كان أحمد سيكون مزهواً لو شهد انتصار الشعب السوداني العظيم على الديكتاتورية
عندما علمت بإصابته بالمرض اللعين في أغسطس 2013 قررت أن أزوره وأطمئن عليه قبل سفري إلى السودان الذي كان مقرراً في سبتمبر. كنت أقول لنفسي والطائرة تهبط في مطار أورلاند في السويد أن هذه ستكون المرة الأولى التي لن يكون فيها أحمد في استقبالي في المطار، إذ إنه استقبلني في زيارة الأولى في 2006 وفي الثانية في 2011. عندما أخبرته بتاريخ حجزي أخبرني أحمد الذي كان قد خرج للتو من المستشفى بأن أحد أصدقائه سينتظرني في المطار ليوصلني إلى منزله في أوبسالا. كانت المفاجأة أن أحمد الخارج للتو من المستشفى بعد عملية كبيرة لاستخراج الورم الخبيث من الرأس كان في استقبالي في المطار مع مجموعة من الأصدقاء، بدلاً من أن تفرحني رؤيته أشعرتني بضيق شديد لتعريضه نفسه للخطر بقطع عشرات الكيلومترات ليكون في استقبالي، لكنه أحمد الذي عرفت وزاملت وأحببت، إنه أحمد الذي يعطي دون حدود... أحمد الودود، رحم الله أحمد محمد صالح.

بين القضارف والثورة الإريترية
لم يجسد شخص من أبناء جيلنا ويخلص للانتماء المزدوج لأبناء الإرتريين الذي خدموا في قوة دفاع السودان مثل أحمد، فمع تأثره وانخراطه في وقت مبكر بتنظيمات جبهة التحرير الإريترية حمل أحمد محمد صالح حباً وانتماءً عميقاً للسودان؛ خصوصاً لمدينته القضارف. وقد ساعده نقاؤه وتجرده ووفاؤه على تجسيد هذه الشخصية في أفضل ميزاتها، روحي التضحية والشجاعة اللتين أشاعتهما الثورة الإريترية وطيبة الشخصية السودانية وتلقائيتها.
كان الإنجليز يجندون الإرتريين من غرب إريتريا للعمل في أورطه العرب الشرقية التي أسسوها ضمن قوة دفاع السودان في 1918 ويبدو إنهم كانوا يفعلون ذلك لأن غرب إريتريا كان، حتى انتصار الثورة المهدية في 1885، يتبع للسودان التركي وكان الإنجليز ينظرون للاحتلال الإيطالي باعتباره أمراً مؤقتاً. وعندما هُزمت إيطاليا في الحرب العالمية الثانية واحتلت بريطانيا إريتريا في 1941 سعت من أجل ضم هذا الجزء مرة أخرى للسودان. انضم جد أحمد لأمه (محمد عبد الله إبراهيم) إلى قوة دفاع السودان في مطلع ثلاثينات القرن الماضي ووُلدت والدته الحاجة جدة في أم درمان بينما وُلد أحمد في القضارف عندما كان والده يعمل في شرطة المدينة.
عاش أحمد ودرس في القضارف في حي ديم النور والذي كان سكانه خليطاً من أصول مختلفة؛ إريتريون، سودانيون وإثيوبيون وغيرهم، جاء البعض إلى المدينة مع قوات الثورة المهدية وجاء آخرون في العقود الأولى من القرن العشرين للعمل في قوة دفاع السودان أو للعمل بالزراعة واستقروا في هذا الحي.
