عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1 – مقدمة ووجيز
2 – توطين العدالة االإنتقالية
3 – الحقيقة والمصالحة على طريقة ديسموند تيتو
4 - السودان وعمليات العدالة الإنتقالية
5- من أين لك هذا بالإنكليزي؟
6 - الجريمة والجريمة

 

1 - مقدمة ووجيز
أنوي أن أشير هنا الى مفهوم توطين العدالة الإنتقالية بتركيز خاص على صيغة "الحقيقة والمصالحة" ونموذجها الجنوب الإقريقي وكيف أنها قد لا تناسب سودان هذا الزمان. الصعوبة الجوهرية هنا ، كما يلاحظ القاريء تتمثل في انك في حاجة الى انتقال لكي تواجه تحديات العدالة الإنتقالية. على أنه كان لازماً طرح بعض جوانب العدالة الإنتقالية من جهة القصاص والإقتصاص المالي ضد لصوص المؤتمر الوطني القتلة – ذلك أن لصوص الحق العام هم قتلة مع سبق الإصرار.
إذا كان علي بن أبي طالب يقول : لو كان الفقر رجلاً لقتلته ." ماذا تراه فاعلاً بصناع الفقر المدقع ؟
كان ممكناً الحديث عن مصالحة سودانية قبل وقت مضى ولكن ليس الآن . ولسوف تمر اجيال وأجيال قبل أن تندمل الجراح.
مر حين من الدهر عشنا فيه شيئاً من الاحترام المتبادل إن لم أقل الود مع الإسلاميين. أتكلم أنا هنا عن الستينيات حيث كنت في جامعة الخرطوم. كان هدف إسقاط نظام 17 نوفمبر يجمعنا على رخاوة موقفهم كما كان التمثيل النسبي صيغة تسمح بالتعاون (خلال إقامة وجيزة في كوبر قبيل ثورة اكتوبر 64 كان طالباً إسلامياً مثل زكريا بشير يطلعني على رسائل ودية وخاصة كان يتلقاها هناك. لم يكن بها ما يشين قط. والحافظ الشيخ الزاكي دفع لي 25 قرشاً كانت يومها مبلغاً محترماً تبرعاً منه لمطبعة الميدان، صحيفة الحزب الشيوعي وتلقى مني الإيصال بالدفع. وخلال العام 78 وأنا في زيارة الى بورسودان جمعني الأساتذة الأعزاء صلاح ابو عصاية واسماعيل محمد علي والسر طمبل خلال جلسات أنس جميل في النادي العالمي مع المرحوم حسن محمد علي وكان وقتها هو الآخر يعمل في المصفاة. حكى لي تجارب شخصية له مع أحد قادة الإسلاميين وقتها والله على ما أقول شهيد، ولا أريد الخوض في ذلك الآن.
بعد قانون حل الحزب الشيوعي وحادثة الفنون الشعبية في جامعة الخرطوم ودورهم في قوانين سبتمبر وفي مقتل الأستاذ محمود ثم إنقلابهم العسكري في العام 89 وبعد الدور الذي لعبه عسكرهم وجنجويدهم في مقتل وفي إيذاء المئات من شباب الإعتصام وفي اغتصاب عشرات الفتيات فان إمكانية التعايش السياسي مع الكيزان تنتهي الى غير رجعة.
قبل نحو ربع قرن حضرت مؤتمراً أقامته جامعة واشنطون في ايطاليا حول خيارات المثقف العربي اللبرالي. كنت هناك مترجماً لمساهمات المشاركين أمثال الفقيد نصر حامد ابو زيد وجورج طرابيشي وحازم صاغية.
الفقيدة مي غصوب، الناشرة اللبنانية تساءلت: كيف نفسرالإغتصابات واسعة النطاق التي وقعت في البوسنة بينما لم تجر تلك العمليات البشعة طيلة خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية؟. أجاب كاتب فلسطيني من المختصين بالأمراض العصبية – لا اذكر اسمه، أن الإغتصاب يمثل خطاً احمر في ثقافتنا يستحيل بعده التعايش أو التساكن بين مجموعتي الجناة والضحايا.
أفهم وجاهة هذا التفسير. إذا كان من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاُ فإن من أغتصب إمرأة واحدة فالوزر لا يكون عليه وحده وإنما يحمله بالمثل كل من تستر عليه أو قام بحمايته. بذلك فإن مجلس العسكر والكيزان بجنجدويدهم يحتلون منزلة التواطوء إن لم نقل التحريض على ارتكاب المزيد.
