الجزء الأول:
في عزلةٍ كاملةٍ عن العالم من حولهما، في غياب وسائل التواصل الإجتماعي بالبلاد، والتي تم تعليقها لضروراتٍ أمنيةٍ وفق ما أعلنه العسكر بالمدينة.. كانت هي على غير عادتها في سائر الأيام، مشغولةً وقلقةً تماما مثلهُ.تتخذُ مقعداً إلى جوارِهِ دون أن تعمدَ إلى مشاكستِهِ كما تعودت حينما يوترها بإنكبابهِ على القراءة ووبإدمانِهِ لنشرات الأخبار بصفة راتبة ومملة. ليس اليوم على الأقل، فقد كانا كلاهما مشدودين أمام الشاشة متعطشين لتقييم الأوضاع والمخاطر الأمنية في المدينة. ما حدث في الأيام الأخيرة التي أعقبت مجزرة الإثنين الأسود الثالث من حزيران يونيه، قد أدّي لهلاكِ خلقٍ كثير وإلى أن تعج أعماق النهر بالضحايا وهم شباب وصبية في مقتبل العمر. إن ما تكشفت عنه تلك المقتلةُ من الفظاعة والهمجية التي أنتهجها الجناة يرقى لأن يكون عنفاً بربريا بدائيا مفرطا لم تشهد البلاد له مثيلا الله إلا في خواتيم القرن التاسع عشر.
راجت في المدينةِ إثر ذلك حالات نهبٍ واغتصاب على الملأ وإضرام لحرائقَ كبيرة، حوادث طعنٍ متفرقة، صحبتها إنتهاكات إطّلَعَ بها مسلحون ملثمون إقتحما فيها منازل الناس عنوة وأطلقوا على شاغليها الرصاص وعبوات الغاز بصفة عشوائية، وذلك تعقبا لمن يعتقد أنهم ناشطون فارون من العدالة. كأن النظام السابق رغم إندثاره المعلن لكن الأشرار مازالوا هناك يعبثون بحياة الناس، أو كأن


الثورة قد خاب سعيها. صارت ديار الناس ومخادعهم تلك الأيام تعجز في أن تمنحهم من
الأمان ما صاروا ينشدونه في العراء وعلى قارعةِ الطريق. هو نفسه كحال الكثيرين من أهلِ المدينةِ قد أفلت عدة مرات من حبائل الموت، كان آخرها حينما أخطأه عيارٌ ناري أطلقهُ مسلحون عند أحد المتاريس ليلة البارحة، ليرتطم بإطار المرآة الأمامية على يسار عجلة القيادة في سيارته، بينما كان على متنها عائدا إلى الدار من أحدِ المخابزِ القريبةِ في الناحية.
كانا يتساءلان عن مقدار الخطرِ الذي سيكون عليهما أن يتجشمانِهِ حالة خروجهما معا في هذا المساء، إذا ما أقتضت الضرورة التزود بما يحتاجه الصغار من الخبز وقوارير الحليب. عليهما اتخاذُ مسارات بديلةِ نائيةٍ أكثرُ أمنا، تتجاوز ما أمكن خارطة المتاريس والمصدّات التى نصبها ثوارٌ غاضبون، الأهداف المحتملة للعسس ورصاص القناصين في تلك الليلةِ وما يليها من الليالي، بالإضافة لتحاشي تجمعات الجنود المسعورين، ومواقع إرتكاز العتاد الحربي والمركباتِ المدرعة، تماما كما يفعل سكان لندن عاصمة الضباب في الجانب المقابل من الدنيا في ظروفٍ مخالفةٍ تماما، بإستقرائهم وهم آمنون لحالةِ الطقس قبيل خروجهم المعتاد للتسكع عند عطلة نهاية الأسبوع، إذا ما كانت الأحوال الجوية تستدعي إصطحابهم شمسيات ومعاطف وكلما من شأنهِ أن يقيهم الصقيع والمطر، قبل أقدامهم على الخروج.

الجزء الثاني:
كبيرٌ جداً هو الفارقُ ما بين أزيز الرصاص وخريرِ المطر، ما بين الشظايا وأجنحةِ العصافيرِ الملونة هنا وهناك. الفارق كبيرٌ بلا مواربة ما بين الموت والحياة، السعادة والبؤس. فالموت الذي ينسدلُ على الناس هنا دون تمييزٍ كل يوم، قد أصبح شيئا كالإدمان، شيئا ممجوجا ورفيقا سمجاً ثقيل الظلِ كغيرهِ من أحزان المدينة ووعسائها، كأن يرسل أحدهم خلسةً إلى فمه دفعاتٍ من التبغ الداكنِ الرطب، كالخبز والصحف اليومية، شيئا يتعاطاه الناس منذ الصباح الباكر وعند الأصيل. على الأقل حتى يأتي يوم يتحقق فيه الإكتفاء الذاتي، فبإمكانك حتى ذلك الحين أن تظل قاتلاً متمرسا كما أنت وأن يتلوثَ كفَّاكَ وكاحلاك بالنصال والخوازيق المحددة وبقعِ الدماء، دون أن يتسبب ذلك في دفعك للإحساس بالذنب أو أن يُعرِّضُك بأي قدر دون رغبتك للمساءلة والتحقيق، ما الذي ترقى الدماء إليه، فقط لا تكن عميلا مهما كانت الدوافع، لأن ذلك يُعدُّ أمرا بالغ الفظاظة.

