اضطر تجمع المهنيين وفي خلال أربعة وعشرين ساعة إلى اصدار بيان ثاني لوضع النقاط على الحروف بشأن دعوته للتحاور في باريس والتنسيق بين قوى المعارضة وليس بغرض الحوار مع النظام. واقعة اصدار البيان تكشف عن حالة الخمول التي تطبع قوى المعارضة بشكل عام، باستثناءات قليلة جدا، فيما يتعلق بفتح القنوات على الشارع الثائر وتوضيح ما تفعله هذه القوى وما تخطط له بشفافية.

يتوقع في مثل هذه الظروف أن تتم متابعة دقيقة للحوارات الكثيرة الدائرة وسط القوى الثائرة بمختلف شرائحها على وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات ومنابر الحوار الاليكترونية الأخرى، وقيادة حوارات وسط الجماهير "أوفلاين" كلما توفرت الفرصة في ظل مناخ القمع الذي نعرفه كلنا.

في هذه الثورة، كما هو ملاحظ، تتوزع الأدوار بشكل يضمن عدم سد الطريق من قبل القوى المشاركة أمام بعضها البعض. تجمع المهنيين يعمل عادة في صمت ولا يتواصل إلا في الأمور العملية الميدانية، وهذا الاقتصاد في الخطاب مهم نظرا لأن الأمر يتعلق بقيادة جماهير ثائرة متنوعة الولاءات السياسية ولكنها متوحدة لهدف واحد نبيل وهو اسقاط النظام.

الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي يعملون على رفع درجات التعبئة قبل كل تظاهرة أو اعتصام، يؤكدون دون كلل على سلمية الثورة كضمانة لنجاحها، ويوثقون الانتهاكات التي ترتكبها ميلشيات النظام وأجهزته الأمنية بشكل يسهل من وصولها للرأي العام العالمي والمنظمات المختصة بالدفاع عن حقوق الانسان.

ما يتوقع من القوى الحزبية هو ردم فجوة التنوير والشرح وبناء جسور الثقة مع الشارع العريض عبر التخاطب المباشر المفتوح. تثار يوميا الكثير من القضايا حول الثورة ومستقبلها ووضعية المرأة وسؤال الهوية، الحركات المسلحة، النزعات الجهوية، و التعامل مع المبادرات، وهي كلها قضايا تحتاج أن يتم الحديث فيها بمقدار من المقادير ،لأن طرحها في هذا الوقت بالذات ليس ترفا نظريا، و يكشف عن قلق وعن عدم ثقة في مآل الأمور بعد نجاح الثورة.

الإعلان المبتسر عن المشاركة في أنشطة مثل اجتماع باريس التفاكري دون شرح واضح وشفاف يخلط الأمور لدى رجل الشارع العادي لدرجة أن البعض اعتقد أن هذه الأحزاب بصدد فتح حوار جديد مع النظام بمعزل عن تجمع المهنيين، الأمر الذي يمهد لعملية هبوط ناعم ينجو فيها النظام ورؤوسه بجرائمهم في حق الوطن والمواطن.

ببحث سريع عن الجهة الراعية "مجموعة القانون العام والسياسة الدولية الأمريكية" نعرف أنها منظمة غير ربحية تقدم الدعم القانوني للدول النامية إضافة لرسم السياسات والتدريب في مجال إدارة النزاعات بما في ذلك العدالة الانتقالية وعمليات توثيق انتهاكات حقوق الانسان. إتلخيص سريع لمسرح عمليات هذه المنظمة و مشغولياتها الأساسية:
مفاوضات السلام، مؤسسات ما بعد حل النزاع، رسم السياسات، محاكمات جرائم الحرب، دبلوماسية المياه والديمقراطية والحوكمة.
بهذه الخلفية عن الجهة الراعية يمكن أن نخلص إلى أن أمر اللقاء يشبه ورشة عمل لبناء القدرات وبالتالي يستغرب المرء من درجة التمثيل بحضور الصف الأول من السياسيين المخضرمين الذين تنادوا لهذا اللقاء. تجدر الإشارة هنا لنقطتين أولهما أن معظم القضايا التي تعنى بها المنظمة الراعية ذات طابع فني، ومن الأفضل والأصوب هنا حشد الخبراء المختصين في هذه القضايا من داخل الأحزاب والحركات والخبراء المستقلين، وما أكثرهم.

ثنايا، الكل يجمع على أن هذه الثورة هي من صنع الشباب وأن ما يترتب عليها من تغيرات هي لصالح مستقبلهم.

كان الأجدر أن يشرك في هذا اللقاء التفاكري شباب هذه الأحزاب والحركات، والشباب غير الحزبي المشغول بشكل عملي بقضايا الثورة اليومية. إضافة إلى أن اللقاء سيشكل فرصة للشباب لطرح قضاياهم وقضايا الوطن بلغة جديدة ومن زاوية نظر مختلفة عن تلك التي تعودنا عليها من قادة الأحزاب والحركات وخطابهم الذي أصبح معروفا. لا أتحدث هنا عن المواضيع المطروحة وأجندة المهام المقبلة التي ستظل هي نفسها، ولكن أعني زاوية الاقتراب وطريقة المعالجة وإعادة طرح هذه القضايا بعمق آخر، وروح العمل كفريق بعيدا عن "إيغو" الزعامات السياسية المتنافسة.

الشباب بالطبع ليسوا شريحة حزبية ولا شريحة اجتماعية منسجمة متناغمة وذات مصالح موحدة، ولكنهم كشريحة عمرية تتقارب تصوراتهم للقضايا وأدوات علاجها وطريقة طرحها. تصورهم للعالم وتعاطيهم مع حلول مختلف القضايا يطبعه النظر خارج الصندوق بافتراض أن الحقبة التي نشأوا فيها شهدت نوعا ملحوظا من التكامل بين حقول السياسية والادارة والتكنولوجيا والاقتصاد. إضافة إلى كونهم الفئة الفاعلة في عملية التغيير التي ظلت "مشكومة" بسبب تمسك العجزة في الحكومة والمعارضة على حد سواء بمواقعهم في إدارة دفة العملية السياسية.
وأخيرا يجدر القول بأن مثل هذه المنظمات الراعية مشغولة بنفسها وبمصالحها أكثر من اهتمامها بعمليات التحول الجذرية في بلد من البلدان. الأمر يتعلق بصناعة رعاية التحولات السياسية من أجل خدمة مصالح هذه الجهات الرعاية والدول التي تنتمي إليها وبالتالي لا يمكن التحمس لها ولدعواتها دون وضع الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام.

إبراهيم حمودة - هولندا
14 مارس 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////