عندما انطلقت الثورة الإريترية في 1961 كان الحنين لا يزال يشد أغلب المهاجرين الإرتريين إلى وطنهم الأصلي مع أن عدة عقود مضت منذ مجيئهم إلى القضارف، فتجاوبوا مع الثورة؛ خصوصاً وأن الأغلبية العظمى من قادة الثورة العسكريين في بداياتها كانوا من الذين عملوا في الجيش السوداني. كان أحمد، بحكم السن، من الذين تفتح وعيهم على الثورة في النصف الأول من السبعينات فأبدى حماساً كبيراً وهو يكتشف جذوره ويرى أملاً بتواصل كاد أن ينقطع. في هذه الفترة بدأت علاقتي بأحمد ومع فارق العمر؛ حيث أكبره بعدة أعوام، ربطت بيننا علاقة متينة كانت في البداية علاقة أخ كبير بأخيه الصغير ثم تطورت مع الزمن إلى صداقة متينة لا حدود لها. تشاركنا الحلم ذاته وناضلنا سويا في الاتحاد العام لطلبة إريتريا وفي جبهة التحرير الإريترية. كان أحمد صادقاً في انتمائه وشجاعاً في إبداء رأيه، مع طيبته لم أره يوما يجامل في الحق أبداً. كان يمتلك طاقة جبارة على حب الناس والتواصل معهم، وكان ملتزماً بشكل صارم بالقضايا العامة، كرس سنوات صباه وشبابه من أجل القضية الوطنية الإريترية.
حكت لي صديقة إريترية إنها دخلت على أحمد في أيامه الأخيرة وكان عشرات الأصدقاء والأقارب ينتظرون في الخارج جاءوا إلى المشفى عندما سمعوا أن حالة أحمد قد تأخرت كثيراً وإن وفاته متوقعة في أي لحظة. قالت الصديقة أن أحمد فتح عيناه ووجه كلامه لجاري السوداني الذي دخل معي: وناداه باسمه وقال له إنني جارته وأوصاه بي. قالت الصديقة إنها شعرت بحزن مضاعف جاءت والحزن يملأ جوانحها ووجدته مشغول بها، وللصدفة كان أحمد يوصي سودانياً بإريترية، وهما جاران.
مثل أحمد فرع الاتحاد العام لطلبة إريتريا في المؤتمر التوحيدي للاتحاد في بغداد عام 1976 وهو لم يزل يافعاً ثم سافر إلى الميدان بعد أدائه امتحان الشهادة السودانية لأداء الخدمة الوطنية. بعد 20 عاماً وعندما زارنا في الخرطوم في عام 1996 من مهجره في السويد وكنا قد أسسنا لتونا جماعة مبادرة الإريترية انضم إلينا عندما عرضنا عليه الفكرة وشارك بحماس مع محمد مدني في حملة التعريف بالجماعة حيث التقيا سويا مع ممثلين لفصائل المعارضة الإريترية في الخرطوم ومع بعض المهتمين السودانيين. وعندما عاد إلى السويد استأنف نشاطه الوطني مع زملائه من خلال أطر عديدة.
وفي السويد أيضاً انخرط أحمد في نشاطات اجتماعية عديدة مع الجالية السودانية في أوبسالا أهمها التعليم وعقد صداقات قوية مع مجموعة من السودانيين وصار عضواً في الجالية السودانية مثلما كان في الوقت ذاته عضواً في الجالية الإريترية. لفتت انتباهي الصداقات القوية التي عقدها أحمد مع السودانيين فقد مارس أحمد ازدواجيته بطريقة بسيطة دون تصنع فكسب محبة السودانيين كما كسب قبلها محبة الإرتريين.
لقد رأيت كيف أحبه أصدقاؤه السودانيون عندما أجهش أغلبهم بالبكاء لحظات دفنه وقبل ذلك من خلال زياراتهم مع أسرهم له بشكل منتظم طيلة فترة مرضه في بيته وفي المستشفى. قلت لصديقه وجاره السوداني علي حمد النيل بعد انتهاء مراسم العزاء: لقد وقفتم موقفاً نبيلاً تجاه أحمد فقال لي نحن لم نفعل شيئاً من عندنا هذا هو حقه هذا ما كان يفعله هو وحكي لي الكثير من القصص التي كان شاهداً عليها وقال لي إنه ذهب بسيارته وبطلب من أحمد لمساعدة أشخاص في أوقات متأخرة من الليل في مرات عديدة. وقال صديقه الدكتور بابكر أحمد العبيد، اللذان أسسا سويا مدرسة للجالية السودانية في أوبسالا، أن أحمد دخل قلبه من أول لحظة عرفه فيها.
