فهرست

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1. مقدمة
2. أدب التفاوض
3. لا عفا الله عما سلف والذي يفوت لا يموت
4. اسلوب انتقال السلطة يقررأبعاد العدالة
5. الجريمة والعقاب

1- مقدمة
ليست هذة المقالة عن رائعة الروسي فيدور ديستوفيسكي (1821 -1881) . الجريمة هنا هي سجل الانتهاكات البشعة والمخازي التي ارتكبها الإسلاميون طيلة ثلاثين عاماً من حكمهم للسودان. هناك هيئات دولية وأقليمية ومنظمات حقوق إنسان عالمية واقليمية ظلت تقوم برصد سجل نظام البشير- الترابي. القراء شهدوا مخالفات ذلك النظام للقوانين والعهود الدولية المتصلة بحقوق الإنسان والحكم الرشيد بدءاً بالإنقضاض على السلطة الشرعية ومواسم التشريد والتعذيب والتقتيل ونهب المال العام فضلاً عن هدم وتخريب مؤسسات خدمية واقتصادية ذات اهمية استراتيجية.
أما العقاب فرغم أن بعض أهل المؤتمر الوطني قد يعزي نفسه بأن الحج أو حتى قراءة بعض الأدعية أو الآيات القرآنية كفيل بغسل الذنوب جميعها كما لو أنها لم تكن، إلا أن هذا البعض يضرب صفحاً عن آية قرآنية تقول: "ولكم في القصاص حياة يا ذوي الألباب"
هذه المقالة تسعى الى وضع الجريمة والعقاب في سياق العدالة الإنتقالية التي تعني بإيجاز حق الضحايا في المحاسبة والانتصاف بشأن حقوقهم ..السياسية والاقتصادية وغيرها وهي تعني الرفض الصارم لمفهوم الحصانة.
ووفقاً لمذكرة كوفي عنان الإرشادية المسماة "نهج الأمم المتحدة الى العدالة الانتقالية" والتي صدرت العام 2010 فإن العدالة الانتقالية هي جماع العمليات والآليات المصاحبة لمحاولة المجتمع التعامل مع تركة الإنتهاكات الواسعة، وذلك بهدف ضمان المحاسبة وخدمة أغراض العدالة وتحقيق المصالحة. إن عمليات وآليات العدالة الإجتماعية لهي مكون بالغ الأهمية بالنسبة الى إطار المنظمة الدولية الخاص بتعزيز حكم القانون.
وللمناسبة فان الأمم المتحدة نشرت عدة كشاكيل إيضاحية قانونية حول اشكال العدالة الإنتقالية. هناك تجد أحكام القانون حول المحاكمات والعفو ولجان التحقيق وبرامج التعويض والإستردادات والفرز التطهيري. جميعها تشمل خطوطاً عامة بمباديء العدالة الإنتقالية أنظر UN Rule of Law website www.unrol.org
اما بالنسبة الى "المركز العالمي للعدالة الإنتقالية" فان المصطلح الذي يقال أن اكاديميين امريكيين قاموا بصكّه خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي "يمثل حزمة من الإستجابات فوق العادية التي تنشأ خلال الإنعطافات الحرجة مثل الإنتقال من الحرب الى السلام أو من الشمولية الى الديموقراطية. وهي معنية بالإنتصاف بشأن الانتهاكات الجسيمة والتعرف على دروب التعامل مع الأسباب البنيوية لتلك الانتهاكات مثل عدم مساواة الجنسين والإقصاء المجتمعي .. وفيما تشمل العدالة الإنتقالية المحاسبة الجنائية فانها تجد الدعم من فهم أوسع للعدالة يضع في الحسبان مدى واسعاً من احتياجات الضحايا والأولويات المجتمعية ".
ووفقاً لإطار الاتحاد الأفريقي للعدالة الإنتقالية فإن هدفها مساعدة الدول الخارجة من النزاع في سعيها الى المحاسبة والى مستدام السلام والعدالة والمصلحة.
إن أشكال العدالة الإنتقالية تتمثل في المحاكمة الجنائية ولجان الحقيقة والمصالحة وعمليات التعويض والانتصاف مادياً أو رمزياً أو مجتمعياً كما تشمل اصلاح القوانين والمؤسسات العدلية والمتصلة بإنفاذ القوانين وبينها الشرطة والجهاز القضائي ومكتب النائب العام واجهزة الأمن وقبل ذلك القوات المسلحة ذاتها.
