عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عاد الى السطح من جديد الجدل حول ما تعارف عليه السودانيون بقوانيين سبتمبر، بينما يسميه بعض من نصبوا أنفسهم وكلاء الله في الأرض وأوصياء على خلقه بالشريعة الإسلامية.

لم يكن لهذا الأمر أن يعود من جديد لولا تراخى المستنيرين في حسم الفوضى المعرفية وترك المجال للدجل المتهافت باسم الدين ليقوم به كل من هب ودب ونصّب من نفسه وصياً على الخلق وممثلاً للإرادة والمشيئة الإلهية والحارس لها.

إن التراخي المؤسف من الغالبية الساحقة من المستنيرين في مواجهة هذا الدجل والجدل البيزنطي الذى أورد بلادنا وشعبنا المهالك لأمر يحزّ في النفس بالإضافة الى أنه يطرح أسئلة أساسية عن الموقف المبدئ للكثيرين من دعاة الإستنارة حول استعدادهم للنهوض بدورهم لحسم الابتزاز باسم الله الذى يمارسه بعض الارزقية الذين اتخذوا من دين الله مدخلاً لاستغلال البسطاء من شعبنا ليكنزوا الأموال ويستمتعوا بمباهج الدنيا على حساب ابسط مقومات العيش الكريم للشعب.

لست بفقيه ولا ادعى معرفة بالعلوم الدينية وليس هذا المقال عن الإسلام او الفقه، ذلك ليس مجالي، إنما المقال يركز على هؤلاء الدجالين الذين استمرأوا استغلال البسطاء من شعبنا كل مرة ليعيشوا هم حياة الترف والدعة.

لقد أُخضع الشعب السوداني منذ العام 1983 لقوانيين دينية شائهه اسمتها جماعات الإسلام السياسي بـ "الشريعة"، قاد الفوضى والانهيار الذين نتجا عن تطبيقها الى خروج الشعب ضدها فاسقط نظام النميري عام 1985. ثم ما لبثنا أن عاد الترابي وجماعته وكرروا نفس الأمر وأخذوا الشعب السوداني بعنف غير مسبوق تحت حكم ديني أسموه بدورهم " الشريعة"، ثم اختلفوا فيما بينهم حول السلطة نتيجة لجرائمهم الكثيرة في حق الشعب والوطن، فأعلن الترابي بعد طرده من السلطة أنه نزع الصبغة الدينية عن نظام الحكم وأن النظام لم يعد إسلاميا، أي أن "إسلامية" النظام مربوطة بوجود الترابي فيه. إلا أن النظام استمر في الحكم مدعياً أنه يطبق الإسلام و تلى ذلك انغماس قادته في فساد وجرائم ونهب للمال العام لم يعرفه السودان طوال تاريخه مع صمت مطبق لعلماء السلطان الذين خرجوا علينا اليوم ليحدثونا عن الشريعة. رغم ادعائه الدين، ظل النظام السابق حاكماً بالعنف المفرط والقمع والقتل والحروب العبثية على السكان دفاعاً عن سلطته المسروقة متهماً أي معارض له بأنه خارج عن الدين ومفارق للملة، بينما واصل سدنته في نهب موارد البلاد دون أن يرتد لهم طرف حتى انهارت البلاد وضربت أهلها المسغبة.

دفعت تلك التجربة البئيسة عدد من كبار أنصار الترابي للاعتراف علناً أن تجربة حكم الإسلاميين باسم الشريعة أضرت بالإسلام ضرراً بليغاً وشوهته بصورة كبيرة. أكثر من ذلك، وكنتيجة لتلك التجربة الكارثية، نقلت صحف النظام البائد في فترات مختلفة انتشار الإلحاد وسط الشباب (تشمل الجنسين) وهو أمر لم يكن معهوداً في السابق، ولا يحتاج الشخص أن يجتهد ليخلص أن ظاهرة انتشار الإلحاد وسط الشباب كانت نتيجة مباشرة لاستغلال الدين في السياسة، حتى أصبحت صفة اللصوصية تلحق بكل دعاة الإسلام السياسي كما ظل يردد الثوار في هتافاتهم.

كل هذا معلوم بالطبع، غير أنى أود باختصار أن أطرح عدة أسئلة لدعاة الدولة الدينية هؤلاء. فحسب ما فهم الناس من طرحهم ومن واقع التجربة المريرة المستمرة منذ 1983، انهم يعنون بالشريعة تطبيق الحدود، أي اختصار الإسلام كله في العقوبات الحدية بالرغم من أن الإسلام أوسع من ذلك بكثير، لكن ذلك هو فهمهم المتحجر للدين.

