إن الاحداث الجسام التي وقعت صبيحة الاثنين الثالث من يونيو 2019 والذي وافق التاسع والعشرين من رمضان 1440 للهجرة لهي احداث يندي لها جبين كل انسان مهما كان حظه من الانسانية. هذه الاحداث يتحمل وزرها ومسؤوليتها القانونية والاخلاقية كل اعضاء المجلس العسكري بلااستثناء؛ كما تتحمل مسؤوليتها قوات الجنجويد (ولا اقول الدعم السريع) وما كان يُعرف بقوات الشعب المسلحة والشرطة السودانية والشعب بريء من كليهما ليس فقط لتقاعساهما في تأدية واجبهما الذي يمليه عليهما القانون وهو ما كان ينكره الشعب عليهما في البداية وانما ايضا لمشاركتهما في هذه الجريمة بعد اعتراف الناطق الرسمي للمجلس العسكري في المؤتمر الصحفي بتاريخ 13 يونيو 2019؛ اقول يتحمل وزرها ومسؤوليتها كل اولئك لاينقص اي منهم من وزر ومسؤولية الآخر شيء.

لقد صدق الناشطون عندما اطلقوا عليها "مجزرة القيادة العامة" وهي حقا لكذلك؛ فإذا استثنينا الفظائع التي ارتكبتها قوات الجنجويد في حق اهلنا بدارفور؛ سنجد إن السودان لم يشهد في تاريخه الحديث ولا القديم احداثا اكثر قساوة ً من تلك التي شهدتها ساحة الاعتصام. إن مجزرة القيادة هي كربلاء جديدة بل هي اكثر وحشية ً من موقعة كربلاء التي استشهد فيها نفر كريم من آل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك لان آل البيت رضوان الله عليهم؛ كانوا يعلمون انهم سينازلون عدوا اظهر لهم عداوةً بينة ً لذا فقد استعدوا لعدوهم وسع طاقتهم على الرغم من إدراكهم للبون الشاسع بينهم وبين العدو في العدة والعتاد فمضوا الي ربهم راضين مرضيين . اما الذي جعل مجزرة القيادة اكثر وحشية ً فهو إن هؤلاء المعتصمين كانوا عٌزلا من اي سلاح بينما تسلح القتلة بالهراوات والسياط والكلاشات وغيرها . والسبب الآخر الذي يجعل مجزرة القيادة اكثر وحشية هي إن هؤلاء الثوار تم غدرهم بعد ان اطمأنوا لمجلس اظهر لهم الوداعة واضمر لهم العداوة حيث اكد اعضاؤه في غير مرة انهم لن يفضوا الاعتصام بالقوة وتصريحات البرهان وحميدتي والكباشي موجودة وموثقة ولم يتم ارشفتها بعد؛ بيد انهم نقضوا عهدهم ولجأوا ليس الى القوة فحسب بل الى العنف العنيف في فض الاعتصام . فإظهار المرء خلاف مايبطن ونقض العهود هي صفات المنافقين .

اما النهج الذي انتهجه المجلس بعد المجزرة فهو يثبت إن هؤلاء الاشخاص ليس لهم اي وازع ديني او اخلاقي؛ فقد تبارى اعضاء المجلس في اطلاق التصريحات المتناقضة إذ ان الشينة منكورة .ففي تصريح منسوب للفريق طيار ركن صلاح عبد الخالق جاء فيه انهم لم يٌستشاروا في فض الاعتصام؛ اما الفريق الكباشي فقد صرح في ذات يوم الاعتصام انهم لم يفضوا ساحة الاعتصام وانما فضوا منطقة كولمبيا وانه يمكن للمعتصمين الرجوع الى ساحة الاعتصام. وذات الكباشي الذي انكر فض الاعتصام في الثالث من يونيو عاد واعترف في الثالث عشر من يونيو انهم قد قرروا فض الاعتصام بحضور كافة القيادات الامنية والعسكرية وقد وُضعت خطة لذلك . وعلى الرغم من ان كل الشعب السوداني لم يصدق الرواية الركيكة التي حاول الكباشي نسجها منذ تأريخ المجزرة لاجل تغبيش الصورة واخفاء الحقيقة التي راها الناس رأي العين - على الرغم من ذلك - فيجب ان يوضح لماذا صمت كل تلك الفترة وما هي الاسباب التي اضطرته للاعتراف بجريمتهم النكراء؟ ليس الكذب فقط هو اسوأ ما في الفريق الكباشي وانما افتراضه الغباء في مستمعيه يجعل المرء يحار في امره. الا يستحي هذا الكباشي؟ إن الكذب لهو اخس صفات الرجال وهي صفة ظلت ملازمة لهذا المجلس منذ اليوم الذي بدأ فيه المجلس في المماطلة في تسليم السلطة للقوى المدنية والرجوع لثكناته. لايظنن اعضاء المجلس وكل من شارك في هذه الجريمة إنه بمفلت من العقاب فان يد العدالة ستطالهم جميعا وفي هذا المقام ليس هنالك مقولة اكثر ملاءمة يمكن الاشارة اليها من مقولة الاستاذ محمود محمد طه حين قال (لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا!! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن) .

لابد من اعلان التاسع والعشرين من رمضان يوما للحداد العام يقف فيه الشعب السوداني في ذات الموقع الذي حدثت به المجزرة وفي ذات الوقت الذي ارتكبت فيه لنحيي ذكرى هؤلاء الاماجد الذين ضحوا لاجل هذا الوطن كما لابد ان تٌضمن هذة المجزرة في المنهج الدراسي للنشيء ليتشربوا الروح الوطنية الصادقة ولتكون هذه اللوحة البطولية الهاما لهم. إنني اتوقع من الشعراء والفنانين والدراميين والسينمائيين تصوير هذه الملحمة ليرى العالم اجمع الصمامة والشجاعة السودانية في ابهى صورها.

مثلما افتدى شهداء كربلاء الحق ومهروه بدمائهم فارتقت ارواحهم الطاهرة الى بارئها وحققوا المقامات العلية؛ فقد ارتقت كذلك ارواح شهداء مجزرة القيادة وحققوا مقامات كبيرة لايعلمها الا ربهم؛ كيف لا وقد استشهدوا في الدفاع عن اشرف قضية الا وهي قضية الوطن والكرامة والحرية. فلتنعموا هانئين ياشهداءنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر ولتقر اعين اهليكم وذويكم وليفخروا بكم فانتم احياء عند ربكم تٌرزقون.

محمود خيري أحمد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.