من محاسن الصدفة أن تكون هبة ديسمبر تجسيد لعودة الروح و قد جاءت في لحظة يكاد يكون فيها العالم بأكمله يتخلق ليولد من جديد. خرج العالم الآن منهك من قيم النيوليبرالية يبحث عن امكانية تحقيق الشرعية و المثال الكامنة في معادلة الحرية و العدالة وعلى الريادات الوطنية الواعية أن تقدم أحسن ما عندها حتى تبدأ مع العالم نماذجه و تخطيطاته الجديدة لتحقيق العدالة و الحرية فهذه اللحظة التاريخية تتشابه مع لحظات تاريخية كان فيها الفارق المعرفي كبير بين الشعوب مثل لحظة انتهاء الليبرالية التقليدية 1889 حيث كان العبء الكبير يقع على عاتق شعوب المستعمرات و مثله يقع على طبقة العمال في الدول الصناعية نفسها تلك الحقبة تماثل حالة الاقتصاد العالمي اليوم حيث نجد في أوروبا و قد أصبحت ظاهرتا تنامي الفقر و تفشي اللا عدالة علامتين قد عاودتا الظهور في مجتمع حديث قد فارقهما منذ حقب طويلة أي منذ أن فك علم الاقتصاد ارتباطه بالفلسفة و الدين و أصبحت فكرة العقلانية و ابداع العقل البشري في سيرهما تتضافران بدقة لاخراج المؤسسات الاجتماعية التي تعمل بكفاءة كما يقول أدم اسمث.
في زمن انتهاء الليبرالية التقليدية كان السودان على بعد عقد من الزمن تنتظره معركة كرري و بعدها يرزح لستة عقود تحت نير الاستعمار و عبرها تخوض أوروبا نفسها حربين عالمتين و ما بينهما يقع الكساد الاقتصادي العظيم 1929 حيث نجد جون ماينرد كينز يضم صوته في أفكاره التي قد أسس عبرها النظرية العامة لصوت أرنولد توينبي الكبير في نقده لليبرالية التقليدية. يتسيد جون ماينرد كينز بأفكاره الاقتصادية على مناشط العالم من بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الى بداية عقد السبعينات من القرن المنصرم حيث تظهر أزمة الدولار و تبداء بعدها أمواج الآلام السلبية بسبب سيطرة أفكار النيوليبرالية و هاهي أوروبا نفسها تكافح من أجل الخروج سالمة من آثار النيوليبرالية حيث نرى انتخاب ترمب و خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي و انتخاب ماكرون في فرنسا كلها ظواهر تعلن عن انتهاء حقبة النيوليبرالية و ميلاد عالم جديد لذلك قلنا من محاسن الصدف أن هبة ديسمبر قد جاءت في لحظة يتخلق فيها العالم ليولد من جديد و تعلن عن نهضة جديدة لمفهوم الوطن.
ميلاد العالم من جديد قد تراءت أفكاره في انتخاب ترمب و فكرة امريكا أولا و خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي و انتخاب ماكرون و كلها مؤشرات بأن الثلاثة عقود القادمة ستكون حقبة انطواء كل أمة على نفسها و تطبيق فكرة الحماية الاقتصادية و نرى بوادرها في حرب ترمب التجارية مع الصين التي قد أصبحت من أكبر المدافعين عن فكرة التبادل الحر و هنا تظهر المفارقات العجيبة أن تعود أوروبا الى فكرة الحماية الاقتصادية و تدافع الصين عن فكرة التبادل الحر لأن نهضتها الاقتصادية تعتمد على الخارج و فكرة التبادل الحر فالصين لم تك مستقبل العالم بل ما زال أمامها الكثير لتنجزه و خاصة أن أوروبا لم تخرج بعد من التاريخ بل مازالت أوروبا تمثل مستقبل البشرية و اعادة نهضتها تعتمد على الداخل لذلك ستعود أوروبا و امريكا الى فكرة الحماية الاقتصادية لكي تمسح بها آثار النيوليبرالية. فعودة أوروبا و امريكا الى فكرة الحماية الاقتصادية هي مرحلة أن تنطوي كل أمة على نفسها لأعادة بناء اقتصادها الوطني و هذا يحتاج لثلاثة عقود و بعدها يمكن أن يرجع الاقتصاد العالمي الى فكرة التبادل الحر من جديد.
عودة كل أمة الى حيزها الاقتصادي و تطبيق الحماية الاقتصادية في اوروبا لم يأتي بسهولة و الدليل على ذلك مظاهرات فرنسا أي أصحاب السترات الصفراء و معارضتهم لسياسات ماكرون و النخب الفرنسية التي قد أصبحت تحت هيمنة الاقتصاد الألماني فلا خلاص لفرنسا بغير خروجها من العملة الاوروبية الموحدة و اعادة سيطرتها على سياساتها النقدية و بالتالي الرجوع الى فكرة الحماية الاقتصادية. فالنخب الفرنسية قد ضلت طريقها و رضيت بفكرة هيمنة ألمانيا على الاقتصاد الأوروبي ولكن هاهو الشعب الفرنسي يحاول اعادة معادلة الحرية و العدالة و لا يمكن تحقيقها بغير سيطرة فرنسا على سياساتها النقدية التي لا يمكن استردادها بغير الخروج من العملة الاوروبية. مظاهرات أصحاب السترات الصفراء في فرنسا هي أعلان نهضة جديدة لمفهوم الوطن و تجسده مسألة رفع الأعلام الفرنسية و النشيد الوطني و هو ما يتعارض مع فكرة العملة الاوروبية الموحدة و يجسد مرحلة انطواء كل أمة على نفسها الى حين.