من نافلة القول أن تطبيق الحدود الشرعية على المواطنين يتطلب إلمام الحاكم أو الخليفة إلماماً تاما بأحوال رعيته لأنه هو المسؤول الأول عن كل فرد فيها:" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (الحديث). فالحدود الشرعية كما هو معلوم عقوبات قاسية ومنها ما لا يمكن تصحيحه أن طبق ظلما كقطع يد السارق مثلاً، ولذلك جاء الحديث آمراً بدرئها بالشبهات قدر الاستطاعة.

وكما يفهم جميع المسلمين أن جوهر دينهم يقوم على الرحمة والعدل، ولذلك يتوجب على الحاكم الذى يزمع تطبيق الحدود حتى لا تقع مظالم يستحيل معالجتها لاحقا في حالة تطبيق الحدود، معرفة "حد الكفاف" اولاً، وعليه أن يعلنه، وعليه أيضا أن يكون ملماً بأوضاع كامل رعيته وإن كانوا يحصلون على حد الكفاف وانهم يجدون ما يكفيهم هم واسرهم من القوت، ويتوجب عليه اولاً وقبل كل شيء التأكد من توفير الضروريات لكل الرعية، وتشمل هذه: المسكن اللائق، الملبس، العلاج، التعليم، والكهرباء والمياه. كل ضرورات الحياة هذه يتوجب على الحاكم توفيرها إن لم يكن عن طريق توفير فرص العمل والتوظيف، يكون ذلك بتقديم العون النقدي المحسوب لما يكفى لمقابلة تلك الضروريات كما يحدث حاليا في دول الرعاية الاجتماعية حول العالم.

عندما يلتزم الحاكم بتوفير كل تلك الضروريات للرعية وبعد التزامه بها وتأكده أنها تصل الجميع، عندئذ يمكنه أن يعلن إقامة الحدود الشرعية علي رعاياه إن ارتكب أحدهم جنحة. هذه ابسط مفاهيم الالتزام بين الحاكم ورعيته إن كان الحاكم جاداً في إتباع جوهر الدين وعدالته ومسؤوليته تجاه رعيته.

أما أن يكون الحاكم غير ملماً بما إن كانت رعيته أو بعضها يجد القوت أو يبيت ليله على الطوى ولا يجد الأطفال اللبن ويصعب على الغالبية الساحقة من الناس الحصول على الدواء، وتنعدم المياه والكهرباء في غالب البيوت في المدن والقرى، ورغم ذلك يعلن الحاكم تطبيق الحدود الشرعية على خلق الله، فذلك هو الكذب بعينه وتلك هي الجناية على دين الله. من نافلة القول فالدولة التي لا تلتزم بتوفير الضروريات للمواطنين ليس من حقها ابتداء الحديث عن تطبيق حدود الله، لأن في ذلك إفتئات على الله وعلى الدين، هذا أمر لا يحتاج لدراسة كتب الفقه وهو من بديهيات المعرفة بالإسلام. إذ كيف يجرؤ حاكم على قطع يد شخص لا يلتزم تجاهه بشيء! ولا يعرف هو ولا مؤسسات دولته عن الظروف الحياتية لذلك الشخص شيء!

مثلاً، هل يملك هؤلاء الذين يتحدثون عن الشريعة أي إحصاءات عن نسبة الفقر في السودان، هل يعلمون كيف يتحصل الناس على الدواء، هل يملك هؤلاء أي إحصاءات اقتصادية أو اجتماعية عن أحوال المجتمع، هل يعلمون ما هو معدل البطالة وسط الشباب، هل يعلمون كم عدد الأطفال الذين يموتون نتيجة لانعدام المضادات الحيوية؟ هل كلفوا أنفسهم البحث في هذه القضايا بالغة الأهمية، أم أن الأمر مجرد شعارات جوفاء فارغة المحتوى القصد منها المتاجرة بالدين من أجل الكسب السياسي!

