علينا أن نعترف أن الإنقاذ أفرخت نمطاً مشابهاً لها في الإعلام والصحافة والأكاديميا ، لا أتحدث هنا عن صحافيي الإنقاذ ومنسوبيها ، بل عن المزاج العام البائس الذي انتظم تلك الحقول الإعلامية والصحافية والأكاديمية ، بعد تجريف الإنقاذ الذي شمل الوسط الصحافي والإعلامي والأكاديمي ليعكس تأثيراً واضحاً لتفاهات حقبة الإنقاذ وتسطيحها ، والذي كشف فقراً مريعاً أصاب الأقلام الصحافية، نتيجة لهجرة الصحافيين والكوادر الثقافية والإعلامية للخليج وأوربا وأمريكا بفعل نظام " التمكين " التافه البغيض.. عدم الاعتراف بهذه الحقيقة ، لن تتكشف عواره إلا عندما تأتي حقبة ديمقراطية تعود معها تلك الأقلام والكفاءات الحقيقية والمحترمة لتصبح حرة في إنشاء صحف وجماعات ثقافية وفكرية وقنوات تلفزة حرة تتيح لتلك الكوادر تجليات إمكاناتها المعرفية والفكرية والثقافية الجبارة ؛ حينها سيعرف الجميع أي وسط صحافي وإعلامي تافه ظن البسطاء من الشعب السوداني أنه أنتج رموزاً للصحافة والإعلام ، فيما كان ينتج " رويبضات ".

ودليل بسيط على ما نقول هو مقدار تلك التفاهة والتغييب الذي مارسه نظام الإنقاذ ــ ما عدا إطلالات خجولة ــ في حق صحافي كبير هو عميد الصحافة السودانية " محجوب محمد صالح " الذي لايكاد يذكر أحد صحيفته العريقة " الأيام " رغم صدورها ، إلى جانب صحف محازبي الإنقاذ من أمثال ضياء الدين بلال " السوداني " ، وعثمان ميرغني " التيار " و" الصادق الرزيقي " " الانتباهة" وحسين خوجلي " ألوان " .. وكل من يتابع الحوار الذي يكاد يكون يتيماً والذي أجراه مؤخراً المذيع "غسان علي عثمان" مع عميد الصحافة السودانية " محجوب محمد صالح " فطبيعة الحوار العميق والرصين والمليئ بالمعرفة والخبرة ، ستكشف لنا أي دركٍ كانت فيه الصحافة والإعلام السودانيين ، طوال 30 سنة ، من حكم إنقلاب الرئيس التافه الحقير عمر البشير لعنه الله. ومن الذين يعرفون اليوم " الأركيلوجي الكبير " أسامة عبد الرحمن النور المدير السابق لمتحف السودان الطبيعي ، الذي جعلته الإنقاذ سائقاً للتاكسي حفاظاً على كرامته ، ثم اضطرته للهجرة إلى ليبيا وغيرها من الدول ليدرس في جامعاتها ، وهو مؤسس علم " السودانولوجيا " الذي قام بفصل هذا العلم عن " علم المصريات " بفضل جهوده المعرفية الكبيرة وعلاقاته المرموقة بآثاريين كبار في العالم. لعنه الله على عمر البشير هذا المجرم الذي لانزال اليوم نخوض مخاضاً عسيراً على تصفية مخلفاته المتمثلة في تاجر الحمير ومجرم الحرب حميدتي ، الذي لولا أن البشير لعنه الله أباح له كل سبل الصعود لما كان يحلم اليوم بشيء مما هو عليه الآن.

نقلا عن صفحة الاستاذ محمد جميل على الفيس بوك