وفي حين يمكن لتلك الأشكال ان تتصاحب فليس أي منها بديلاً عن آخر إلا أن السياق يحدد الشكل الأساس.
تتوق هذه المقالة الى الإكتفاء بالنظر الى شكل العدالة الجنائية ثم التعرض الى شكل لجنة الحقيقة والتاريخ بتركيز على تجربة جنوب أفريقيا.
وتذهب المقالة الى ان اسلوب انتقال السلطة هو الذي يحدد شكل العدالة الإنتقالية ودرجتها وأن مسألة العدالة الجنائية والمحاسبة القضائية تحديداً هي المسكوت عنه والجوهر المستبطن في المفاوضات التي دارت وربما تدور لاحقاً بين المجلس العسكري وممثلي الثورة حول تقاسم السلطة والصلاحيات، ذلك أن تفكيك نظام الترابي - البشير وتصفية حسابات تركته ليس هدفاً رئيساً من أهداف الثورة فحسب وانما هو الكابوس الجهنمي بالنسبة لمجلس العسكر. شكلهم سيطلبون العفو العام وبالعدم الحصانة السيادية لأعضاء مجلسهم وعلى وجه الإحتياط فانهم سوف يطلبون إرجاء الأمر لتنظر فيه حكومة منتخبة. وإذا كان الناس يريدون التعجيل بالمحاكمات وإرسال البشير الى لاهاي مثلأ فعليهم التعجيل بالإنتخابات.
المحاسبة الجنائية رهن بإرادة سياسية سوية ومنظومة عدلية لم تكن ضالعة في تغييب حكم القانون. كما ان محاكمات ما بعد الانتقال تحمل امكانية وضع حد لمسلسل عنف الدولة كما تعزز فرص التحول الديموقراطي. إن العقاب الجنائي هو التأمين الأفعل والأنجع ضد العسف المستقبلي ثم ان غيابه ينال من هيبة القانون برمته ويشير الى ان الجريمة مجدية وذات نفع. والى ذلك فالمحاكمة الجنائية لا تخاطب الجاني والضحية وذويه وحدهم وانما تخاطب المجتمع بأسره إذ أنها تمثل رادعاً للمواطن عن تأييد الأنظمة المستبدة.
قلت إن اسلوب الإنتقال يحدد شكل تلك العدالة كما سنرى لاحقاً من نموذج تشيلي واسبانيا. وحيث أن سبيلنا الى انتقال السلطة في السودان يمر عبر مسلسل مفاوضات متمددة فسوف أبدأ باشارة الى أدب التفاوض
2- أدب التفاوض
لا ريب عندي في أنه ليس هناك من ندية بين طرفي ما تسمى بالمفاوضات بين العسكر وممثلي الثورة.
لا ريب عندي أيضاً في أن تريسا ماي - رئيسة الوزارة البريطانية - امرأة ذات مقدرات مرموقة، ولكن الذين كانوا قد زكوها للمنصب ما ذكروا عن فضلها سوى مقدرتها الفذة على حسن التفاوض وضربوا مثالاً يتيماً على تلك المقدرة هو نجاحها في المفاوضة مع الأردن بشأن الرغبة البريطانية في أن تقبل الأردن عودة متطرف اسلامي من مواطنيها الى أراضيها وأن تتعهد بعدم إعدامه إن دعا الأمر.
كثيرون مثلي لاحظوا أن مثل هذا النجاح لا يختلف كثيراً عن تباهي فريق كرة قددم مثل مان يونايتيد بفوزه على فريق النهضة او الرفاق في مدينة رفاعة – في الزمن الإضافي وبضربات الجزاء. بريطانيا لا تفاوض بلداً مثل الأردن - مع احترامي لشعبه - ولكن تطلب منها بلطف أن يكون أمر فيكون. وقدرات السيدة تريسا ماي التفاوضية محدودة تماماً كما تقول السنوات الثلاث الماضية. (ولكن ما بالي ابعثر سهامي على قلتها؟). الأصل في التفاوض أن تكون هناك بين الطرفين ندية.. ليس ذلك ما كان حال شريكي التفاوض في بلدنا الآن كما أسلفت.
كنت ذكرت مقطعاً لشاعر فرنسي- بريطاني اسمه بيلوك عن كرري جاء فيه :
Whatever happens we got
The maxim and they have not
(مهما حدث فقد كان لنا مدفع الماكسيم ولم يكن لهم)
كنت قلت إن المجلس العسكري يحسب أن ذلك هو الحال في المفاوضات الراهنة. أخطأت. هو لا يحسب ذلك، إنما يدركه على وجه اليقين. ليست هناك ندية بين طرفي التفاوض. أعلم أن التفاوض لا يتم في فراغ. ولكن حتى في الملاكمة يفترض أن يكون الطرفان في المنزلة ذاتها.
