد الاحتلال النازي لبلاده.. عندما دخل باريس منتصراً سأل من حوله عن أحوال بلاده وما طال مؤسساتها من تدمير.. فأخبروه أن الألمان دمروا كافة المؤسسات.. فسأل مرة أخرى: هل القضاء بخير؟ قالوا له نعم.. قال: إذن فرنسا بخير..!
الحكمة ليست لدى ديغول وحده، فهي ضالة الضمائر الحيّة.. وهي منثورة في التراث الإنساني وفي تراث الأديان، بل في الحاضر الماثل في عالم الغرب، وقد شاهد الناس في الأيام الفائتة أحد مقاطع الفيديو والحوار العجيب الذي جري في قاعة محكمة في بلاد العجم كما نسميها.. (وسبحان من يُنطق العجماوات)! وقد كان حواراً إنسانياً رفيعاً وشيقاً بين قاضٍ تملأ الحكمة والرحمة وجهه، وبين فتاة عشرينية من الوافدين على فرنسا.. وربما كانت سودانية أو عربية أو مشرقية أو كيفما كانت.. هو يسأل بعطف وأبوة حانية، وهي تجيب بابتسامة مشرقة.. هو يلحف في سؤالها بكل مودة ووقار ليعلم ما إذا كانت تقوى على دفع غرامة بسيطة في مخالفة مرورية طفيفة، ثم يعفيها من الغرامة المقررة عندما يعلم أن أحد الرعاع في الشارع هشّم زجاج سيارتها..ثم يودعها بابتسامة وتودعه بعرفان ورضا..!
ولمن شاء أن يراجع أحكام السلف الصالح وأقوالهم فقد يكتفي بعبارة موجزة للخليفة الأول في أول عهده (الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه)..ولكن يكذب من يقول إن القضاء يمكن أن يكون من الأمور التي ينهض بها ضعاف النفوس والتأهيل، ومن يعانون ضعفاً في عارضتهم الأخلاقية، وأصحاب الميل والأهواء، والذين يمكن أن يحكموا على الناس وشفاههم تتلمّظ ولعابهم يسيل على المنافع الخاصة، والعوائد المالية والمادية، أو التطلع إلى المكاسب غير المُستحقة، أو الخشية من غضب أهل الحظوة وأصحاب النفوذ، أو الطمع في نيل ثمن الموالاة... فهنا تتهشّم الموازين وتختل المعايير وينام الضمير.. ويكسب القاضي الذي يخون مهنته وأمانة وظيفته (لعنة الأزل وذل الأبد) مع اسوداد صحائفه وبوار سيرة سلفه وخلفه.. واستمطار اللعنات عليهم .. سابقاً عن لاحق!
أحد القضاة عندنا خرج في حالة انبساط (وهو يحمل خزّيه) بعد أن قام بتوقيع عقوبة الجلد على نساء من بلادنا..ولك أن تتخّيل هذه الهمّة العالية والغضبة المؤتمرجية...نساء لسن بسارقات بل كنّ يطالبن بالحرية والكرامة في دولة (هؤلاء الربانيين) الذي يتركون سارقي المليارات وقاتلي الأنفس و(يتشطّرون) بالحكم بجلد نساء محبوسات بغير جريرة... ووزير العدل يقول إن الطوارئ التي يجري تطبيقها (هيّنة ولينّة)..!! هذا ليس تخريجاً بل هو ما قاله وزير العدل حرفياً.. فقد قال إن تطبيق الطوارئ (يتم بصورة خفيفة هيّنة وليّنة)..وهي كذلك يا مولانا! ..فلا مشكلة في الحكم بجلد النساء واقتحام البيوت وانتشار المجندين الذين يحومون داخل غرف النساء وهن بملابس الخصوصية البيتية.. ووزير العدل لا يرى في ذلك أمراً غريباً، وهو يرى ضرب الناس وهم عزلاء محتجزين في ظهور البكاسي ويتناوب على ضرب الصبي أو الشاب أو الفتاة الواحدة أكثر من خمسة مغاوير يحملون العصي والخراطيش... والتطبيق خفيف وهيّن وليّن..! وصاحب كتائب الظل الذي كان يتلاسن في الديمقراطية الثالثة بخطيئة احتجاز النساء لليلة واحدة في الحبس يصمت الآن عن الحكم بجلد النساء وعن (لطعهن) في السجون والمهانة بالأسابيع والشهور ولا يتمتم بكلمة استغفار واحدة..!
ليست هذه من الأمور الهيّنة والليّنة التي يمكن أن تمر على المجتمع السوداني وكأن شيئاً لم يكن.. بل هي من الأمور الجسيمة ولا عذر فيها لمجاراة أو موالاة أو اعتذار وتحجّج بفقدان المنصب أو الامتيازات.. فأرض الله واسعة.. وإذا كان وزير العدل لا يقوى على رؤية العدل، وإذا كان القاضي لا يستطيع (أن يكون قاضياً) فلماذا تحميل النفس فوق طاقتها..وهناك الكثير من الوظائف التي لا تتطلب ما يتطلبه منصب القضاء والعدل من استقامة، حيث أن التعامل مع الحقوق والذمم وكرامة البشر ليس كالتعامل مع ماكينات مصانع (التعليب والتغليف).. مع أن لكل وظيفة مهامها ومتطلباتها.. ولكن القاضي ومستوزر العدل يعلم أنه يجلس في منصة مخرجاتها هي (الإنصاف أو الظلم) والظلم ظلمات في الدنيا والآخرة.. فلا يشمخر أحدٌ بأنفه ويحسب أن مجرد ارتداء الجاكيت وربطة العنق المُنشأة أو (الروب) والطيلسان الأسود يجعل منه قاضياً أو مرجعاً للعدالة.. هكذا تتشقّق جدران قصر القضاء والعدالة.. وهذا ليس بمستغرب على هؤلاء المستوظفين السعداء الذين تجمعهم (معيّة المؤتمر الوطني).. جفّت الأقلام وطويت الصحف..!