قبل عدة سنوات، وفي إجتماع مع معتمد ولاية الخرطوم ضم مدراء وعمداء الجامعات والكليات أو ممثليهم، كان الغرض من الإجتماع مناقشة نشاط طلاب الجامعات والكليات في الولاية إبان الإجازة الصيفية. وقد درجت سلطة الولاية وإتحاد الطلاب على إستدعاء هؤلاء المسؤولين الأكاديميين للنظر في كيفية دعم وتوجيه هذا النشاط، وذلك ضمن مخططات الإسلاميين لأدلجة الطلاب وإستيعابهم من خلال معسكرات وفعاليات مرتبة. لكن مع بداية الإجتماع نهض أحد المجتمعين، رجل في عقده السادس أو السابع، مخاطباً المعتمد، طارحاً موضوعاً ملحاً، حسب قوله، لا علاقة له بأجندة هذا الإجتماع، وقال بالحرف الواحد مبتدراً حديثه، "أننا في التعليم العالي نعاني من ثلاث مشاكل، وهي العنف الطلابي والمخدرات والزواج العرفي..." وأسقط في يد أصحاب الدعوة. مثل هذا الموقف وهذه الشكوى يتكرران، في واقع الأمر، في إجتماعات ولقاءات وأحاديث دوائر التعليم العالي حتى من منسوبي الإنقاذ، فالأمر أصبح واقعاً معاشاً يشهده الجميع. نسوق هذا المثال وهذه الموبقات الثلاث (وأكثر) بإعتبارهم مؤشراً على إنحدار سلوكي وخيم أخذ يغشى أخطر أطراف مجتمعنا، ويفرز ظواهر أخذت تنمو كالفطريات والطحالب حول موروثنا الإجتماعي والأخلاقي وإن لم ولن تنال منه. هذا ناهيك عن الجرم الأكبر والمتمثل في مناهج تعليمية هدفها أصلاً تغييب وعي وذاكرة هذه الأجيال – ولهذا كلمة أخرى. كما أن هذا الواقع السلوكي ليس، بالطبع، وقفاً على شريحة من الجيل الطلابي الجامعي، فالجسم الطلابي الجامعي عينة من المكون الشبابي لهذه الأمة، ومن هنا خطورة ما يجري في هذه العينة بإفتراض أنها الأكثر حصانة من ناحية الوعي والمؤهل.

بالنظر في أسباب هذا الواقع السلوكي، كثيراً ما ينطرح التساؤل حول ما إذا كان هناك تدبير خفي تم إعداده ويجري تنفيذه من قبل سلطة الإنقاذ. فحاويات المخدرات وأخبارها على كل لسان، ومافيا المخدرات ناشطة في كل مرافق التعليم، وأنواع المخدرات ومصادرها على قفا من يشيل؛ كذلك أشكال الزواج، متعتها وعُرفيها ومسيارها وسياحيها، كلها يمارسها، في الخفاء والعلن، شيوخ الحركة الإسلامية وحكامها؛ ومبدأ العنف تم تقنينه في بيان الإنقاذ الأول، وجرى تطبيقه في التعليم العالي مع جحافل وعصابات الجهاد الطلابي الإسلامي. وفوق هذا وذاك، فلقد برزت وتطورت وتفشت هذه الموبقات الثلاث فقط في هذه العقود الثلاث تحت سمع وبصر الحركة الإسلامية وسلطتها مما يدعم مثل هذا التساؤل. وهذا بدوره يقود إلى تساؤل منطقي مفاده ماذا يراد، إذن، من هذا الإستهداف المدمر لشبابنا وتقاليدنا وأخلاقنا إذا كان مقصوداً ومدبراً؟ ما يتجاوز مثل هذه التساؤلات والتكهنات ومتاهاتها وصولاً إلى رؤية واضحة هو إستذكار هذا الرصيد الوافر من الأدبيات السياسية والبحثية حول ظاهرة الإسلام السياسي عموماً وتجربته في السودان خصوصاً والتي تردنا في كل مرة إلى أصل الظاهرة وطبيعتها، لذا يمكن الإشارة إلى بعض المعطيات التي تعين في إستجلاء هذه الرؤية.