الإنكليز في حالة مكرهم يقولون : " تكلم برفق حاملاً عصا غليظة". العسكر - أهل الإنقاذ يحملون العصا الغليظة الوحيدة المتاحة في صحراء العتمور والربع الخالي هذه و يحلقمون كاذبين بلا انقطاع بينما ممثلو الثورة يتحدثون بتهذيب ولا يحملون حتى فلاكابة أو قناية.
مثل السيدة تريسا ماي أنا لا احسن التفاوض. أنا أشبه بلاعب كره كيشة تماماً ولكنه صار حكم كورة يفهم قواعد لعبة لا يحسنها. أقول لممثلي الثورة أن مجلس العسكر خصومهم لا شركاءهم وأن مهمتهم هي جعل جلسات التفاوض ميداناً للنيل من معنويات العدو كما يقول تروتسكي.
يجب تذكيرهم على الدوام بدورهم المؤسسي أو الشخصي في دارفور أوجنوب النيل الأزرق أو جبال النوبة. يكفي أن يتقدم اليهم أحد القراء- وهذا شأنه - بسؤال بريء على سيل الونسة مثل : من بينكم من زار جبال النوبة و كم مرة ؟ أو كم من أبناء الدفعة بلغ رتبة الفريق وماذا كانت ميزتكم عليهم ، بالله؟
ويمكن لقاريء آخر أن يكرر من وقت الى أخر خلال المفاوضات سؤال أمل دنقل كما لو انه مغرم بالشعر، لا أكثر:
" كيف تنظر في يد من صافحوك
فلا تبصر الدم في كل كف ؟"
ليس في هذا القول صبيانية.. لغة الجسد مطلوبه ويمكن لها أن تسهم في النكاية بالخصوم. هؤلاء قوم يستعيذون بالله من النفاثات في العقد حتى قبل لقاء أقرب الأقربين. وقرأت أن أدولف هتلر قال عن فرانسيسكو فرانكو الديكاتور الإسباني : أنا أفضل اقتلاع ثلاثة أو أربعة من أسناني في الوقت ذاته من الاجتماع بهذا الرجل.
لم اقف بعد على مهارة فرانكو في التفاوض تلك التي جعلت أدولف هتلر (يجعر) بالدمع السخين. أيجوز أنه يجهز عليه بأن يشحنه مللاً؟ : صوت خفيض مسطح لا يتلون ينطلق دون اعتبار لعلامات الوقف ويكرر الجمل القديمة بترتيب مختلف - عملأ بحرية الرأي. اسلوب آخر ناجع هو تكرار الجملة ذاتها رداً على كل ما يقال في الحوار. مثلاً بعد رغي العسكر لنصف ساعة عن الحصة ايه يمكن الرد بكلمة واحدة مثل: مدنية أو ساقط ساقط بس.
أرمي بذلك الى إبراز عبثية تلك المفاوضات التي يكسب بها العسكر الوقت لترسيخ الوضع القائم وإرهاق أهل الثورة.
(أحد مقاولي البناء الأيرلندين، أوبراين بنى لنا غرفة صغيرة مخلاً بشروط العقد غير المكتوب. كان أن تأهبت بالأرقام والخرطة واسعار المواد وتكلمت وتكلمت آملاً بتخفيض دنيء أفوز به. في الرد علي كان يصمت لوهلة فيزداد أملي ثم يلفظ بمعنى يرمي كما لو ان الكلمات سقط متاع : قروشي! (ماي موني!) وأرغي وأزبد فيرد بعض أن يصمت لوهلة منعشاً الأمل قبل أن يلفظ الكلمتين من جديد: قروشي. وينتصف الليل فيأخذ حقه (و ما يدعيه) كاملاً غير منقوص.)
الم أقل لكم إنني - كما السيدة تريسا ماي - لا احسن التفاوض؟
في المفاوضات يكون هناك المسكوت عنه: المستبطن . النص المضمر. حين يطرح ممثلو الثورة موقفهم التفاوضي فالمسكوت عنه هو: " هذا وإلا ف..." أو "هذا ولك كذا حتى ترضى".
