لم يدهشني ما أقدمت عليه أذناب النظام الساقط بالمجلس العسكري من محاولة رش المياه لتلطيف الأجواء وتهدئة الأغبرة التي أثارها المعتصمون عاليا بعد تلك المذبحة البشعة التي راح ضحيتها أكثر من سبعة قتيل ومئاتي مصاب وسط المعتصمين مساء الاثنين 13/5/2019 رميا بالرصاص ودهسا بالسيارات علي أيدي قوات الدعم السريع بعد تهديدها للمعتصمين ب(الطحن) و(المسح) _حسب إفادات المصابين_ وكاميرات موبايلات النشطاء و عدسات الأقمار الصناعية العالمية التي تنشط بكثافة في فضاءات القيادة العامة منذ السادس من نيسان/ابريل المنصرم.. 

إذ توقعت أن يقدم المجلس العسكري علي اتخاذ خطوة خبيثة أثناء فترة تعليق المفاوضات ، حتي يمتص غضب الشارع الذي بدأ يسحب بساط الثقة من تحت اقدامهم ، و من ثم يقوم المجلس بزرع بذور التشكيك والتخوين بين الثوار كبداية لضرب الوحدة الثورية في مقتل .
* لكن ما أدهشني حقا هو عودة المجلس العسكري للعمل بذات السيناريوهات والأساليب الكيزانية التي تجاوزها الزمن ، وإصراره علي تبرئة مليشيات الدعم السريع ، بل و تمثيل ذات المسرحية (البايخة) التي جربها معلمهم قوش في بداية انطلاقة ثورة ديسمبر فمني بفشل ذريع حين ارتفعت حناجر الثوار ب(يا عنصري المغرور .. كل البلد دارفور ).
في إشارة مفادها أننا أذكي من أن تنطلي علينا مثل هذه الأكاذيب يا مستر قوش .. فبهت المغرور وانهزم أمام الوعي الثوري الذي ركله الي أزقة سوق (العتبة) بالقاهرة هاربا .
* وهنا يكمن جوهر الغباء الذي يتميز به العنصريين بالمجلس العسكري حينما أصروا علي تجريب المجرب و حاولوا (خوشقة) قضية ضحايا الثامن والعاشر من رمضان بترك الجناة الحقيقيين طلاقاء يمشون بين ضحاياهم ، بينما ألقوا القبض علي شباب أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم ينحدرون من إقليم دارفور ويكتسون ببشرة سوداء وشعر مخشوشن ، علي غرار ما فعله قوش ، وقبله القضاء المخجوج في قضية مقتل الصحفي محمد احمد محمد طه ، و قبلهما تنفيذ أحكام شريعة نميري وغيرها ..
إذن ما السر وراء استهداف أبناء الهامش وجعلهم كباش فداء دون سواهم في جرائم هم بريئون منها براءة الذئب من دم يوسف ؟!
* الدافع الرئيسي وراء هذا الاستهداف المتواصل هو أن تركيبة عقلية النخب النيلية المتعوربة المتعاقبة علي حكم البلاد علي اختلاف توجهاتها تجمع و_بكل أسف_ علي إبعاد أبناء الهامش ودارفور بصورة أخص من كل ما من شأنه أن يوصلهم الي مواقع سيادية إلا لمن يرضون عنه ويرضى بهم كأسياد !
و يتضح ذلك جليا من خلال تعاطيهم العنيف مع أي شكل من أشكال الثورة والاحتجاجات هناك.. وما إستبقاء أبناء دارفور في معتقلات النظام السابق وغض الطرف عنهم من قبل المجلس العسكري إلا نموذج حي للعنصرية المتشربة في عروق وشرايين تلك النخب !
* أما السر الذي لا يتجرأ أحد علي البوح به هو أن الجنرال البرهان والسيد حميدتي كانا قد ارتكبا فظائع ومجازر في إقليم دارفور لا يكاد يصدقها عقل ، ولا يعرف مداها وحجم بشاعتها الا من عاشها من أبناء دارفور .
لكن المجلس يدرك بأن تواجد أبناء دارفور ضمن الثوار في ميدان الاعتصام كجزء أصيل من مكونات قوي اعلان الحرية والتغيير وتجمع المهنيين ، وتجمع قوي الهامش السوداني سيفضحهم ويكشف الأقنعة عن وجوههم المتقيحة ، وبالتالي تأتي مرحلة المطالبة بتقديمهم للعدالة لا محالة .
فطفقوا يبحثون عن نوافذ ليتسللوا من خلالها إلى تصفية الوجود الدارفوري وضرب وحدة الثوار .
* في الختام ، حتي تتغير هذه الصوره العنصرية المشوهة التي يختزنها الجميع تجاه إنسان الهامش فإن على الثوار تدارك الأمر بتضمين قضايا الهامش كأساس لكل اتفاقية .. إضافة إلى اتخاذ موقف فوري وحاسم بعدم السماح بعمليات الإستكباش التي ما فتئت تطال أبناء دارفور ، آخرها المسرحية المعدة من قبل المجلس العسكري الساعي بكل جهد الي إجهاض الثورة وسرقتها عبر هذه الحيل العنصرية الغبية..
* بقي أن نشير إلى أن صمت أبناء الهامش علي مثل هذه التجاوزات يأتي مراعاة لوحدة الصف الثوري الذي يراهن لصوص النظام البائد علي تفتيتها من الداخل.. فحذارا حذارا أن يفقد أبناء دارفور صبرهم ثم لا يصمتون .

احمد محمود كانم
المملكة المتحدة
20/5/2019


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////