أحسب أن السودان لن يعود مجتمعاً سوياً طالما كان الجنجويد ومن ورائهم لا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فحسب وإنما يحكمون البلاد أيضاً. كنت ذكرت ما قاله الشاعر والمسرحي العالمي وولي شوينكا من أنه "ربما تستدعي المعافاة والتئام الجراح إنتقاماً يتمثل في استئصال الورم السرطاني برمته"



في كتاب عن المرأة والصوت والعنف استشهدت الكاتبة "فقونا روس" بالمقطع التالي :
أنا لا أتكلم
كلماتي ضربت جذورها على لساني حتى ملأت فمي
هل تنمو كلماتي فتغدو شجرة أرويها يومياً بالصمت؟
وشباب القيادة المعتصمون كانوا ينشدون:
" الطلقة ما بتكتل بيكتل سكات الناس"



2 – توطين العدالة الإنتقالية
كان يكفي أن يقال إن هدف العدالة الإنتقالية هو إحقاق الحق. لو لا تحضرني ملاحظة الدكتور عبد الله الطيب أن إحقاق الحق عمل الأنبياء لا غمار الناس. حسناً، يمكن القول إذن أن أهداف العدالة الإنتقالية تتفاوت درجة أولوياتها وتراتبها رهناً بالسياق. الجوهر هو الإعتراف بكرامة الفرد والإقرار بوقوع الإنتهاكات وضرورة الإنتصاف بشأنها فضلاً عن العمل على عدم تكرارها. هناك أهداف تكميلية تتمثل في جعل سبيل النفاذ الى العدالة سالكاً ميسوراً للمستضعفين عقب الإنتهاكات واحترام حكم القانون وتيسير عمليات السلام ورعاية التسويات المستدامة للنزاعات ومبدأ المصالحة وبرامج التعويض والإسترداد وتأسيس قاعدة لتحري الأسباب الكامنة وراء النزاعات وغيرها.
تشهد العدالة الإنتقالية نقلة نحو المحلي: فالقانون العرفي المحلي وضروب العدالة المحلية الأخرى تجد اهتماماً متزايداً كمكملات للمحاكم ولجان الحقيقة.
وفي تقريره المقدم الى مجلس الأمن حول "حكم القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات النزاع وما يليه كتب كوفي عنان: "علينا تجنب اعتماد عيار واحد لشتى المقاسات واستيراد نماذج أجنبية عوضاً عن بناء سندنا على التقديرات والمشاركات والإحتياجات والتطلعات الوطنية".
لقد كانت لجان الحقيقة والمصالحة معروفة بعد الإنتقال الديمقراطي في بلاد مثل السلفادور وتشيكوسلوفاكيا وغواتيمالا وغيرها.
هناك 18 دولة إفريقية من بين 54 كونت لجنة حقيقة بصورة أو بأخرى وهي لجان غير قضائية وقد تسبق المحاكمة.
رواندا مثلاً ردت على العنف الجماهيري بنظام عدالة جماهيرية فأنشأت 11 الف محكمة "غاكاكا" ومعناها وسط الحشائش الوثيرة لمحاكمة مئات الألوف من المتهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية. ويقال إنه رغم نجاح تلك المحاكم في تحقيق بعض الإستردادات وفي استعادة رفات بعض الضحايا إلا أنها تحولت - في نظر البعض - من كيانات أهلية عفوية الى أجهزة حكومية وكيانات قسرية. وبهذا عجزت محاكم " الغاكاكا" عن تشجيع الإفصاح عن الحقيقة واعتماد المصالحة "فيما روجت لصيغة خطرة تمثلت في الإحساس الجمعي بالذنب. وعليه فإنه يقال إن الدرس المستفاد من تلك التجربة هو ضرورة التفريق بين المبادرات المنطلقة من القاعدة الى أعلى وتلك التي تفرضها الدولة من عل.
ويبدو لي أن عدد المحاكم الذي يفوق العشر آلاف محكمة يعني أن قضاتها لا يمكن إلا أن يكونوا من الجناة أو ذوي الجناة ، فبعد الإبادة الجماعية قد لا يسهل كثيراً وجود عدد هائل من ذوي الحيدة والتجرد بين الناجين من الإبادة.