قلت في مقالة سابقة أن التوسار - الماركسي الفرنسي - كتب عن كيف أن الطفل يمكن ان يكون معلم الأب : قبل عقود من الزمان تضامن ابني صغير العائلة مع أخته الممنوعة من الذهاب الى المسبح قائلاً : أذا هي لا تذهب أنا ارفض الذهاب. وكان الرد الأبوي : لا ذهاب لكما أنتما الأثنين.
هنا قالت البنت الكبرى وكانت في العاشرة للإبن: " الدرس هو: حين تفاوض يجب أن يكون لديك ما تقايض به "الحكاية حكيتها لبعض بريطانين ذوي صلة بالشرق الاوسط ووجدوا فيها شيئاً من الحكمة.
ما الذي يمكن لممثلي الثورة أن يقايضوا به؟ العسكر يريدون الحصانة لهم ولناس المؤتمر الوطني بدون فرز وعفواً عامأ عن كل ما قام به العسكريون والحكام طيلة الاعوام الثلاثين المنصرمة والأشهر التي حكم فيها المجلس العسكري. وهذا لا يكون.. شعارات المعتصمين: "الدم بالدم" و "دم الشهيد بي كم؟ "
وهناك أمل دنقل:
ولو قيل رأس برأس ...
أكل الرؤوس سواء؟
وهل تساوي يد سيفها كان لك
بيد سيفها أثكلك؟
وإذا قال ممثلو الثوار: أقبلوا عرضنا وإلا توقفت الحياة في البلاد. لما كان ذلك في حد ذاته ما يكفي مقابلاً للصفقة. هؤلاء القوم إذا سمعوا أن دابة تعثرت في رفاعة مثلاً فلن يقولوا انهم سيسئلون عنها لماذا لم تمهدوا لها الطريق انما سيهرعون اليها ويعقرونها ويأكلون لحمها وكبدة الإبل، وصاحبها يتفرج.
يعني توقف حياة البلاد لايخيفهم إلا اذا كان ذلك يعني خطراً شخصياً على حياتهم وحياة ذويهم. هؤلاء القوم مهنتهم القتل وقتل الضعفاء والمستضعفين لا قتل النظراء والأنداد. إنهم ليسوا طرفاً ثالثاً قط. إنهم أهل بيت المؤتمر الوطني: لا جيران ولا مجرد أبناء عم. وحين يدرك الناس ان توقف حركة الحياة مسؤولية المجلس العسكري وحده بسبب تعنته وتشبثه بالحكم فأن ذلك لا يجعلها سلمية سلمية وإنما يجعلها سلمية وغضبانين في آن.

3- لا عفا الله عما سلف والذي يفوت لا يموت
إن القصاص إحقاق للحق وتوطيد لحكم القانون وتنفيس للإحتقان المجتمعي
إن مطالبة الأمم بمواجهة تاريخها ليست جديدة تماماً. الإنتهاكات والتجاوزات قد تكون خرقاً لقوانين الدولة ذاتها قبل أن تكون انتهاكاً للقانون الدولي أو القانون الإنساني الدولي. ونحن نشهد الآن انتشار آليات وعمليات محاسبة جنائية على مستويات مختلفة: دولية واقليمية ومحلية. وفي حين تحظر المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 66 في فقرتها الأولى إدانة أي شخص بجريمة جنائية عن فعل لم يشكل وقت وقوعه جريمة، إلا أن الفقرة الثانية من المادة ذاتها تنص على أنه: " ليس في هذه المادة ما يحول دون محاكمة أي شخص أو معاقبته عن أي فعل أو امتناع عن فعل إذا كان وقت ارتكابه جريمة طبقاً للمباديء العامة للقوانين المقررة في القانون الدولي."
ووفقاً للمركزالدولي للعدالة الإنتقالية فإن "كل من عانى من فظائع وانتهاكات له حق لا ينتقص في معرفة الجاني وأية عائلة جرى إخفاء أو مواراة أحد أفرادها لها حق أساسي في معرفة مصيرهم ومكانهم ومن حق كل مجتمع وقعت فيه تلك الفظائع معرفة التاريخ بلا كذب ولا نكران."
وثمة أساليب شتى لتفادي المحاسبة الجنائية بينها العفو العام الذي يصدر خلال أيام عهد مباد أو لدى انتقال للسلطة توافقي. (روى الفقيد د. امين مكي مدني عن جوهانس أكول أنه على أثر العفو السياسي العام لسنة 72 بعد اتفاقية أديس أبابا رفضت دعوى أحد مواطني غرب الإستوائية للتعويض وكانت حركة الأنيانيا قد قطعت أذناه وشفتيه بتهمة التجسس - وذلك بسبب أن قانون العفو العام يحول دون ذلك.
