من يتأمل في تاريخ السودان منذ أن نال إستقلاله في عام ١٩٥٦، يلحظ بكل وضوح حضور عقلية القبيلة والطائفة والجهوية والمناطقية والشللية والمؤامرات التي فتحت الباب واسعاً للإنقلابات العسكرية لترعى مشروع الهيمنة اللعينة . . !

الذي غيب الدولة ومؤسساتها وقوانينها وقيمها من حياة الناس.
وظل البؤس مسيطراً على المشهد السياسي السوداني، بكل تجلياته منذ أن رفرفت رايات الإستقلال الوطنيّ، مكسورة الخاطر، فوق جماجم ضحايا الظلم، ومشاريع الظلام . . !
مشاريع الظلام غيبت الوطن والمواطن وحقوقه ودوره ورسالته، وإحتكرت كل شيء لنفسها . . !
بينما الوقت كان يفر، والفرص تضيع، والدماء تراق ليل نهار، والأرواح البريئة تصادر ، والحقوق تسرق عينك يا تاجر في وضح النهار، لصالح مشروع الهيمنة والتكويش الذي أقصى الأغلبية المنتجة وحّولَ السودان المعّول عليه أن يكون سلة غذاء العالم إلى سلة إستجداء الغذاء والدواء . . !
تحول من بلد عامر، إلى بلد مصدر للاجئين، الباحثين عن الأمن، ولقمة العيش الكريم. . يا لها مأساة . . ! في وطن فيه كل مقومات الحياة.
كم هو مؤلم أن تنتهي بِنَا مشاريع الظلام إلى هذا المشهد التراجيدي . . !
الذي جعل الجنوب يحزم حقائبه ويرحل، كما رحل من قبله شهداء ٢٨/ رمضان، في صبيحة وقفة العيد، وهكذا تواصلت مواكب الرحيل، حتى توجها الغادرون بجريمة فض الإعتصام التي راح جراءها مئات الشهداء في ذات يوم وقفة العيد، كإنما التاريخ يعيد نفسه من جديد .
بينما أطراف أخرى في الوطن المستباح ما زالت تحتمي بسلاحها من أجل البقاء .
وملايين أخرى في الخارج تكيفت مع ظروف الغربة وشروطها القاسية، البعض يهان ويذل في اليوم الواحد ألف مرة . . !
والبعض الآخر أصبحوا ضحايا للعصابات وتجار البشر .
الأحلام أزرى بها الدهر، والعقول عشعش في تلافيفها الخوف، والبطون سكنها الجوع، في وطن فيه أطول أنهار العالم، والنَّاس تموت بالعطش والمسغبة . . !
الواقع المأساوي، وتراجيديا الألم تكشف بكل جلاء: فشل مشروع الهيمنة والإقصاء .
ستون عاماً وأكثر ظل الجسد السوداني مثخناً بالطعنات والجراح، والنفس تسكنها الآلام والحسرات على ضياع مشروع الدولة، وضياع آحلام الكادحين.
إن أردنا للدولة الوطنية الغائبة أن تعود، لابد لهذا الواقع المزري، أن يزول وينتهي بعد أن طفح كيل الفشل والخراب والدمار .
طفح حروباً وإنقسامات عرقية وطائفية وإصطفافات قبلية مناطقية بائسة،وصدامات عبثية ظلت ثلاثون عاماً، كل يوم تزداد ويلاتها وشرورها ألماً وسوءاً.
الآن بعد الثورة الظافرة، لابد لنا أن نتعلم من آلامنا وجراحاتنا التي ظلت تمزقنا صباح ومساء، نتعلم منها كيف نعمق وحدتنا الوطنية بالعدالة والمساواة ونعبر فوق الجراحات من أجل وطن أرقى وأفضل.
لا نريد بعد هذه الرحلة المرهقة الشاقة نظاماً يعيد إنتاج الأزمات جديد، نريد أفقاً جديداً ينتصر للإنسان، لحريته وكرامته وحقه في الحياة.
نريد رؤية حداثية معاصرة تنتصر للدولة الوطنية الجامعة الحاضنة لأبناءها، كما فعلت رواندا بعد خروجها من مستنقع الحرب الأهلية بين التوتسي والهوتو.
وهكذا فعلت الجارة الشقيقة أثيوبيا، التي إنتصرت على مشروع هيمنة الأقلية لصالح مشروع دولة الجميع، فبنت دولة وطنية ديمقراطية فيدرالية شامخة، بدأت تشق طريقها نحو التطور والتقدم بخطى ثابتة.
بعد الثورة، نريد دولة حقيقية تنتصر لمواطنيها، لا تنتصر عليهم، بالخيانات والمؤامرات والتفاهات، التي أورثتنا كل هذا الخراب.
الطيب الزين

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.