غداة الإبادة الجماعية عام 1994 كان فوق المليون قد عانوا التقتيل والاغتصاب والتعذيب.
حكومة راوندا الوطنية عانت الكثير سعياً وراء تحقيق العدالة على ذلك النطاق، كما عانت قبل ذلك لإتاحة حبس إنساني للمتهمين ومحاكماتهم على نحو انساني.
بحلول 2000 كان 130000 من المتهمين بالضلوع في الإبادة الجماعية مودعين في سجون رواندا. ووفقاً لتسهيلات البلاد القضائية فإن على المتهمين انتظار 200 عام قبل المثول أمام المحكمة.
ولم يكن ممكناً للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا ان تتسع لهذا العدد الهائل من المتهمين
كانت هناك 12103 محكمة غاكاكا وبلغ عدد المتهمين نحو 850,000 ، خمسون الف من هؤلاء كانوا في عداد الموتى


______
في محاكم الغاكاكا ليس هناك افتراض براءة
- لا حق في: محام أو معرفة التهم الموجهة ضدك أو إتاحة وقت لتحضير القضية أو حضور المتهم المحاكمة أو مواجهة الشهود.
- لا حق في تفادي القانون المنافي لتجريم النفس
- لا حق ضد الخطر المزدوج
- لا حق ضد الاعتقال العشوائي
هناك :
- لجنة التوضيحات التاريخية في غواتيمالا (1997- 1999 )
- لجنة الحقيقة والمصالحة في بيرو(2001-2003)
- لجنة الاستقبال والحقيقة والمصالحة في تيمور (2002-2005 )
- لجنة الانصاف والمصالحة في المغرب ( 2004-2006 )
تجارب اخرى:
- اللجنة الوطنية للمختفين قسرياً في الآرجنتين (1983-1984 )
- اللجنة الوطنية للحقيقة والعدالة في تاهيتي (1995-1996)
- تشيلي: اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة (1990-1991 )



3 - الحقيقة والمصالحة على طريقة ديسموند تيتو
يستشهد بعض القائليبن بأن صيغة "الحقيقة والمصالحة " بديل كاف ان لم يكن خيراً من العقوبات الجنائية في بعض الأحيان بتجربة جنوب أفريقيا.
تأسست اللجنة على اثر مفاوضات التسوية بين عام 90 وانتخابات 94 وذلك في 95 عملاً بقانون ترقية الوحدة الوطنية والمصالحة الرقم 34 للعام 1995
وتكونت من 17 مفوضاً برئاسة ديسموند توتو في لجان فرعية ثلاث:
الأولى لجنة تحري انتهاكات حقوق الإنسان. خلال الفترة من 1960 و1994
الثانية لجنة التعويض وإعادة التأهيل لإستعادة كرامة الضحايا
الثالثة لجنة العفو
فقد قررت جنوب افريقيا في العام ١٩٩٥ التعامل مع انتهاكات نظام الفصل العنصري عبر لجنة للحقيقة أصبحت نقطة مميزة في مفهوم وفي أدبيات العدالة الانتقالية. إن لجنة جنوب افريقيا للحقيقة والمصالحة TRC كانت لها سلطة منح العفو عن الجرائم السياسية اذا اعترف الجاني بإفصاح تام علني عن الوقائع وإذا قام بتعويض الضحية بذلك فقد أخلت هذه الممارسة بنماذج عدة من نماذج العدالة الانتقالية. فهذه الصيغة - أولاً - تحدت الحكمة السائرة القائلة ان العفو يطمر بالضرورة الحقيقة في ما يتصل بالماضي. ثانياً جعل المحاكمة الجنائية ادنى مرتبة من لجنة الحقيقة التي يشهد فيها الجناة علناً بشان جرائمهم ويكون للضحايا فرصة مواجهتهم.
ورغم هالة القداسة التي أحيطت بها تلك التجربة باعتبارها جديرة بنبل بطل مثل نيلسون مانديلا وشخصية دينية مرموقة مثل ديسموند تيتو إلا أن تلك الصيغة كانت مطلوبة استراتيجياً كنتيجة للصفقة السياسية بين المؤتمر الوطني الافريقي ونظام الفصل العنصري التي جعلت الإنتقال الى حكم الأغلبية ممكناً. أي أن قبول الأقلية البيضاء لحكم الأغلبية لم يكن ممكناً لولا تلك الصيغة التي تفتح باب العفو مشرعاً شريطة الإفصاح عن الحقيقة وان تكون الجناية المعنية جناية سياسية.