هناك أيضاً الحصانة السيادية التي يمنحها الزعماء لأنفسهم والدية ولجان الحقيقة والمصالحة رغم إن بعضها قد يعين - لا يحجب العدالة الجنائية أمام المحاكم.
كنت قد أشرت الى قول المسرحي وولي شوينكا "عبء الذاكرة ووحي الغفران" من أن المجتمعات أمام معضلة: كيف يتعين عليها الرد على الفظائع المرتكبة في العمل العام. هل علينا مثلاً تصور بول بوت وقد تاب واستغفر الله يمشي في الطرقات مثل أي رجل آخر وقد فك أسره غفران أولئك الذين لم يتمكن من قتلهم ؟
وتساءل افريقي آخر هو بروفسور تشارلز مانغا فومباد في مقالة له عن تجربة لجان الحقيقة: " كيف تتعامل مع ناس حكموا يومياً عن طريق العنف والإرهاب والإبتزاز والتخويف والفرقة؟ كيف يتسنى لنا إستعادة الثقة والإزدهار الإقتصادي والإستقرار السياسي والعلاقات الإجتماعية الودية؟"
وهناك حالات تكون فيها لجنة الحقيقة والمصالحة امتداداً طبيعياً "لمبدأ العدالة التصحيحية التي كانت اطاراً للاتفاقية السياسية التي جعلت ممكناً الإنتقال السلمي الى حكم الأغلبية"
هناك مشاكل شتى تكتنف المحاكات الجنائية في سياق العدالة الإنتقالية: لدى سؤال الفرد سابا، وهو نائب عام سابق في أوغندا عن سبب احالة لجنة الحقيقة والمصالحة قضايا محدودة فقط الى المحكمة فقال إنه بين عامي 1991 و1995 وصلته من الشرطة ثلث القضايا التي وصلتها ولكن لم يتمكن من الحصول على شهود لهم رغبة في الإدلاء بالشهادة أو إن الخصوم يتصالحون أو يموتون أو يختفون أو ببساطة لا يرغبون في التعاون مع المحكمة..
وعزى مستشار رئاسي أوغندي في حقوق الإنسان أسمه جورج كانيهامبا صعوبة البرهان على التهم في تلك القضايا أمام المحكمة إلى أن الشهود يحسون بالخوف مما يجعلهم يخشون الإدلاء بشهاداتهم. هناك خوف حقيقي في يوغندا من الشهادة شخص ما أمام المحكمة خوفاً من انتقامه. اللجنة ذاتها عرفت شهوداً سحبوا شهاداتهم بعد الآدلاء بها.
وعلق أكاديمي أوغندي على ذلك بقوله إن الأمر انعكاس لمشكلات عدة بينها البنيوي التحتي والسياسي والنفساني وهذا نموذج لمشكلات تواجه النظام القضائي المعطوب.
وقد عزى د. أمين مكي مدني "عدم التعرض لمواضيع المساءلة والعقاب في ما قبل 89 الى أن الفترة الزمنية تطول الى ما يفوق الثلاثين عاماً قضى فيها من قضى من المسؤولين عن الإنتهاكات ومن الشهود والضحايا واندثر منها ما اندثر من بينات ومعالم ووثائق بصورة يصعب معها تحديد مسؤولين بعينهم للمطالبة بمحاكمتهم أو معرفة ضحايا بعينهم يستحقون التعويض (.....) يضاف الى ذلك عنصر آخر يختلف حوله الكثيرون هو المساومات السياسية التي حدثت بوجه خاص عقب الإطاحة بالنظم العسكرية ورفع شعارات: عفا الله عما سلف".
للقاريء مقارنة هذا الحال بما تبين في محاكمة ماريام منغستو غيابياً كما يروي وولي شوينكا: "النموذج الأثيوبي بليغ مبين على نحو يبعث الى القشعريرة فمحاكمة منغستو غيابياً تفتقر بطبيعة الحال الى المعادل العلاجي لمثوله. قفص الإتهام اكتظ بكبار شركائه في القتل الجماعي. إن الشهادات الواردة من اثيوبيا تفتح فصلاً فريداً في إجرامية الدولة، على النطاق الإفريقي على الأقل. لم يحدث للقتل الجماعي قط أن يحظى بمثل هذا الحذق الديواني: السجلات تكشف دقة حذافيرية نادرة في مضمار الإضطراب العقلي التنفيذي. على عكس عشوائية وجزافية إيدي أمين أو موبوتو مثلاً ... كل شيء مسجل: الساعة ووسيلة النقل وكيفية التخلص من الضحايا ورمي رفاتهم. يتم كذلك تسجيل تفاصيل تعذيبهم وإجراءآت الإنتقام من زملائهم أو أقربائهم الذين ابدوا تعاطفاً معهم أو عبروا عن مشاركتهم في الفقد.
