مطلب التحول إلى سلطة مدنية لم و لن يكون أبداً من أهداف أو نوايا ما يُسمى بالمجلس العسكري الانتقالي. فالمجلس الذي ترعرع محسوبوه أدمنوا التمرغ في فراش السلطان/الطاغية ثمناً لجبنهم و بسبب ضمائرهم المعطوبة و إنسانيتهم الخربة و تعطشهم لدماء الأبرياء، هذا المجلس يعلم يقيناً بأنه سيكون أول ضحايا السلطة المدنية بعد أن يتكشف حينها للجميع حجم الجرائم و الفساد الذي عاث اعضاؤه فيه تخطيطاً و تنفيذاً، ليس أقلها جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية في مناطق الهامش السوداني في دارفور و النيل الازرق و جبال النوبة و من بعد ذلك جرائم قتل و سحل و إغتصاب المتظاهرين السلميين، خاصة خلال عملية فض إعتصام القيادة العامة الغادرة. يحلم المجلس بأن بقائه في السلطة سيكون هو الضمانة الوحيدة لتلافي المحاكمة في تلك الجرائم. و لكن هيهات! فتلك الجرائم، أيها المجلس الفضيحة، لا تسقط بالتقادم و لا ينبغي.

كان جليّاً منذ اليوم الأول لإنقلابهم ضد ولي نعمتهم، كان المجلس يحاول في إستماتة لاهثة كسب الوقت للإنقضاض على الثورة بصورة نهائية و لتثبيت اقدامه في السلطة، ولذا لم تكن محاولاته الاتصال و التواصل مع القوى التي كانت حتى الامس القريب تقتات من موائد الفاسد عمر البشير بإسم الشريعة تارة و بإسم القبيلة أوالجهة، إلخ، تارة أخري، لم تكن إلاّ احدى تلك المحاولات البئيسة و التي كانت الغاية منها إلهاء الجميع بغرائبية ذاك المنحى و لكسب الوقت، ليتبعها بعد ذلك بمسرحية قبول التفاوض على إقتسام السلطة ولكن مع التعنت المتعمد و الاصرار على ضرورة ترؤسه مجلس السيادة المُقترح. و يقيننا هو أنه حتى لووافقت قوى التغيير على مثل تلك القسمة القسرية فإن المجلس كان سيسعى لأيجاد سبب آخر "يفرمل" به عملية نقل السلطة. فهدف مجلس القتلة الأول و الأخير هو "التمكين" و لا غير!

كان مجلس القتلة طيلة الفترة التي سبقت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، كان يخطط و يبحث عن فرصة مؤاتيه للقيام بذلك. و لعل الزيارات المكوكية التي قام بها اعضاؤه إلى اسيادهم في بلدان الخليج و مصر كانت كلها تفضح نية المجلس للإستئثار الكلي بالسلطة. كانت تلك الزيارات تهدف إلى و تبشّر بنقل نية المجلس بالإنقلاب على الثورة و أهدافها و أستجداء مباركة كفلاءه و سادته لتلك الخطوة الشريرة.

حالياً، و إستمرارا لسعيه الدؤوب لإكتساب المزيد من الوقت هاهو المجلس يخرج إلينا بمسرحية المؤتمر الصحفي الذي كشف من ضمن ما كشف ليس فقط تورطه الكامل في التخطيط و إقتراف جريمة فض إعتصام القيادة و لكن أيضاً حقيقة أن القائمين عليه _المؤتمر الصحفي_ لم و لن يتخلوا أبداً عن صفاتهم الكريهة المتمثلة في عدم تحمل المسؤلية الأخلاقية و في الجبن والكذب و الضمير الخرب، وإن كان الغرض الثانوي من المؤتمر، بالتأكيد، هو تقديم تبريرات واهية يعتقدون بأنها هي التى أدت إلى فض الاعتصام و للتقليل من حجم الكارثة بينما لا تزال دماء الضحايا تغطي ساحة القيادة العامة و ابوات المرتزقة من الجنجويد و تابعيهم من الخونة المجرمين عابري الدول، و لا تزال أجساد الضحايا الابرياء السلميين تحتضنها مياه النيل بعد ان قرر هؤلاء القتلة الرعاديد مصادرة حق مقبرة تحفظ كرامة الميت و تجلب شيئاً من السلوى النفسية للاسر المكلومة.

وعلى ذات منحى كسب الوقت، ففي الوقت الراهن يسعى مجلس القتلة حثيثاً للقضاء على ما تبقى من القوات المسلحة و إستبدالها بمليشيات الجنجويد التي ما فتئت تتكاثر كما السرطان في جسد الوطن المكلوم. فها هو أحد متحدثي و منسوبي المليشيا سيئة الذكر يقرر بلا حياء أو خجل بأن قوات الدعم السريع (إسم الدلع لمليشا الجنجويد) ما هي إلاّ الإسم الجديد للقوات المسلحة سابقاً! و لعل المسرحية العبثية التى خرج بها المجلس حول ضبط محاولة إنقلابية وإعتقال المتورطين فيها، تُنبئ من ضمن ما تُنبئ به هذه المحاولة المخططة لتصفية القوات المسلحة لصالح مليشا الجنجويد!

و كما قد ذكرنا في مقال سابق، فإنه، و منذ البداية، لو كان لمجلس القتلة نية حقيقة في نقل السلطة إلى حكومة مدنية وأنه لا يزال يحتفظ ببقايا من حياء بشري عادي و إحترام للذات، كان الاحرى به تقديم إستقالته فور سقوط الطاغية و اعلان إستعداده للمحاكمة في الجرائم التى إقترفها اعضاؤه بدلاً عن المساومةعلى البقاء في السلطة. و لكن الجبن وإنحطاط الأخلاق و الروئ وحدها هى التي منعت و لا تزال تمنع المجلس عن إتخاذ مثل هذه الخطوة الهامة و الضرورية!
أخيرا و ليس آخرا، فإن قطع خدمات شبكة الانترنت عن البلاد لهو دليل قوي آخر يكشُف نوايا مجلس القتلة و محاولته إخفاء جرائمه التي يزمُع على إقترافها حتى يحقق هدفه الأوحد: السيطرة الكاملة على أرض السودان و شعبه!

لقد خلقت الثورة المجيدة فضاءاً لواقع فعلي و عقلي مغاير لكل ما لمسناه و عايشناه في الماضى. هذا الواقع الجديد يتمثل في الوحدة الوجدانية حول وطن يسع الجميع؛ وطن تجب التضحية بالغالي و النفيس من اجله؛ وطن وجوده و بقاؤه ضروريان و حتميان لوجودنا؛ وطن يحتفي و يحتفل بالاختلاف، و فوق هذا و ذاك خلقت الثورة ذاتاً ثورية تتنفس ثورة إلى آخر قطرة دم. هذا الواقع هو الضمانة الاولى و الاخيرة لهزيمة مجلس القتلة و مشروعات السفلة المحليين و الإقليمين و الدوليين و تدشين الدولة المدنية: دولة المواطنة كاملة الدسم. قوموا إلى ثورتكم، فالثورة هي الحل!

محمد عثمان (دريج)

هاملتون/ يونيو 15/ 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////