إن نموذج جنوب أفريقيا تأكيد آخر على ما ذهبنا اليه من العلاقة بين سبيل انتقال السلطة ودرجة العدالة الإنتقالية كما اسلفنا في حالة تشيلي واسبانيا.
يستشهد البعض بتجربة جنوب إفريقيا للقول بأن صيغة "الحقيقة والمصالحة" بديل كاف للعقوبات الجنائية، ان لم تكن خيراً منها ولكن هناك دوائر لها نظرة تختلف. في العام 1998 قدمت اللجنة تقريرها الى نيلسون مانديلا.
نظرالبرلمان رسمياً في التقرير بعد عدة أشهر فصرح أمبيكي، نائب رئيس الجمهورية بصفته رئيساً للمؤتمر الوطني الإفريقي بأن " المؤتمر لديه تحفظات ذات بال على أعمال لجنة الحقيقة وعلى تقريرها وبخاصة فانه في خلاصته يجرد من الشرعية جزءاً هاماً من كفاح شعبنا من أجل ذلك التحرر أو إنه يجرّم ذلك الكفاح."
وبعد أيام من المداولات والتعليقات لم تلزم الحكومة نفسها بتنفيذ أية توصية من توصيات اللجنة العديدة.
كاتب اسمه جريمي ساركين لاحظ أن جلسات طلب العفو شملت 2548 واستلزمت 1888 يوماً في 276 محفلاً في أنحاء البلاد وتم خلالها الإنتفاع من خدمات 1538 مترجماً عملوا طيلة 11680 ساعة.
وحتى بعد صدور تقرير اللجنة في العام 1998 واصلت لجنة العفو جلسات سماعها لعامين ونصف عام واختتمت أعمالها في العام 2001 .
معظم الجرائم لم يتم الابلاغ عنها والى ذلك فإن اللجنة متهمة بالعجز عن التناول اللازم للعنف البنيوي الراتب الذي ارتكبه نظام التفرقة العنصرية. وبينما ينعم الذين فازوا بالعفو بنعم الحياة ومباهجها مرتاحي الضمير فان الضحايا ما خرجوا إلا بتعويضات متواضعة بخسة.
انتقاد آخر تم توجيهه الى التجربة هي أنها عجزت عن التناول الكافي للطبيعة الممعنة في العنصرية للنظام وكيف أن آثار تلك العنصرية ما زالت تشكل حياة معظم السود وتقرر نفاذهم الى الموارد واتخاذ القرار.
أنصار تلك الصيغة في جنوب افريقيا يدافعون عنها باعتبارها آلية مفضلة للعدالة الانتقالية على أساس انها تتسق مع القيم الثقافية التي تضع الانسجام الاجتماعي والمصالحة في منزلة اعلى من الانتقام.
وهكذا فان لجنة الحقيقة والمصالحة هي امتداد طبيعي لمبدأ العدالة التصحيحية التي كانت اطاراً للاتفاقية السياسية التي جعلت ممكناٌ الانتقال السلمي الى حكم الأغلبية
- ولقد وضع ديسموند توتو اساساً روحياً للمفهوم رغم انه وليد البراغماتية السياسية وحدها حين كتب: إن المسيح جاء لبناء الود بين الرب والبشر وبين البشر والبشر وبين البشر وبقية المخلوقات.
- ووفقاً للاهوت المصالحة هذا تعين على اللجنة الإستماع الى الضحايا والى الجناة معاً
وفي مناشدة منه صوب التسامح والمصالحة كتب: "دعونا نغلق الباب في وجه الماضي – لا لكي ننسى ولكن كي لا نسمح للماضي أن يعتقلنا ويلقي علينا الأسر دعونا ننطلق الى المستقبل المشرق لمجتمع جديد يكون فيه الناس في الحسبان لا بسبب الترهات البيولوجية او الإعتبارات العرضية ولكن لأنهم أناس قيمتهم بلا حدود لأنهم مخلوقون على صورة الرب " كان ديسموند توتو قد سأل الرب في عز أيام كابوس التفرقة العنصرية: قل لي يا رب في صف من أنت؟ Whose side are you on, God?