فقد صار من العار مؤخراً أن تُفاتحَ أحدَهم عن جرائم وانتهاكات وقعت في عقرِ دارك أو في الجوار، بل إنه ليس من المنطقي أن تستعين طلبا للنجدة بالغرباء وسالكيّ الطريق، حينما يكون القاتلُ من بني جلدتك، فالبلاد تكره العمالة والعدالة العابرة للحدود على أية حال، وتفضلُّ أن يموت الضحايا حينما يموتون كخرافِ الرب، دون أنين وبلا ضجيج ما وسعها ذلك. فبلادنا ليست مكانا ملائما لعملاءَ من هذه الشاكلة، لكنها وللمفارقة تبدو كفاجرةٍ نزقة، لا تكاد تخفي ولعها بالصكوك الأجنبية، بالطارقين من الجنود الوافدين ومن قطَّاع


الطرق، بهويةٍ وطنية كانوا أو كانوا بجنسيات مغايرة أو حتى مزدوجة لا يهم.
في الوقت نفسه كانت محطات البث التي تملكها الدولة غارقةً حتى أُذنيها في الأُغنيات وموشحّات الفخر والحماس وهي تسرفُ في تمجيد محاربين عابرين، لا تبدو المدينة على درايةٍ كافية بإرثهم وأمجادهم التاريخية التالدة التي تستدعي كل تلك المداهنة، أو في إندلاع حواراتٍ ساخنة يديرها خبراءُ مغمورون ونافذون سياسيون طوت الأيام سوءاتهم، يبدون وهم متشاكسون يتجادلون بحدةٍ وعسف، عن مسائل ومسائل تتعلق بتهيؤاتٍ أو حقائق بديلة، أو بهموم ساكنة شديدة البرودة، لا تنتمي بأدنى صلة لحمم الرصاص والشقاء والكوابيس الساخنة التي تغرق فيها المدينة حتى أذنيها، كلتيهما، هم أنفسهم الذين كانوا حتى الأمس القريب لا يعبأون بالشئ وضده.

الجزء الثالث:

مقدمة البرنامج الشابة في القناة الفرنسية، صادفتهما وهي تتسكعُ بلا مبالات بالأستدوديو الشائع الممتد أمامهما بطول الشاشة وعرضها. كانت تستعرض وقتها أحداث الساعة في دلالٍ فائق، بدت لهما فاتنةً ومضرَّجةً بالورديّ لدرجةٍ مذهلة، حداً يمنحُكَ الإحساس بالثمالة وبأن الأريكة الإسفنجية في الأسفلِ منك وكأنها حُنطورٌ هوائيّ ينزلقُ في مضمار معلق تفصله عن الأشياء مسافة ألف قدمٍ كاملةٍ فوق سطح البحر. إن أي خيارٍ فيما عدا بقاؤك ساكنا دون حراك قد يُعدُّ مخاطرةً إستثنائية باهظةُ التكاليف. كان يحدث كل ذلك بينما السيدة في الجانب الآخرِ من العالم تبدو أمامهم غير آبهةٍ وغير معنية البتة بما توقعه من خسائرَ وتلف وجرائر فيما حولها من الناس، فوق ماهم عليه من البؤس والمليشيات والقذائف وسوء الطالع.
كانت الصدريةُ المسكوبة من تحت الكنزة الحريرية الزرقاء، تميلُ بإهمالٍ ناحيةَ اليسار، حتى يتماهي الأفقيّ والرأسي في دُوارٍ يمحقُ بغلوائهِ الوعيَ بتعامدِ المدارات. يوماً ما وحتى لا يدقُّ أحدهم عنقَهُ سيكون حتما فيه على الفنارات في كل بحارِ العالم وشطآنهِ أن تميل بنفس الدرجة إذا ما أريد للأشياء أن تستقيم على الجادة. وضعٌ يجعلكَ تناهضُ جاهداً أن تتحسس الفارق ما بين الأناقة الموغلة في الحداثة، وما بين التلقائية التي تنتهك إتفاقاً حدودَ اللياقةِ والأعراف والسلام الإجتماعي، حتى يأتي زمانٌ تبلغ فيه المهام غاياتها المعقولة، المعلنُ عنه منها على أقل تقدير، سيكون علينا ساعتها دون إستثناء أن ننحني حتى تمر الخيل والمواكب المُدَرّعة. لم يكن الأمر سوى موجزٍ للأنباء، فلربما كان الخبرُ أو الخُبزُ أيهما أو كلاهما أولى بالفضول من ترصد العيون الأجنبية والنفوس الظمئة لسترات حسان مسرفات في الدلال والدعة، الحريرية منها على وجهِ التحديد.