لثلاث عقود ونيف خضع شعبنا لابتزاز ديني غريب، والآن ما كاد شعبنا أن يتخلص من الترابي ودجله والأوهام البائسة التي باعها للناس، حتى خرج علينا هذه المرة ثلاثة كل منهم يدعى وصلاً بليلى، وأنه أكثر تجسيداً للمشيئة الإلهية من ضريبيه. والسؤال: الى متى يستمر هذا الابتزاز الديني وسرقة دين الله واستغلاله لتحقيق طموحات شخصية في السلطة والجاه لأفراد كل مقدرتهم أنهم لا يتورعون من خطف الدين وابتزاز الآخرين به.

إن الواقع الحالي في بلادنا يقول (بافتراض صدق دعواهم): أن تطبيق الشريعة او الحدود الشرعية غير ممكن؛ لعدة أسباب ولكنى سأكتفى بالإشارة لسببين أساسيين:
أ) أن الدولة نفسها (دينية كانت او علمانية) في مهب الريح وتوشك على الانهيار والتفكك، والأولوية حاليا لإعادة بناء الدولة قبل أن تذهب ريحنا جميعا.
ب) طوال تاريخ الدولة الوطنية في السودان لم توجد المؤسسات الضرورية ذات الكفاءة التي تمكن قيادة الدولة من الإلمام الكامل بأحوال المجتمع وأوضاعه المعيشية، ولم توجد المؤسسات التي تحقق توفر العدالة الاجتماعية، وفى حقيقة الأمر لا تقدم الدولة السودانية حالياً أي خدمات تذكر لمواطنيها، بل أصبحت الدولة دولة جابية تفرض الاتاوات والضرائب حتى على افقر الفئات في المجتمع (أطفال الدرداقات مثالاً). ولذلك يصبح الحديث عن تطبيق الحدود في دولة تفقد ادنى مؤسسات العدالة الاجتماعية أمر مستحيل.

نقول ذلك لأننا نعلم أن الدين يسر وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (يسروا ولا تعسروا)، لماذا إذن يحاول هؤلاء الأفراد فرض مفاهيمهم البائسة على الناس لتحميل الناس مالا يطيقون!

لقد حان الوقت لينهض كل المثقفين والمستنيرين للتصدي لهذا التلاعب المبتذل بالدين، وهذا من أول واجبات المستنيرين. لا يليق بنا كشعب بتاريخ تليد أن نسمح لكل من هب ودب أن يجعل من بلادنا وشعبنا رهينة لأفكاره وتصوراته المريضة، حتى اصبحنا نرى أن بعض من نصب من نفسه داعية لدين الله يكرر السب والشتم، لا بل والبصق على الأخرين من المنابر! ترى أي درجة بلغها الانحطاط الديني حتى اصبح مثل ذلك المعتوه داعية تتحلق حوله بعض الرجرجة والدهماء!
إن ما يحدث فوضى عارمة وفتنة دينية إن لم نأخذها مأخذ الجد فستحرقنا جميعاً.

لقد حان الوقت لنجمع كلمتنا لإصدار القوانيين الصارمة التي تردع مثل هؤلاء الأفاكين الذين يمارسون الابتزاز على السودانيين، فلاهم مؤهلين فقهيا، ولا علميا، ولا أخلاقيا ليحدثوا الناس عن الدين ويفرضوا عليهم مفاهيمهم وتصوراتهم المتخلفة.

إن التراخي وعدم المبالاة الذى يمارسه أغلب المستنيرين تجاه هذه القضايا الخطيرة هو ما انتهى ببلادنا في ذيل الشعوب حتى بدأ الأمر وكأننا نعيش في عصر الكهوف او ما قبله.

هنالك الآن حوجه ماسة لإصدار قوانيين تنظم إمامة المساجد، ومستوى وتأهيل الدعاة، ومن يسمح له بممارسة الدعوة وعقد الدروس والندوات الدينية ومن لا يسمح له، وإصدار قوانيين صارمة تراقب الخطاب الديني ومحتواه وما يقال حماية للمجتمع من الفتنة، ويجب ألا يسمح بعد اليوم لكل من هب ودب أن ينصب من نفسه داعية يحدث الناس في أمور العقيدة ويبصق في وجوه الناس، هذا انحطاط وسوء ادب لا يليق، يجب لجم فاعليه.

صفوة القول، حان الوقت لينهض المستنيرون بواجبهم تجاه مجتمعهم ووطنهم ولنتكاتف جميعا لحماية مجتمعنا من هذا الابتزاز الديني الذى تكرر كثيراً، في غير ذلك سيتمدد هذا الهوس ويشعل فتنة دينية ستقضى على الأخضر واليابس.