ولا أحسب أن حتى ديسموند توتو نفسه يدرك الآن في صف من كان الرب خلال إجراءات الحقيقة والمصالحة.
الانتقادات الموجهة الى اللجنة هي انها لم تستخدم الصلاحيات القوية الممنوحة لها و انها مالت الى المصالحة على حساب الوقوف على الحقائق. ولم تطبق صلاحياتها حول الاستدعاءات والتفتيش ضد شخصيات مرموقة بعينها والحجز الا في نطاق ضيق جداً، بين تلك الأطراف قوات دفاع جنوب افريقيا والمؤتمر الوطني الأفريقي للتمرد او رفض تقديم البيانات.
منظمات حقوق الانسان تنتقد اللجنة لعجزها عن استدعاء وزير الشؤون المحلية ورئيس حزب تحرير إنكاثا مانغوسوذو بوثوليزي خوفاً من ردود الفعل العنيفة
- منح العفو الشخصي عن الجرائم السياسية المرتكبة بين عامي ٦٠ و٩٤ ، اثار الكثير من اللغط: 7115 طلب عفو عن انتهاكات فظيعة لحقوق الانسان (مقارنة بالجرائم المدفوعة سياسياً ضد الأموال والممتلكات وتهريب الأسلحة مثلاً) - 4500 منهم تم رفض طلبهم لانعدام الهدف السياسي
قتلة ستيف بيكو لم يجدوا العفو لأنهم زعموا ان موته كان مصادفة
منح العفو بالجملة ل ٣٧ من قادة الموتمر الأفريقي الوطني تقدموا بطلب العفو جماعةً من دون تفاصيل تذكر عن اية وقائع. بدا واضحاً ان الأمر يتصل بانتهاكات فظيعة لحقوق الانسان.
اللجنة نظرت في الطلب سراً بلا جلسة سماع علنية كما انها لم تطلب بينات اضافية من طالبي العفو الجماعي.
اصدرت اللجنة الحكم بالعفو عنهم جميعاً ولكن المحكمة الكبرى رأت في الحكم خرقاً لقانون اللجنة فألغت الحكم.
ثم ان هناك تهاوناً حول معنى الإفصاح التام
هناك وثائق عديدة مزقها النظام العنصري
1167 حازوا على العفو من اللجنة
145 حازوا على عفو جزئي
لجنة الحقيقة كانت أولى اللجان التي وجدت صلاحياتها وأحكامها التحدي امام المحاكم
تم توجيه الاتهام ضد الرئيس السابق بوثا بعد ان رفض الاستجابة لاستدعاء المحكمة له. تحولت محاكمته الى فرصة اتاحت للجنة كشف بيناتها الهائلة ضده بينها معرفته المسبقة او موافقته على جرائم راتبة ارتكبتها الدولة. بفضل هذا الفيضان من البينات انحسر التأييد لبوثا كما تقلصت شعبيته. ادانته اللجنة وحكمت عليه بغرامة تبلغ ألفي دولار وسنة سجن، مع ايقاف التنفيذ. لدى الإستئاف الغي الحكم بالنظر الى مسألة اجرائية فنية.
فيما استمرت عملية العفو لعدة سنوات اصدرت اللجنة اول خمسة مجلدات من تقريرها النهائي عام 1998 فأثار ضجة حتى قبيل صدوره: الرئيس السابق دي كليرك نجح في طلبه لمنع اللجنة من كشف اسمه في التقرير.
ثم ان الموتمر الأفريقي الوطني لم يكن راضياً عن نتائج التقرير حول أعماله الماضية فحاول ايقاف صدور التقرير برمته عن طريق المحكمة قبيل ساعات من صدوره. حكمت المحكمة لصالح اللجنة.
وخلال هذه الفترة عملت اللجنة لتدقيق قائمة اعداد الضحايا المستحقين لتلقي تعويضات ولوضع برنامج تعويضات أولية. اما المجلدين السادس والسابع من تقرير اللجنة فقد اكتمل في مارس العام 2002 وصدر في العام 2003 بعد اكثر من ست سنوات من بداية عمل اللجنة.
عدم الالتزام السياسي بالقيام بالاصلاحات والتعويضات المقترحة تأكد في السنوات اللاحقة.
كما تأكد أيضاً ان التعامل مع عشرات السنين من الانتهاكات يقتضي اطول من عدة سنوات وأكثر من مجرد الجهر بالحقيقة.