نحن نقر أن حتى نشر أو إذاعة مثل هذه السجلات الكالحة المغمة يعود بشيء من العزاء يستصحب الشمر بالمعاناة الماضية ولكن ذلك لن ينهض تعويضاً للإحساس بختام تجربة الفقد أو يبعث اليها أو تعويضاً للحظة التنفيس التي لا تتم إلا بحضور المتهم"
هناك بلدان منحت فيها الحكومات نفسها حصانة، امر واقع وفي بلدان اخرى أصر العسكر على عفو مصمم لفرض حالة نسيان تام بشأن جرائمهم.
لاحظت بروفسور ديانا اورنتليشير في دراسة لها حول وجوب محاكمة الأنظمة السابقة بتهم انتهاكات حقوق الإنسان في مجلة " ييل لو جورنال" ان هناك حالات عديدة تكون الأنظمة السابقة بقوات أمنها المسؤولة عن أفظع تلك الإنتهاكات ممسكة بنصيب هائل من السلطة والنفوذ ولا تتحرج من الجهر بأنها ليست مستعدة لقبول اية محاسبة قانونية. وتذكر بروفسور ديانا أن الجنرال بينوشيه الذي انقلب على حكومة سيلفادور اليندي المنتخبة عام 73 حتى عام 90 وارتكب فظائع بالغة ضد الحقوق الأساسية في تشيلي قال وهو يسلم الحكم الى رئيس منتخب في العام 1989: " أياكم أن تلمسوا ناسي بسوء . لا أحد يمس ناسي. اليوم الذي يحدث فيه ذلك ينتهي حكم القانون"
ثمة عقبات عديدة تقف في طريق العدالة الإنتقالية الجنائية:
هناك من يقولون إن مواجهة الماضي عمل سياسي وفي غياب الأساس الديموقراطي المتين فان الجهود غير الرشيدة في التعامل مع الماضي قد تعود بضرر يفوق ما تحمله من نفع كما يفرز طموحات مغالى فيها بشأن الإنتصاف.
هناك خوف من عدم مقدرة الديموقراطيات الهشة مواجهة الآثارالمهددة للإستقرار التي تعود بها المحاكمات السياسية كاملة الدسم كما ان الخارجين لتوهم من الأنظمة الديكتاتورية مستقطبون ويعوزهم الإحساس بالإستقرار.
لعل ابرزها هي وضع العدالة بديلاً للسلام. تلك النظرة وجدت حجة في اثر اولى مذكرات محكمة الجنايات الدولية ضد قادة جيش الرب في شمال اوغندا وكيف انها أعادت الروح للسجالات العنيفة التي سادت في الثمانينيات والتسعينيات: السلام أم العدالة × العفة أم الحصانة. ولكنني أقف في صف من يعتقدون أن أي سلام يتم على حساب العدالة هو سلام غير مستدام وهو سلام مترهل بالإحتقان من كل جانب

4- اسلوب انتقال السلطة يقرر أبعاد العدالة
نظام بينوشية الدموي لم يسقط بانتفاضة ولا بسبب انقلاب عسكري.
كان قد قاد إنقلابباً عسكرياً في سبتمبر العام 1973 ضد اليندي المنتخب ديموقراطياً وأفضى الإنقلاب الى 17 عاماً من ديكتاتورية بينوشية. نحو 1200 مواطن تم قتلهم أو مواراتهم. عشرات الألوف جرى اعتقالهم وتعذيبهم فيما تم تهجير مئات الألوف من مواطني تشيلي.
الهيئة القضائية ظلت على حالها ولكنها لم تحاول تحدي بينوشيه. بينوشيه كان يتنازل عن سلطاته ولكنه يظل ممسكاً بها في آن ظل يمرحل تنازله عن السلطة بحيث يبقى هو ويبقى نظامه آمناً من المحاسبة. في عام 1978 أعلن بينوشيه عفواً عاماً شمل معظم الجرائم المرتكبة ووفقاً لدستور قام بتقديمه لاستفتاء عام 1981 اصبح له أن يبقى رئيساً للجمهورية بسلطات إضافية لثماني سنوات أخرى.