أولها، أن هذا الإنسان السوداني الموجود في هذه البقعة، بتاريخه وتقاليده وأخلاقه وتنوع ثقافاته هو، في أحسن الأحوال، "وجود ناقص" من منظور الحركة الإسلامية، لأنها حركة مقودة أصلاً بفكر ديني أصولي يرى تاريخ الشعوب وحضاراتها مجرد مراحل "ما قبل إسلامية" بإستثناء دولة المدينة وإمتدادها في عهود الخلفاء الراشدين. ترتب على هذا الفكر مخطط سياسي أعمى لا يرى في العلوم الإجتماعية والإنسانية ومنتوجها حول هذا الإنسان، ماضيه وحاضره ومطلوبات حياته، سوى منتوج "علماني" ضال يلزم عدم الإلتفات إليه. ثانيها، لا يفوت على الحركة الإسلامية ما يطال هذه الشرائح من شبابنا من مثل هذه الموبقات والتي يعلمون كنهها ومصد رها وأثرها. لكن ليس هذا ما يستوقفهم هنا، لأن في حسبانهم "وجود كامل" إفتراضي لإنسان مسلم سوف يجري "إستخلاصه" من هذا الكم الناقص، وذلك إعتماداً على تصورهم في التمكين من المستقبل - مثلما إعتقدوا بتمكنهم من الحاضر - وهو تصور مرتكزه "أسلمة" أجيال الشباب ووضعها تحت اليد ذخراً لمشروعهم الأكبر في أسلمة هذه الدولة وأهلها والتحكّم فيهم والعبور بهم إلى "نهاية التاريخ". وهذا ما يحاولونه في مثل هذه المعسكرات في الوسط الطلابي وفي المناهج التعليمية وفي مؤسسات مثل الدفاع الشعبي والتخطيط الممنهج لتحويل القوات النظامية إلى قوات مؤدلجة إسلاموياً. هذا المسلك تجاه شبابنا يشبه في مقاصده ما أظهروه من جرأة وشراسة في تدمير مرافق هذه الدولة، مثل مرفق التعليم والصحة، لأنه في حسبانهم أيضاً مرافق أخرى بديلة يصنعونها ويملكونها، فالهدف والأسلوب واحد: التمكين من الإنسان السوداني ودولته وإعادة تشكيلهما. ثالثها، إستندت حركة الإسلام السياسي على مبدأ إقتصادي لا يؤثر فيه تعدد الإتجاهات داخلها وإنقساماتها، ويشكل الإسناد المادي الذي تنهض عليه الآيديولوجية الدينية والتخطيط السياسي، ألا وهو مبدأ السوق الحر والملكية الخاصة، وترجمة هذا المبدأ على أرض الواقع من خلال آلية محددة وهي إضفاء أحكام إسلاموية على المعاملات المالية والعلاقات التجارية وشرعنتها وتسويغها عن طريق الفتوى وتأويل المصدر الديني. وهذا ما قاد الحركة الإسلامية، بكامل وعيها ومنذ ميلادها في مصر في 1928، إلى الإندغام في المنظومة الرأسمالية العالمية. هذا وسرعان ما برزت مع سلطة الإنقاذ مافيا رأسمالية تولدت من صلب الحركة الإسلامية، مسكونة بغريزة من الجشع غير مسبوقة، وإختطفت الدولة ومواردها لتراكم رأسمالها الخاص. ومن هنا أيضاً يمكننا إدراك وتفسير مسلك الحركة الإسلامية وسلطتها تجاه الشعب السوداني وشبابه. فالرأسمال ينمو ومعه ثقافته وتجلياتها في كل ما حفظه التاريخ من تجاوز لمجمل القيم الإنسانية وتبخيس لحياة الإنسان وإهدارها في سبيل توطيد مصالحه وإزدهارها. وكما قال ماركس بحق، "إذا كانت النقود تولد وعلى خدها لطخة دم، فإن رأس المال يولد وهو يقطر دماً وقذارة، من جميع مسامه، من قمة رأسه حتى أخمص قدميه." وهذا ما ينطبق على أباطرة سلطة الإنقاذ وسدنتها. رابعها، لكل ذلك لم يكن للحركة الإسلامية منذ ظهورها في المشهد السياسي عندنا، كما هو معروف، برنامجاً تنموياً يشمل كل مناحي حياة المجتمعات السودانية، وليس عندها ما تقدمه على المسرح السياسي سوى خطاب تبشيري مبهم حول تطبيق الشريعة من ناحية، وآخر تحريضي تآمري حول محاربة الإلحاد والفكر المستورد من ناحية أخرى.

من جانب آخر، تنامى الإشفاق على تقاليدنا وأخلاقنا وشبابنا وإتسع في كل مستويات المجتمع، تسمعه من أبسط الناس وتقرأه عند كتّاب الأعمدة والدراسات، وجاهر به كبار المسؤولين كما سردنا في صدر هذا المقال، حتى تشاءم البعض من أن الأمر قد تجاوز اللحم إلى العظم من بنية هذا المجتمع. ثم جاء "إنقلاب الشارع" وما أحدثه الشباب من حراك ثوري أطاح بهذا الإشفاق. على أن هذا الحراك أثار عند البعض أيضاً التساؤلات والتكهنات حول هؤلاء الشباب وأين كانوا، وما يرافق مثل هذه التساؤلات كالقول بعفوية هذا الحراك وأنه ناتج منطقي لإستفحال الأزمة الإقتصادية وتمظهراتها الراهنة في حياة الناس، مما يحصر هذا الحراك فقط في دائرة الفعل ورد الفعل ويفقده عمقه التاريخي وطابعه الطبقي ويسلبه هذا الوعي المتنامي بطبيعة النظام السياسي القائم، هذا الوعي الذي نشهده في إبداعات وتنوع أشكال الرفض والمقاومة وقوته الجاذبة لشرائح متزايدة من أعمار ومهن لم تكن في الحسبان. وكما كان أمر الحراك الثوري ومنجزه في ثورة أكتوبر وإنتفاضة أبريل أبعد ما يكون عن الصدفة والعفوية، كما أشارت كتابات سديدة في هذا الصدد، كذلك كان طابع حراك هؤلاء الشباب، ومن هنا ضرورة توطينه ضمن السياق التاريخي المعاصر لنضال الشعوب السودانية. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى إستذكار أدبيات الثورة السودانية لتجاوز هذه التساؤلات المتشككة، ونخلص لعدد من الحقائق التي تعيننا في ذلك.

