في آخر انتفاضة مدنية كبرى شهدها السودان سنة 1985، أطاحت القيادة العسكرية بالدكتاتورية الراسخة للرئيس جعفر نميري والتي كانت تلقى الدعم من الجيش، وأنشأت حينها المجلس العسكري الانتقالي تحت قيادة القائد الأعلى عبد الرحمن سوار الذهب.
أشرف المجلس العسكري الانتقالي بقيادة سوار الذهب على فترة انتقالية استمرت لسنة واحدة أعقبتها انتخابات متعددة الأحزاب سنة 1986، والتي هيمنت عليها ذات القوى السياسية التي هيمنت على الفترة الأخيرة من الديمقراطية البرلمانية في السودان.

مقارنة بما شهدته سنة 1985، يبدو أن صعود المجلس العسكري الانتقالي سنة 2019 يتسم ببعض أوجه الشبه الظاهرية؛ حيث يُعد رئيس المجلس الحالي، عبد الفتاح برهان، شخصية لا تمارس السياسة ولا تتسم بالطموح، على نفس نمط سابقه سوار الذهب سنة 1985.
أطاح المجلس العسكري الانتقالي بالرئيس الحاكم وأعلن وقوفه إلى جانب الانتفاضة الشعبية، كما فعل سلفه سنة 1985، ولكن بخلاف سنة 1985 عندما توافق المجلس العسكري الانتقالي والمعارضة السياسية المدينية بسرعة على الهيكل والشخصيات التي تشارك في الحكومة المؤقتة، فإن قوى 2019 فشلت في التوافق على شروط رغم انقضاء أكثر من شهرين على بدء المفاوضات.

في الثالث من يونيو 2019 أطلق المجلس العسكري الانتقالي –أو بعض القوات المنضوية تحت لوائه- ثورة مضادة عنيفة أنهت الاعتصام الذي استمر لثلاثة شهور أمام القيادة العامة للقوات المسلحة بالقوة، مما أدى لمقتل ما يربو على مئة متظاهر أعزل، ولذا تشير بعض وسائل الإعلام حاليا إلى المجلس العسكري الانتقالي باسم "المجلس العسكري الانتقامي" أو "المجلس العسكري الانقلابي".

ما الذي اختلف هذه المرة؟
ثمة اتفاق واسع على أن أحد العوامل التي دعمت الثورة المضادة كان انعدام الضغط الفاعل من قبل المجتمع الدولي، في حقبة يهيمن على مفاصلها ترامب وبوتين وبريكزيت، على المجلس العسكري الانتقالي، ولكن لا بد من الإقرار بأن التغيّر سنة 1985 لم يحظ إلا بدعم ضئيل نسبيا من المجتمع الدولي، إذ حدث في فترة سبقت انتهاء الحرب الباردة، مما حدا بالدول الغربية للضغط باتجاه التحول الديمقراطي في إفريقيا، ومن الثابت أن كلا من البرهان، وسوار الذهب و الجنرالات الذين معه، ينتمون إلى المؤسسة العسكرية.

على أي حال، فإن لدى المؤسسة العسكرية الحالية مخاوف أكثر بكثير من حدوث التحول الديمقراطي مقارنة بما كان عليه الحال سنة 1985، إذ استطاعوا حينها، وبسرعة ملحوظة، تهميش الأصوات اليسارية في المنظومات المهنية، ووافقوا بلا تردد على اختيار الزعيم الإسلامي لاتحاد الأطباء، الجزولي دفع الله، رئيس وزراء مؤقت.

إن الانتقال إلى النظام المعهود للديمقراطية البرلمانية قد يسّر، بشكل متوقع، صعود حزب الأمة الذي يتزعمه الصادق المهدي، وهو شخصية تلتزم بإخلاص بالديمقراطية البرلمانية، إلا أن التقارب بين حزبه والمصالح المالية والعسكرية المكتسبة حال بينه والمحاولة الحثيثة لتغيير الوضع الراهن.