لذلك فان مشكلة الاختيار الجنوبي الأفريقي في نظر كاتب مثل وولي شوينكا هي " استبعاده الضمني المستبطن للاجرامية وبالتالي للتبعة والمسؤولية. ان العدالة تخول المسؤولية والتبعة وقليلون فقط هم من ينكرون ان العدالة مكون هام من مكونات التلاحم الاجتماعي. لقد أبنت من قبل ان "العدالة تمثل اول شروط الانسانية". وكما ان العدالة لا تقوم بمعاقبة المتهم قبل إثبات جرمه، فان العدالة لا تقوم بفك سراح المذنب من دون دليل الى الأسباب المخففة او ابراء الذمة.
أيمكن القول إن ما وراء ذلك هو تطبيق لوصية اللاهوت المسيحي القائلة "الحقيقة سوف تحررك" ام نبحث عن الإجابة لهذا الدرس العجيب في زماننا في النزعة الانسانية التي عزاها شعراؤنا و سياسيونا في لحظات النشوة بالعنصر او المباهاة امام الغرب عن فرادة ان يكون احدنا افريقياً. شعراء وسياسيون من عيار ليوبولد سينغور سيؤيدون، دون ريب، هذه الاريحية السوداء. اذا كانت حكومة نلسون مانديلا كانت تسعى الى تبرئة الذمة امام شعراء افريقيا باعتمادها خيار "الحقيقة والمصالحة" وسوف يزوده شعر سينغور بما يكفي بدعوته الى فلسفة الغفران الاجمالي.
ان افريقيا الخاصة بوحي سينغور يكاد يتعذر التعرف عليها وسط حقائق الحياة المحيطة بنا اليوم.
هل هناك من جدوى في منهج جنوب أفريقي آخر الامر؟
ويتساءل شوينكا: هل سيتطور المجتمع حقاً نتيجة هذا الإفصاح العلني بالمعلوم.؟ وكان قد لاحظ اللافتة على مبنى المفوضية : "الإفصاح يضمد الجراح"
ويضيف شوينكا: " فحتى حين نتكلم عن "الكشف المبين" فهو كشف عن تفاصيل محددة، إلحاق الوجوه بالافعال، اعتراف من أشخاص بأدوار في ساحات اجرام معلومة، وتأكيدات من المتعارف عليهم سابقاً لما كانوا قد انكروه. ليس هناك في الواقع من جديد. الفرق الوحيد هو ان المعرفة يتم اقتسامها بصفة جمعية بحيث تدخل رسمياً في محفوظات الأمة الأرشيفية."
ويعود شوينكا الى التساؤل :" هل هذا الإفصاح الإجرائي عن المعلوم قادر حقاً على مداواة المجتمع فتندمل جراحه؟ هل سيحقق المصالحة التي كانت هدف مبتدري هذه العملية البطولية؟
فحتى نحن المعترفين بلا قديسيتنا والذين ننأى بانفسنا عن القيم المسيحية او البوذية نعترف بان الغفران قيمة اثقل وطأة انسانياً من الانتقام. وعليه فهل يصالح هذا الجهد القبائل المتحاربة في ذلك المجتمع؟ أميل الى الإجابة بالنفي. هناك مكون غائب في هذه البوتقة الانسجامية وهذا المكون مادي وأخلاقي في الوقت ذاته، الندم المفضي الى التوبة. ولكن هل ما تم أبداؤه من ندم حقيقي ؟. من المستحيل التيقن".