أولاً، أن النظر في تاريخ الثورة السودانية يبين، بسهولة، الرباط الوثيق بين مطالب الشعب في تحسين سبل حياته وتراثه النضالي المتراكم في مقارعة القوى التي تعيق تحقيق هذا الهدف من ناحية، وبين ذاكرة جمعية حصينة إحتفظت بهذا التراث النضالي وتجاربه على مر الزمن من ناحية أخرى. ولعل أبسط الأدلة وأروعها لهذه الذاكرة هو ما تزخر به الأغنية السودانية من تمجيد لأمجاد هذا النضال ولحظاته وصانعيه منذ عشرينات القرن الماضي، وما إستقر في هذه الذاكرة من أدب المقاومة من قرون مضت. ثانياً، الذاكرة الجمعية للشعوب لها قدراتها الذاتية على الحياة والإستمرار. ذلك أن الأحداث والأخبار الإجتماعية والسياسية والقيم والمبادئ، إلخ، تنتقل من جيل إلى جيل عبر مسارب عديدة، تعرفها علوم الإجتماع والفولكلور، إبتداءً من حيز الأسرة الصغيرة وحكاوي الأهل والمعارف إلى ساحة المجتمع العريض ومصادره، ومن المعلومة المسموعة إلى المقروءة في المقال والكتاب، ومن الجلسات والونسات إلى المحاضرات والفعاليات ومنصات الخطاب السياسي، إلخ. ثالثاً، الشباب بطبعه توّاق بنَهم إلى الحاضر ومتحفز بقوة إلى المستقبل. لكن حاضره مغلق وقد أوصدت أمامه كل ما يغذي روحه ويثري عاطفته وعقله من منافذ الفن والمعرفة وحرية الرأي والتعبير؛ ومستقبله عابس ومعتم وبلا أفق. وهذا أدعى إلى النظر في الماضي وإسترجاع التاريخ والإستماع إلى "الكبير" (والماعندو كبير يشوفلو كبير) وهذا ما فعله هؤلاء الشباب بفطنتهم. رابعاً، فشلت الحركة الإسلامية في تدجين الحركة الطلابية أو لجمها وتحييدها خارج المشهد السياسي، فهذا موروث تاريخي له جذوره العميقة: في المظاهرة التاريخية الجسورة لطلاب الكلية الحربية إبان ثورة 1924، وفي نضالات طلاب كلية غردون، وفي ملاحم طلاب الجامعات والثانويات في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وما بين هذه التواريخ من كفاح لم ينقطع منذ إنقلاب الإنقاذ في 1989. كذلك أصبحت تنظيمات طلاب قوى الهامش وتضحياتهم معلماً هاماً في هذا التاريخ النضالي وعمّق الوعي بالمسألة القومية وقضية الهوية السودانية. خامساً، وليس آخرها، هناك حالة يقترن فيها الوعي السياسي بالشعور بالظلم وإدراك مصدره، وهي إحدى مكونات ما يعرف بالعنصر الذاتي في علم الثورات، وهي لحظة ما إن تحل يبدو من المستحيل تجاوزها دون العبور إلى مخرج ما لمعالجة هذا الظلم. فالوعي ينموا عادةً في ظل النظام الديموقراطي، ولكن عند إزالة هذا النظام وإحلال نقيضه بكل مفاسده يطل الحراك الثوري، عسكرياً أو مدنياً، مندفعاً أو متأنياً، شارعاً منصاته، ناشراً هذا الوعي السياسي في كل المواقع، حتى في أقبية السجون. ومنذ الثالث عشر من ديسمبر تطور هذا الحراك الثوري بكامل وعيه وإحتل الفضاء السياسي، يؤمه شباب صامد إستقر في صميم وعيه أن خروجه إلى الشارع هو خروج للمستقبل لا رجعة فيه، ومواجهةً للظلم والظالم لا هوادة فيه، فكأنهم، والحال هذه، في صمودهم ومقارعتهم لأمنجية الحركة الإسلامية يستعيرون أبيات الشاعر عكير الدامر وهم يعاهدون الثورة وشهدائها وأهدافها:
عهدنا فيك كنداب حربة ما بتشلخ
صرة عين جبل ملوية ما بتتفلخ
من المسكة لو إيدنا يوم تتملخ
السما ينتكي وجلد النمل يتسلخ

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.