بالنظر إلى التركيبة الإسلامية لنظام البشير الذي دام لثلاثين سنة، فإن الطبيعي قلة ممثلي التيار الإسلامي في تجمع المهنيين السودانيين، وقد حاول الجزولي دفع الله تشكيل مبادرة أسماها "مبادرة الإصلاح والسلام"، ولكنه فشل في الاتفاق مع تجمع المهنيين السودانيين، وفي هذه الأثناء، ما زال الصادق المهدي سياسيا مرموقا للغاية، ولديه محاولات لتحجيم الانتفاضة بصفته الرئيس الرسمي لنداء السودان، وهو أكبر تحالف سياسي تتشكل منه قوى إعلان الحرية والتغيير المعارضة، ولكن من غير المرجح أن يكون حزب الأمة القوة السياسية المهيمنة في ظل انتخابات حرة ونزيهة.

ضغطت الأصوات السياسية الأكثر راديكالية من الجهات الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، ونجحت في تضمين ذلك الإعلان إشارة إلى فترة انتقالية تستمر لأربع سنوات قبل الانتقال إلى نظام التعددية الحزبية، وهذا بدوره سيمنح الفرصة للأحزاب السياسية حديثة التكوين التي تخاطب الفئة الديموغرافية الأكثر أهمية في السودان، أي فئة الشباب، للتطور والتحدي لكلا من الأحزاب القديمة التي سادت أثناء فترة الديمقراطية السابقة، علاوة على القوى السياسية التي يمثلها حزب المؤتمر الوطني، وهو الحزب الحاكم فعليا أثناء فترة الديمقراطية الزائفة في عهد عمر البشير، ومثالا على ذلك، فإن حزبا مثل المؤتمر السوداني الذي أنشأه طلاب الجامعات الذين شاركوا في انتفاضة سنة 1985 قد يحقق نتائج جيدة في سياق هذا التنبؤ.

لم تكن قوى الحرية والتغيير، بل الجنرالات، هم الذين أصروا على ضرورة عقد الانتخابات بعد انهيار المفاوضات عقب المذبحة التي وقعت في أوائل يونيو.

من المؤكد أن فترة انتقالية تستمر لأربع سنوات ستلتزم بصرامة أكثر بتنفيذ العدالة الانتقالية مقارنة بما حدث سنة 1985؛ حينها لم يُحاكم إلا الجنرالات الذين كانوا أعضاء نشطين في المؤسسة السياسية، حيث وُجهت إليهم تهم عن الفساد و الإطاحة بالديمقراطية السابقة، وليس عن جرائم الحرب التي اُرتكبت أثناء الحرب الأهلية، والتي كانت تُخاض أغوارها غالبا في المنطقة التي انفصلت لاحقا لتكوّن جنوب السودان. آنذاك رفض زعيم المتمردين في الحركة الشعبية لتحرير السودان، جون قرنق، السفر إلى الخرطوم لخوض مباحثات مع المجلس العسكري الانتقالي.

فشلت المرحلة الانتقالية آنذاك في إنهاء الحرب، مما أدى لتهميش الأصوات اليسارية في المعارضة المدينية، والتي كانت تأمل في تشكيل تحالف مع قرنق ذو التوجه الماركسي.
أما الآن، فقد انتشر التمرد إلى مناطق في السودان لا تبعد كثيرا، على المستويين الاجتماعي والسياسي، عن المنطقة النيلية في قلب البلاد، وذلك بالمقارنة مع وضع جنوب السودان سنة 1985، وبصفة خاصة منطقة دارفور والتي أثارت سياسة القمع الوحشي للتمرد فيها اهتماما دوليا بالغا منذ سنة 2003.