وخلص شوينكا الى أن تقارير الخبراء من مختلف المشارب والميول السياسية والعرقية كشفت أنه ليس هناك من الندم إلا القليل في مجالس الإعترافات العلنية تلك. لم يبد أي إحساس بتحول حقيقي بين المشاركين في تلك الدراما غير المسبوقة "
ويختم شوينكا :
الرد على السؤال الغائب عندي هو:
"نعم تحت الظروف هذه ذاتها سأقوم بتلك الأفعال مرة اخرى"
لقد دامت تجربة ديسموند تيتو في الحقيقة من عام 1996 الى - 98



4 - السودان وعمليات العدالة الإنتقالية
دكتور لوتز – استاذ القانون وصديق السودان حرر كتابأ في العام 2011 عنوانه "العدالة الإنتقالية وإصلاح القانون الجنائي في السودان" ولكن الكتاب الذي حوى أكثر من عشر مقالات في إصلاح القانون الجنائي كتب معظمها قانونيون سودانيون حول إصلاح القانون الجنائي أشار الى العدالة الإنتقالية عرضاً في المقدمة وفي فصل واحد كتبه د. لوتز دون أن تكون له فرصة عرض المسألة من جهة رفض مفهوم الحصانة أو تأكيد ضرورة القصاص والإقتصاص. ولعل ذلك يعود الى أن إنتقال السلطة الذي حدث بعد نيفاشا تمثل في اقتسام للسلطة يسدل الستار تماماً على الماضي. كما قد يعود الى أن الكتاب مدعوم من وزارة الخارجية البريطانية ومن وزارة التنمية الدولية البريطانية في وقت كانت السياسة البريطانية نحو السودان تتجه نحو التعاطي مع نظام البشير لا أكثر.
وهناك ايضاً ورقة يوهانس اكول امام مؤتمر كمبالا في فبراير 1999 وعنوانها انتهاكات حقوق الإنسان والعدالة في الفترة الإنتقالية. لم اعثر على الورقةعلى أنني اعتقد أن موضوعها هو العدالة خلال المرحلة الإنتقالية لا حسب تركة الماضي بعد الإنتقال.
كنت ذكرت إن العدالة الإنتقالية وتحديداً مسألة المحاسبة والحصانة هي النص المضمر والمسكوت عنه خلال المفاوضات بين العسكر وممثلي ثورتنا.
وقد تصدر دعوات لإستيراد تلك الصيغة من جنوب إفريقيا بلا عمق لاهوتي ولكن بنظرية "الإضينة دقو وإتعضر ليهو" (واعترف أن هذه النظرية تعتبر عرضاً أريحياً من نظام الكيزان الذي درج على دق المواطن ومطالبته للمواطن بأن يتعضر)
كما كنت أشرت الى أننا في حاجة الى أن نكون في حالة انتقال أي بعد نقل سلطة كي يكون عندنا كلام ذو معنى عن العدالة الإنتقالية
على أي حال فان الكيزان بعسكرهم وجنجويدهم إذا قابلتهم الحقيقة في وضح النهار تمشي على قدمين ومكتوب في جبينها: (أنا الحقيقة والله العظيم) لطرقوا درباً آخر قائلين "ليس هذا هو السبيل"
لعلني أسهبت في هجاء تجربة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا . لا اريد لها مقام القداسة ولكن إذا قام نظام العسكر الجنجويدي بتبنيها فأنه سوف يمتهن هذا المفهوم بلا حدود.
ينص القانون الجنائي السوداني على معاقبة: الجرائم ضد الانسانية (المادة 186) وجرائم الإبادة الجماعية وعقوباتها الإعدام اوالسجن المؤبد (المادة 187) وجرائم الحرب المواد من 188 الى 192.
جميع هذه الجرائم ارتكبها نظام الترابي - البشير بلا هوادة ويتأسى به في هذا الصدد مجلس العسكر الجنجويدي .
جرائم نظام البشير واضحة ومعلومة: الإنقلاب على الديموقراطية وخرق الدستور عام 89 تم توثيقه بمباهاة في اصدارات العسكريين والمدنيين من الكيزان . هناك سابقة في محاكمات نوريمبيرغ قبلت فيها المحكمة بينات وردت في يوميات نشرها طرف ثالث. بعض الإنتهازيين من الكيزان الذين أدعوا مواقف بطولية في ذلك الإنقلاب الدنيء سوف يعضون أصابع الندم وقت الحساب (سيحاولون عض اصابع آخرين ليندموا نيابة عنهم). الجبناء.
علمت أن السودان لم يوقع على البروتوكول الثاني لسنة 77 الملحق باتفاقيات جنيف الأربع كما لم يوقع على اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية
السودان وقع في 4 يونيه 1986 على اتفاقية مناهضة التعذيب ولكنه لم يقم بالتصديق عليها
امتحان عسير ينتظر عسكر السودان: فقد طالبت المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، السيدة فاتو بنسودا حكام السودان الجدد بتقديم عمر البشير والزمرة التي تتهمها محكمة الجنايات الدولية بجرائم دارفور الى المحاكمة.

