تدخل اليوم الثورة السلمية التي فجّرها الشعب السوداني ضد النظام الإنقلابي الحاكم في السودان أسبوعها الثالث عشر، ليست هي الثورة الأولى، ولكنها امتداد يتكامل مع سائر محاولات وثورات هذا الشعب العظيم باختلاف الوسائل لاستعادة سلطته وحريته التي سلبها منه النظام الحاكم منذ 30 يونيو 1989م.

على قدر وفظاعة ما ارتكبه النظام الحاكم الذي يترأسه المشير عمر البشير وباعترافه الشخصي الموثّق من جرائم متنوّعة في نوعها وكمّها على الشعب السوداني المقهور، فقد مثّل أيضاً تهديداً للسلم والأمن العالميين وفقاً لرؤية مجلس الأمن الدولي، حيث ترجم ذلك في القرارات العديدة التي أصدرها ضدّه، وتُمثِّل تلك القرارات، شاهداً لا تخفيه ظُلْمة ولا يخطئه عين ولن يؤآخيه النكران أبداً. بل جاء التتويج لكل ذلك، بأن أحال مجلس الأمن الدولي مجمل المآسي التي ارتكبها النظام في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية للنظر فيها، مما جعل الأخيرة أن تُصدر لائحة اتهام لعدد من رموز النظام وفي مقدّمتهم الرئيس عمر البشير، وأتبعتها بمذكّرات اعتقال ما زالت قائمة.
ونحن إذ نعيد تذكيركم بهذا الأمر، إنّما نشير إلى أن المبادئ التي قادت ضمائركم إلى تحويلها إلى مواثيق مُلزِمة ضمنياً قانونياً وأخلاقياً داخل منظّمة الأمم المتّحدة وروافدها ونظيراتها، والإحتكام إليها للمحافظة على عالم خالٍ من مهددات لسلمه وأمنه، وفي مقدّمتها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، إنما يقتضي أن يتمدد مفعول كل ذلك ليتحسس الحالة السودانية، وليضع حداً لما يعانيه هذا الشعب وهو يخرج في تظاهرات هي غاية في السلمّية والإنضباط، منادياً بحقوق أخرى هي الحرية والسلام والعدالة. حيث تكفيه بلا شك ما فقده خلال ثلث قرن هي سنوات حكم النظام الحالي، من مئآت الآلاف من الضحايا، وملايين المشرّدين في نزوح داخلي ولجوء خارجي، وما يواجهه اليوم من المزيد منهم بالقتل والإعتقال والتعذيب.
وعندما ندعوكم للعمل على وضع حدٍ لما يواجهه هذا الشعب الأعزل والسلمي في تظاهراته، وواقعي ومنطقي في السعي نحو انتزاع حقوقه، فهي ليست دعوة للتدخّل العسكري، ولا هي دعوة لتولّي الشأن الداخلي بأي صيغة من الصيغ، ولا هي دعوة إلى مصادرة السيادة الوطنية، وإنما هي دعوة للعب الدور الذي تفرضه تلك المواثيق في تفعيل مؤثّراتها ووسائلها الطاغطة للعمل على وقف الإنتهاكات الجائرة التي يواجهها الشعب السلمي وهو يمارس حقوقاً دستورية. وتعلمون أن النظام الحاكم في السودان نفسه قد وقّع وصادق أكثر تلك المواثيق. أما استكمال تغيير النظام، فالشعب كفيل به.
نحن على يقين تام، بأن المعركة القائمة الآن بين الشعب والنظام الحاكم، ستنتهي إلى انتزاع الشعب حريته مهما طالت، ومهما تعاظمت التضحيات، ذلك أن الثمن الذي يدفه الشعب، لا يوازي شيئاً في سبيل نيل الحرّية، وخلاص الوطن من السجن الذي يحبسه فيه هذا النظام. وبقدر شكرنا وإعتزازنا بالمواقف الإيجابية والداعمة التي قدّمتها العديد من الدول للشعب السوداني وللسودان الوطن عبر العصور، بقدر ما يعاني اليوم من تفاعل بطيئ مع قضيّته العادلة والملحّة، بيد أن ذاكرته ستسجّل المواقف المشرّفة لكل الذين يبادرون حالياً إلى دعم نضاله السلمي وقضيّته العادلة، وأن تلك الذاكرة ستكون حاضرة دوماً في رسم ملامح علاقاته الخارجية، بل وحاسمة في المقادير التي تضعها للموازنة بين المبادئ والمصالح والإلتزامات.
لا نقول لكم أن الوقت قد فات، بل نقول لكم أن الوقت قد حان لاتخاذ الخطوة اللازمة والحتمية في مثل هذه المواقف، حيث أننا جميعاً مسئولون عن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين سواء في السابق والحاضر وبالتأكيد في المستقبل، وأن تحقيق ذلك في السودان لا بد أن يتم وفق ما ينادي به الشعب السوداني الآن، لا سيما بعد الإخفاق في أن يكون موجوداً خلال ثلاثين عاماً من التعويل على فشل النظام الحاكم.
ودمتم، مع فائق الشكر والتقدير،،،

عبد الجبار دوسة
رئيس حزب العموم السوداني
15 مارس 2019م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////