قبل أسابيع قلائل، وصل ياسر عرمان إلى الخرطوم لتمثيل الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، في محادثات مع المجلس العسكري الانتقالي، وباعتباره كان طالبا شيوعيا من أبناء المنطقة النيلية ممن تمكنوا من الارتقاء في صفوف أبرز حركة متمردة في السودان، فإن تاريخه يمثل تزاوجا متسقا بين أنماط التمرد الناشئء في كلا من المناطق المدينية والأطراف معا، وهنا تكمن خطورته البالغة على النظام العسكري القائم، وبعد مطالبات متعددة من قبل المجلس العسكري الانتقالي له بأن يغادر البلاد، اُعتقل عرمان ورُحل قسريا إلى جنوب السودان، ويبدو جليا أن المجلس العسكري الانتقالي كان يخشى كثيرا من مطالب متوقعة، تنشأ عن المحادثات مع مجموعة عرمان، بتحقيق العدالة وتقديم التعويضات عن عدم المساواة بين الأقاليم.

ثمة عامل رئيس آخر في المعادلة، وهو أن القوى الإقليمية شجعت المجلس العسكري الانتقالي على التشبث بمواقفه عبر تزويده بالمال والسلاح.

كان نظام البشير يناور بين محور السعودية/الإمارات/ مصر المعادي للإسلاميين، والمحور القطري/الإيراني/التركي الإسلامي، مما حفّز القوى الإقليمية المتناحرة على التنافس فيما بينها على الموارد الاقتصادية للسودان وعلى تقديم الدعم الدبلوماسي، وبدا منذ سنة 2014 أن السودان يقترب أكثر من السعودية، واتضح ذلك عبر موافقته على مشاركة القوات السودانية في التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن، وكان الجنرال عبد الفتاح البرهان هو الذي يشرف على نشر تلك القوات، والتي تألف معظمها من ميليشيا قوات الدعم السريع، والتي يُعتقد أنها الجاني الرئيس في مذبحة 3 يونيو.

تمثل قوات الدعم السريع في واقع الحال الجيش الخاص لنائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، محمد حمدان دقلو والذي يُعرف أيضا باسم حميدتي، وهو قائد سابق لميليشيات الجنجويد التي ارتكبت انتهاكات جماعية أثناء نزاع دارفور.

سافر كلا الرجلين إلى السعودية والإمارات لتأمين الدعم للمجلس العسكري الانتقالي، ويُقال إن المذبحة التي وقعت يوم 3 يونيو في موقع الاعتصام قد حصلت على الضوء الأخضر من السعودية إثر زيارة البرهان مؤخرا إلى الرياض. لقد أضحى للسعودية طموحات واضحة على المستوى الإقليمي مقارنة بعقد الثمانينيات.

لقد سقط البشير، ولكن المجموعة واسعة النطاق من الأجهزة الأمنية والميليشيات الموازية التي أنشأها لم تسقط بعد، وتُعد تلك البنية التحتية الأمنية الموازية، وتشمل مجموعات مثل قوات الدعم السريع، أكبر بكثير مما كان عليه الحال سنة 1985، وتلك المجموعات متعطشة للحصول على الاستثمارات العسكرية والمالية التي قد ترغب السعودية والجهات الفاعلة إقليميا التي تنافسها، مثالا قطر، في تقديمها.

د. ويلو باريدج Willow Berridge هي أكاديمية بريطانية تعمل في جامعة نيوكاسل، وتتخصص في التاريخ الإسلامي في القرن العشرين، وبصفة خاصة في التاريخ السوداني وديناميكيات الإيديولوجية الإسلاموية، وهي مؤلفة كتاب "الانتفاضات الشعبية في السودان المعاصر: ربيعا الخرطوم في 1964 و1985"
Civil Uprisings in Modern Sudan: The ‘Khartoum Springs’ of 1964 and 1985 (London: Bloomsbury, 2015)


رابط النشر للمادة الإنجليزية: https://blogs.ncl.ac.uk/willowberridge