حسابات الميل البياني، بنسبة ما يقابل الزوايا إلى ما يجاورها من الأضلاع، على طول الطريق البريّ في إتجاه اليسار، تخلط في جرأةٍ فائقة ما بين دواعي الحشمة أو فلنقل اللياقة، وصيرورة الدوال المثلثية بتعقيداتها السمجة. فمن الواضح بمنطقِ الأشياء، أن نهاية الصدرية عند أقصى اليسار لا بدَّ أن يتخلقُ بموجبها وضعاً كارثياً ومعقدا لدرجةٍ مذرية، حتى لو تركنا الأرضَ في نفسِ المأزقِ الذي عكَفت عليهِ منذُ بدءِ الخليقة، من العوارِ والإعتلالِ وسوءِ النوايا.

الجزء الرابع:
لأكثرِ من مرةٍ نازعتهُ نفسهُ في أن يقفزَ من المقعد ويشرع في الهرولةِ دون هدى، ذلك تلافياً لاندلاعِ شئٍ ما، وكأنهُ كان يتحاشى بذلك التمرد اشباحا وظلالا لتهيؤاتٍ إذا ما تحققت ستكون بمثابةِ فاجعةٍ بلا شك. من الواضحِ أنه قد صار لزاما على أحدِهم أن يضعُ حداً لكارثةٍ وشيكة. ربما يتحتم عليه كذلك أن يلتزم المرأة ذات الكنزة الزرقاء، كصبيةٍ حديثةِ السن، وأن يظلَّ معصوب العينين لضرورات حيوية، بينما تعبثُ أصابعُهُ الكفيفة فيما وراء الكنزة الزرقاء حتى يتمكن من سحبِ الصدرية إلي الأعلى وإعادة موضعتها من ناحيةِ اليسار. لعنَ الله من أيقظها وأقلقَ مضاجعَها، ربما بذلك فقط يكون بمقدورهِ أن يفلحَ في لجمِ قوى الشر، كيما تعودُ للعالمِ سكينتهُ وأن تخرسَ البنادق ويتوقف إطلاقُ الرصاص، ترتدُّ بذلك من جديد آلاف العصافيرُ والكواكب التائهة إلى أوكارها ومداراتها المعتادة.

لكن صورةً حديثةً لقداسةِ المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، بدا فيها بعمامتهِ الناصعةِ غاضبا، فيما يوحي أنهُ كان يتوعدُ أحد الأشقياء على الشطِّ الآخر من الأطلنطي، كأنما راعيا بقرٍ قد ترجلا للتو من على فرسيهما واتخذ كلاهما ساترا لدى الحانةِ التي تليه. كانت صورة المرشدِ قد إندلقت على الشاشةِ بأكملها لأكثر من مرة. كان كل شئ عدا ذلك عاديا ورتيبا فيما يلي شاغلي هذا العالم، ربما لم يكن الأمر ليعنيه من دونهم في شئ، فهو صفةٍ خاصة لا يعدو كونه قرويّ حسن الطويّة، وضعتهُ أمهُ أعزَّ اللهُ مُقامها ذات نهارٍ في دارٍ بسيطةٍ قد شيْدَت من اللبنِ المدهونِ بخميرة فضلات الأبقار، بالضفة الشرقيةِ لبحر أبيض، على مسيرة ساعتين من هذه المدينة الصاخبة الحاشدةِ بالمحاربين وبالمركبات المموّهة والمدججةِ بمحاريث الموت. ما شأنهُ إذن بحربِ الفُجَّار، مياه الأطلنطي والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ما شأنه بكل ذلك، فلا المكان ولا الوقت يبدوان ملائمين على أية حال.

كل ذلك ربما دعاه في الحال للإقلاع عن ذلك المسعى الإنساني، وأن يطَّلعَ بدلاً عن ذلك بأكبر عملية سطوٍعلى قطار الزمن، يحاول أن يستردّ بعضا من عافيتِهِ وبعض الفضائلِ التالدة، التمائم والتعاويذ والمثل المفقودة. فكم من المبادرات النبيلة في جوهرها سحقها العنفُ والصلف، بل أن معظمها كإناث اليراعاتِ قد قضى تلقائيا عند تقاطع النيران، تلك الأشياء لا تبدي إلحاحا يذكر للتشبثِ بالحياة، إنها لا تصمدُ في العادةِ مقابل بأس الطغاة المزهوين، في وجهِ الفساد، أو في وجهِ رجال دينٍ متزمتبن كهيئةِ السيد روحاني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////