وفي اكتوبر العام 88 تقدم باستفتاء حول حقه في الترشح لدورة ثماني سنوات اخرى خسره بينوشيه بنسية 56% افضى ذلك الى انتخابات رئاسة في مارس العام 90 فاز فيه باتريكيو ايلوين برئاسة الجمهورية. أما بينوشية فقد ظل عملاً بالدستور قائداً أعلى للقوات المسلحة حتى العام 98 بعدها يظل عضواً مدى الحياة في الكونغرس وكان وجوده قائداً عاماً للقوات المسلحة تعويقاً يبلغ درجة الحصانة للعسكر وقوات الأمن من المساءلة حول انتهاكات حقوق الإنسان، كما كان من شأن العفو السياسي العام الذي فرضه بينوشيه في العام 1978 أن شل يد الرئيس الجديد عن التدخل ضد الإنتهاكات.
حين تم اعتقاله في لندن العام 1998 بعد طلب اسباني بابعاده الى اسبانيا لمحاكمته بتهمة القيام بتعذيب مواطنين اسبان في تشيلي خلال حكمه حاول إثارة العفو العام الذي فرضه هو في العام 1978
ولكن مجلس اللوردات رفض ذلك الدفع وبقي بينوشيه في الحبس في لندن لعام وبعض عام قبل ان تطلق المحكمة سراحه لأسباب صحية.
عاد فتم تعديل دستوري يمنحه كنائب رئيس حصانة ومعاشاً راتباً بشرط تنازله عن العضوية مدى الحياة
كان اعتقال بينوشية الرئيس السابق عام 1998 بمذكرة اعتقال اسبانية أول تطبيق لمبدأ الولاية القضائية العالمية ذلك المبدأ الذي يقول ان هناك جرائم من الفظاعة الى حد يتيح الحق لأي دولة المحاكمة بشأنها بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة. كان المزعوم ان بينوشيه ارتكب جرائم مختلفة ضد الإنسانية (تعذيب اختطافات وقتل) هو مسؤول عنها شخصياَ.
في أكتوبر العام 1998 كان بينوشيه في بريطانيا يتلقى العلاج. في اكتوبر ونوفمبر اصدرت سلطات اسبانيا القضائية مذكرة اعتقال دولية لإبعاده الى اسبانيا ليواجه المحاكمة بصدد تلك التهم.. المحاكم الإسبانية قالت إن لديها ولاية قضائية لمحاكمته، والإبعاد للمحاكمة في بلد آخر منصوص عليه في قانون الإبعاد للمحاكمة في بلد أجنبي للعام 1989 ويحدد القنون القضايا التي يجوز مثل ذلك الإبعاد فيها وأهمها أن يمثل السلوك أو الفعل موضوع الشكوى جريمة بمقتضى قانون البلدين وتسمى هذه قاعدة الجريمة المزدوجة.
كان لبينوشيه وزوجته حساب في بنك بريطاني اسمه ريغز بنك بلغ 10 ملايين دولار تلقاها من شركات سلاح وغيرها. في وقت لاحق من ذلك التاريخ تم تجريده من الحصانة ضد المحاكمات الجنائية التي تمتع بها باعتباره رئيساً سابقاً وصدر الأمر بأن يواجه المحاكمة بشأن اتهامات محددة بانتهاكات حقوق الإنسان في تشيلي، وتم اسقاط تلك التهم في العام 2002 بعد ان وجدته المحكمة العليا غير قادر عقلياً على المساءلة، ومات العام التالي بلا محاكمة.
بعد 8 اسابيع من انتخابه رئيساً للجمهورية عين الرئيس باتريكيو ايلوين لجنة وطنية للحقيقة من 8 أعضاء نصفهم من الموالين لبينوشيه. وهكذا ظل بينوشية بتخليه الممرحل عبر السنين من السلطة يتحكم في درجة العدالة الإنتقالية حتى بعد موته.
