نقلا عن DW
"سيكلون" هو اسم عملية نفذتها المخابرات الامريكية من أجل توريط الاتحاد السوفيتي في نزاع طويل في افغانستان حتى تستنزف قدراته العسكرية. مهندس العملية كان مستشار الأمن القومي الاميركي زبغنيو بريجنسكي الذي أقنع الرئيس جيمي كارتر بالعملية ثم ذهب إلى مصر والسعودية وباكستان، حيث بدأ حملة واسعة لتجنيد متطوعين اسلاميين لمحاربة الجيش السوفيتي في افغانستان.
مع تدفق آلاف المتطوعين على أفغانستان كان لابد من مساندتهم من الناحية الدينية فاستجاب شيوخ الأزهر وكبار العلماء في السعودية لدعوة بريجنسكي، وبدأوا في الترويج لوجوب الجهاد ضد "الملحدين" في افغانستان وفتحت السعودية خزائنها وأنفقت مليارات في سبيل نشر الأفكار الوهابية في شتى انحاء العالم.
نجحت العملية سيكلون وأرهقت الحرب في افغانستان الاتحاد السوفيتي حتى انهار لكن الافكار الوهابية ظلت تنتشر في انحاء العالم ولم تنتبه الولايات المتحدة الى خطورة الوهابية الا بعد ان تعرضت للهجمات الارهابية في 11 سبتمبر. معظم أعضاء القاعدة وطالبان تم تدريبهم وتسليحهم وتمويلهم تحت اشراف المخابرات الاميركية. ان ما حدث يشبه أن تربي في بيتك نمرا صغيرا دون أن تدرك ان هذا النمر بمجرد أن يكبر لابد أن يفترسك.
لم تكن العملية سيكلون سرية وقد كتب عنها مؤرخون عرب وأجانب كثيرون، لكن النفوذ الخليجي كان يمنع الحديث عنها في الاعلام العربي، على أن وصول محمد بن سلمان إلى السلطة ومحاولته تقديم نفسه بطريقة ترضي الغرب أدى إلى كشف المستور، فقد أدلى ابن سلمان بحديث لجريدة الواشنطن بوست اعترف فيه بأن انتشار الفكر الوهابي في العالم تم بأموال سعودية من أجل ارضاء الحلفاء الغربيين أثناء الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي.
شيئا فشيئا بدأ شيوخ الوهابيين في التنصل من الأفكار التي أقنعوا بها ملايين المسلمين على مدى ثلاثين عاما، فرأينا الشيوخ السعوديين يقرون قيادة المرأة للسيارة واقامة الحفلات الموسيقية ثم رأينا الشيخ عائض القرني يعتذر عن فتاويه المتشددة السابقة ويعترف انها ليست من الاسلام في شيء بل واعترف القرني بأن شيوخا وهابيين كثيرين يقبضون مرتبات منتظمة من بعض حكام الخليج، وسرعان ما انتقلت موجة التراجعات الفقهية إلى شيوخ مصر (ومعظمهم مرتبطون بالسعودية)، فبعد سنوات من تحريم التماثيل أعلن الشيخ خالد الجندي منذ أيام ان السيدة عائشة كان لديها تمثال لحصان وأن النبي (ص) رأى التمثال ولم يعترض وهكذا يتبع شيوخنا دائما البوصلة السعودية سواء اتجهت إلى التشدد أو التسامح. بعد ان انكشفت العملية سيكلون، يجب أن نتذكر بضع حقائق:
أولا: ان ما يسمى بالصحوة الاسلامية لم تكن منحة ربانية ولا استعادة لهوية الأمة كما يزعم البعض وانما هي، باعتراف صناعها، عملية سياسية صرفة تم التخطيط لها في مكاتب المخابرات الأمريكية وتنفيذها بأموال النفط السعودي.
ثانيا: رجال الدين في كل العصور ـــ غالبا ـــ يستعملون العواطف الدينية من أجل خداع الجماهير واخضاعها للسلطة. صحيح ان بعض رجال الدين وقفوا مع الشعب ضد الحاكم، لكن ذلك تاريخيا يشكل الاستثناء وليس القاعدة، ولعلنا نذكر كيف أخرجت الحركة السلفية الوهابية آلاف الشباب من معركة الديمقراطية في مصر وشغلتهم بالحجاب والنقاب وتحريم الموسيقى والنحت،
ونذكر أيضا ما حدث أثناء الثورة المصرية عندما استدعى نظام مبارك رجال الدين فظهروا جميعا في التليفزيون ليلعنوا الثورة ويصفونها بالمؤامرة ويطلبوا من الشباب العودة إلى بيوتهم لان طاعة الحاكم من طاعة الله.
أثناء استفتاء 19 مارس/آذار 2011 استعمل المجلس العسكري رجال الدين الذين دعوا أتباعهم إلى الموافقة على تعديل الدستور القديم بدلا من كتابة دستور جديد وكان ذلك بغرض حماية مصالح الجيش والحفاظ على النظام القديم،
الآن بعد ما انكشفت الحقيقة يجب على الشباب ان يمتنعوا عن تقديس رجال الدين واتباع ما يقولونه بلا تفكير وقبل أن يمنحوا رجل الدين ثقتهم يجب أن يعرفوا حجم ثروته وكيف استطاع تكوينها ولقد قال المفكر الكبير عبد الرحمن بدوي:
"لقد قرأت تاريخ الشرق والغرب فتأكدت لي هذه الحقيقة: عندما تتحول الدعوة للدين إلى مهنة اعلم ان صاحبها دجال".
ثالثا: أدى انتشار الفكر الوهابي في مصر إلى تشوهات ثقافية وفكرية جسيمة فبعد أن كانت مصر الدولة العربية الأولى في الفنون والآداب أقنع شيوخ الوهابية ملايين المصريين بأن التمثيل والموسيقى والنحت من المحرمات، ورأينا ممثلات ومغنيات يعلنَّ التوبة عن الفن وكأنه معصية، وانتشرت النظرة العدائية للأقباط واصبحت تهنئة الاقباط بأعيادهم موضوعا يحتمل وجهتي نظر.
وقد أدى الفكر الوهابي المتعصب إلى سلسلة لم تتوقف قط من الاضطرابات الطائفية.
بدلا من أن تستفيد مجتمعات الخليج من التقدم المصري فقد حدث العكس اذ تم تصحير العقل المصري بواسطة الفكر الوهابي وأصبحنا نعيد مناقشة قضايا كنا قد حسمناها منذ مائة عام، مثل علاقة النقاب بالإسلام، واختلاط المرأة بالرجل في أماكن التعليم والعمل.
الآن بعد ان انكشفت العملية سيكلون حان الوقت لكي تستعيد مصر طبيعتها الحضارية.
ان معركتنا ضد التشدد الوهابي ليست منفصلة عن معركتنا ضد الديكتاتورية، لأن الاستبداد والتطرف الديني عرضان لمرض واحد. ان رجل الدين المتشدد، تماما مثل الديكتاتور، يريد أن يفرض علينا رؤيته للعالم ويسيطر بها على عقولنا وأرواحنا.
في المجتمع الديمقراطي لا مكان للتسلط الديني أو السياسي.
يجب أن نفصل الدين عن الدولة حتى يكون الدين نشاطا روحيا خالصا،
بينما يتساوى المواطنون جميعا أمام القانون بغض النظر عن دينهم وطبقتهم الاجتماعية.
الديمقراطية هي الحل
///////////////