في فبراير الماضي 2015 أخبرت الطبيبة المعالجة زوجة أحمد بأن وفاته أصبحت وشيكة وعندما علمت شقيقته منى وشقيقه عبد الرحيم بذلك جاءا إليه، أحدهما من بريطانيا والآخر من ألمانيا، ليقفا بجانبه لكنه تحسن فعاد كل منهما إلى مكان إقامته. سافرتُ إليه في مارس بعد مغادرتهما بأيام قليلة لأطمئن عليه ونزلت معه في منتجعه العلاجي. لم أتصل بأي من الأصدقاء في السويد حتى أتمكن من تمضية كل وقتي مع أحمد. حاولت دائما أن أخفف عليه من خلال تناول ذكرياتنا المشتركة الجميلة لكنه كان في كل مرة يعود ليتناول أمراً جاداً. عبر لي عن قلقه حول مستقبل إريتريا، عن خوفه أن تؤدي سياسات النظام وبعض القوى الأخرى إلى تقسيم البلد أو انهيارها.. قال لي إنه يجب المحافظة على إنجاز الاستقلال ورفض الظلم في الوقت ذاته.
لقد هزني مرض أحمد طغت علىٌ طيلة فترة مرضه مشاعر الأخ الكبير تجاه أخيه الصغير، عاد أحمد بالنسبة لي هو أحمد الذي سافر معي لأول مرة في حياته إلى الخرطوم في النصف الأول من السبعينات وهو لم يبلغ بعد الخامسة عشر. كنت أحزن عندما أتخيله وحيداً، وأحزن عندما أتخيله متألما، وكنت أحزن لأنني أعرف أنه يفتقد أولاده ووالدته وبقية أفراد أسرته. كنت أغرق في الحزن عندما أتذكر ما قاله لي شقيقه الطبيب عبد الرحيم بأن لا أمل في شفائه وأن المسألة مسألة وقت. أخبرني عبد الرحيم أنه يخطط لتسفير أحمد إلى السعودية لأداء العمرة ورؤية والدتهم وشقيقتيه الذين سيرتب سفرهم أيضاً إلى هناك ليروا أحمد ويودعونه...... أعرف عمق حب عبد الرحيم لأحمد وأعرف إنه صاغ تلك الخطة بدموعه لكنه تماسك وأراد أن يسعد أحمد في أيامه الأخيرة وليخفف على والدتهما وإخوته. لم أعرف شخصاً أحب أسرته مثل أحمد قط كان على استعداد ليعطي أفرادها أي شيء دون أن ينتظر حتى كلمة شكر، لقد أسعدني حبهم العميق له والتفافهم حوله عند مرضه.
بعد مرضه، شكلت بشكل عفوي شبكة من الأصدقاء في السويد كانوا يمدونني بأخبار أحمد عندما يصعب عليً الاتصال به مباشرة، كان بعضهم يتصل بي من مشفاه ويعطيني أحمد لأتحدث معه أو يتصل بي ليطلعني على وضعه الصحي، شكراً لهم؛ رقية، عوض، زين العابدين، ياسين جعفر وقدورة لقد كانوا أكثر من اهتم بوضعي في الصورة وتفهم قلقي العميق على أحمد.
تأخرت كثيراً في الكتابة عن أحمد، لأنني اعتقدت أنني سأكتب عنه بشكل أفضل بعد مرور وقت أطول، ولأن هذا قد يتطلب وقتاً لا نهاية له قررت الاكتفاء بما أستطيع كتابته الآن، عن أخي الصغير وصديقي وأحد أنبل من عرفت في ذكرى رحيله الرابعة.
رحم الله أحمد
ياسين محمد عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////