الإنتقال الديمقراطي لأسبانيا لم يكن عبر انتفاضة أو انقلاب عسكري. فرانكو الذي ابكى أدولف هيتلر بالدمع السخين لم يسقط ولم يهزمه الخصوم. أحدث الإنتقال الديمقراطي عبر الإصلاح الذاتي للنظام: في العام 1947 خطط للحياة السياسية في اسبانيا عقب وفاته فأعلن البلاد دولة ملكية وعين نفسه وصياً على العرش وفي العام 1969 عين الأمير جوان كارلوس -32 عاماً- باعتباره وريثه الرسمي بعد وفاته. أستقال فرانكو من رئاسة الوزارة في العام 1973 ولكنه احتفظ لنفسه بمهام رأس الدولة وكقائد أعلى للقوات المسلحة وكزعيم لحركته السياسية. تدهورت صحته خلال الستينيات ولكنه ظل يؤكد أنه ترك شؤون البلاد في أيدي أمينة وأن الأمير كارلوس سيصون أسس حكمه.
مات في نوفمبر 1975- فقام الأمير كارلوس بتفكيك ما تبقى من نظام فرانكو .. نتيجة ذلك الإنتقال الفريد للسلطة أن اسبانيا اعتمدت سياسة تقول: "ننسى كي نمضي قدماً" عوضاً عن المحاكمات الجنائية ولجان الحقيقة والمصالحة اعتمدت اسبانيا سياسة التناسي وقالت إن الذي فات شبع موتاً فأصدرت قانون عفو سياسي عام وشامل يجعل في حكم المستحيل تقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الى المحاكمة.
إن عهد التناسي الذي انعقد بين الأحزاب السياسية هو اتفاق غير رسمي جعل التعامل مع تركة العنف البشع خلال الحرب الأهلية (1936 -1939) أمراً غير ضروري قط ولا يجد أدنى ترحاب. أتفقت الأحزاب على ألا تكون هناك محاسبة بشأن عشرات الألوف الذين قتلوا خلال الحرب الأهلية أو الذين تم إعدامهم أو تهجيرهم أو تعذيبهم في السجون أو ارسالهم الى معسكرات السخرة حتى بعد نهاية الحرب لدفاعهم عن الديمقراطية في وجه فاشية فرانكو.
والى ذلك، فهناك مقاومة من السياسيين والناخبين للعودة الى الماضي خشية أن يتكرر ذلك الماضي أو يعود.
في العام 1975 ذاته كتب زعيم الحزب الشيوعي الإسباني، سانتياغو كاريلو : "في اسبانيا هناك سبيل وحيد الى بلوغ الديمقراطية وهو نسيان الماضي"
إن اسبانيا هي استثناء للقاعدة التي تقول إن العدالة الإنتقالية هي السبيل الوحيد الى الأمام.
إن المفاوضات كسبيل لانتقال السلطة في السودان هي ما يحدد ابعاد العدالة الإنتقالية التي تنتظر السودان.
ومهما كان الأمر فعندنا لا عفا الله عما سلف والذي يفوت لا يموت

5- الجريمة والعقاب
اختم حيث بدأت :
في رواية فيدور ديستوفيسكي التي تحمل هذا الإسم، رودين رومانوفيتش راسكولينموف ، طالب القانون السابق - 23 عاماً - يسرق فأساً ويتجه الى بيت مرابية مسنة فيقتلها ويقتل اختها لأبيها والتي جاءت لزيارتها. في غمرة اضطرابه لا يسرق سوى التافه القليل. يظل مسكوناً بالذنب والخزي.
سونيا العاهرة، بحكم الضرورة، هي اول من يعترف لها بجريمته. في عارها كان يرى عاره الشخصي. كان يحسب أنه قام بعمل جليل حين قتل المربية المسنة واختها لأبيها كما انه كان يؤمن بأن ما يحظى به من منعة ثقافية وعاطفية يمكنه من احتمال عواقب جريمته. عبر سند سونيا العاطفي وحبها له يبلغ بذاته منزلة التوبة والغفران.
وإذا كان بين القتلة من يظن أن درس الرواية هو أن طريق التوبة والغفران والمصالحة الروحية يمر - ضربة لازب بوضع اليد على إحدى العاهرات فإن بوسع القاريء أن يعيد الى ذهنه أنه - بعد ان قام الإسلاميون أمثاله بسودنة البغاء، على قول شاعرنا الفقيد محمد المهدي المجذوب فإن البلاد ليس فيها من أعدادهن ما يكفي أعداد القتلة. فاذا كان بعضهم يرى أن واحدة تفي بالغرض بحكم المهنة فان هناك آخرين من بينهم على يقين في أن المرأة - خارج المحارم بالطبع - ما هي الإ مشروع زانية او عاهرة -أي انها زانية أو عاهرة مع ايقاف التنفيذ. القتلة ! الجبناء القتلة !
بروكسل – 14 يونية 2019