في ظل حكم الحركة الاسلامية السودانية قد أصبح الاقتصاد كعب أخيل و قد انعكس في تدني مستوى المعيشة للشعب السوداني بشكل غير مسبوق و فضح جهل النخب السودانية بفكرة الاقتصاد و المجتمع منذ فجر الاستقلال و الى اللحظة المتمثلة في تحطم الحركة الاسلامية السودانية و قد جسدت عمق وحل الفكر الديني الذي قد غاصت فيه النخب السودانية في تدرجها في طرح الخطاب الديني من كل شاكلة و لون في زمن كانت علامته الفارقة بين المجتمعات التقليدية و المجتمعات الحديثة مجد العقلانية الذي يتوجه ابداع العقل البشري. تابعت النخب السودانية نتاج فكر زمن الحشود و سارت مع القطيع في أحلام جمال عبد الناصر و عندما فشل ورثته حشود وحل الفكر الديني و هاهي تصل الى الحضيض في آخر نسخها المتمثلة في داعش.
المضحك المبكي أن نخبنا في السودان مازالت في وهمها القديم بأن هناك امكانية اعطاء فرصة للاسلاميين السودانيين و من شاكلهم من أحزاب الطائفية لكي تكون جزء من الحل كما رأينا في طرح النور حمد و السر سيد أحمد و الصاوي و هذا ما يتعارض مع أفكار جيل كيبل الفرنسي المتخصص في فكر الجماعات الاسلامية منذ ما يقارب الأربعة عقود قضى زمانها و انتهى لرأي في كتابه الاخير أي الخروج من الفوضى في الشرق الاوسط و حوض المتوسط مما جعل هاشم صالح أن يقول في مبالغاته المضحكة و هو محق اذا سألتني عن من هو الجدير بأن يكون في مكانة أكبر مثقف عربي في زمننا الراهن؟ لأجبت بلا تردد هو الفرنسي جيل كيبل.
و حقيقة تجد نفسك موافق لهاشم صالح في رأيه اذا قراءت كتبه جيد أنها تكشف لك عن القناع و عن كل شئ في توقهم للماضي الذهبي و ماهو الا فشل النخب في تخطئ عتبة المجتمعات التقليدية الى رحاب الدولة الحديثة منذ كتابه الأول و قد أصدره عام 1984 أي النبي و الفرعون. فمحاولات مفكري الحركة الاسلامية السودانية لأنقاذ الانقاذ لا تكشف الا عن جهلهم عما يدور من حولهم من فكر نير يعم نوره العالم بأكمله.
على أي حال اصرار النخب السودانية في انشغالها بالقناع أي وحل الفكر الديني كما يقول جيل كيبل في كتابه عما دار في مصر يشبه لحد ما اصرار النخب الفرنسية في أن تظل فرنسا تحت هيمنة ألمانيا لأنها تسيطر على الاقتصاد الاوروبي كله. انشاد النشيد الوطني الفرنسي و العلم الفرنسي اعلان ميلاد نهضة جديدة لمفهوم الوطن كما قال ايمانويل تود و هذا ما ظلت تردده جماهير هبة ديسمبر مما يدلل على أنها على وعي متقدم جدا يفوق وعي النخب الفاشلة و قد تجسد فشلها في عجز حكومة الانقاذ ثمرة الحركة الاسلامية السودانية بأن تعطي معنى يدلل على أنها تسير باتجاه المجتمعات الحديثة.
هبة ديسمبر و النشيد الوطني اعلان ميلاد نهضة جديدة لمفهوم الوطن جسدتها جسارة الشباب و وعيهم بأن الحركة الاسلامية السودانية قد عاملت الشعب السوداني بمفهوم وضع اليد على الوطن في سبيل تحقيق مشاريعهم التي لا تؤمن بالوطن كما يوحي لهم فكرهم الذي يتخذ من الدين وطن و هاهو الشعب السوداني يردد النشيد الوطني و يطالب باسترداد وطنه من قبضة الاسلاميين و هو يؤكد بوعيه أن سودان المستقبل وطن لا صراع فيه بين النبي و الفرعون.
وطن لا تنشغل نخبه بالقناع و هو وحل الفكر الديني بل يكون كل همهم فكرة الاقتصاد و المجتمع في ظل عالم يتخلق ليولد من جديد و قد استعدت كل أمة في أن تنطوي على نفسها من أجل أن تبني أقتصادها على فكرة الحماية و ما أصعبها عندما يكون الحال كحال المجتمع السوداني أي مجتمع تقليدي للغاية يريد أن يستعيد وطنه بديمقراطية غير منقوصة تساعد على تطبيق اقتصاد التنمية و هذا ما يحتاجه الشعب السوداني في مقبل الأيام و أن يتخلص من قناع وحل الفكر الديني و يقابل العالم بوجه يعكس فكرة الاقتصاد و المجتمع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.