هناك ثلاثة عمليات عدالة انتقالية استخدامها نظام البشير في محاولة للتظاهر بالتعامل مع عدة مشاكل سياسية واجهت السودان منذ الاستقلال :
مكتب ادعاء مختص للجرائم ضد الانسانية ومحكمة جنائية خاصة حول الأحداث في دارفور ثم المحكمة الجنائية
مكتب الادعاء: تم إنشاؤه ليبدأ العمليات في سبتمبر 2005 وله ولاية قضائية بشأن قضايا الجرائم ضد الانسانية المرتكبة في اي مكان في السودان ومقرها الخرطوم. وليس معروفاً سوى القليل عنها وعن المكتب والقضايا التي نظرها
والمحكمة الجنائية الخاصة: حول احداث دارفور كونتها الحكومة بموجب مرسوم تم التوقيع عليه ونشره بعد يوم واحد من فتح محكمة الجنايات الدولية لتحرياتها حول السودان وصلاحياتها كالتالي:
جرائم وفق قانون العقوبات السوداني وقوانين العقوبات الاخرى - اتهامات تقدمها اللجان الحكومية للتحري- اي اتهامات يحددها رئيس القضاء
-وامتدت ولايتها القضائية لاحقاً لتشمل اية انتهاكات للقانون الانساني الدولي وللمحكمة ثلاث مقار في عواصم جنوب وشمال وغرب دارفور. بنهاية 2006 تم تقديم 13 من صغار الموظفين بتهم طفيفة مثل السرقة امام تلك المحكمة التي انشات بعد يوم واحد من بدء تحقيقات محكمة الجنايات الدولية وتلك محاولة للنيل من المحكمة الدولية لانه لا يمكنها تحريك محاكمة قضية تنظر فيها المحاكم الوطنية .
كل هذه محاولات هزلية تؤكد غياب حكم القانون، ذلك أن مثل هذا التلاعب الصبياني بالقانون يفقده أي هيبة قد يدعيها.
في مارس 2005 قررت الامم المتحدة احالة صدارة الضالعين في الانتهاكات المرتكبة في السودان منذ اول يوليو 2002 الى المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية للتحري والمحاكمة. بدأ التحري في يونية 2006 وبدأ المدعي بالنظر في التقرير الذي اعدته مفوضية الامم المتحدة للتحري المكونة عام 2004 للتحري حول الانتهاكات في دارفور - وفي ابريل 2007 اصدرت المحكمة مذكرات اعتقال ضد احد قادة الجنجويد ووزير داخلية سابق وتم تقديم مذكرة الاستدعاء ضدهما في 55 تهمة جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بينها الاغتصاب والقتل والتعذيب ورفضت الحكومة السودانية إنفاذ الأوامر.
رغم تداعي الجهاز القضائي فقد يجد العسكر في وجود هذه القوانين ما يغريهم بتقديم المطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية الى المحاكمة الصورية في السودان.



5 - من أين لك هذا بالإنكليزي؟
هناك قانون بريطاني سرى مفعوله منذ العام الماضي وتتم اولى المحاكمات تحت طائلته هذه الأيام في المحكمة الكبرى في لندن ضد سيدة اسمها زميرة حاجييفا زوجة محافظ بنك أذربيجان السابق.
الاتهام وتمثله الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة يرغم المشتبه في كونهم يعيشون من عائدات الجريمة على كشف المصدر الحقيقي الشرعي - اي القانوني لثرواتهم وتتم مصادرتها فوراً اذا عجزت عن ذلك. يعني هذا هو قانون من أين لك هذا والذي نريد تطبيقه على الكيزان ولا استثني أحداً على ان تكون البداية الناجزة بقططهم السمينة
هذه السيدة اشترت بيتاً في نايتسبريدج تقيم فيه مقابل 11.5 مليون جنيه إسترليني كما اشترت نادي غولف في اسكوت مقابل 10.5 مليون جنيه استرليني كما تسوقت ب 16 مليون استرليني من هارودز وذلك خلال السنوات العشر الماضية كل هذه الأموال ستجري مصادرتها بواسطة حكومة معادية للاشتراكية
الإنكليز يطبقون قانون من اين لك هذا وكيزان السودان قانونهم الوحيد هو النهب في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع.
والقاريء يدرك أن حقوق الإنسان ليست السياسية وحدها فهناك الحقوق الأقتصادية والإجتماعية والثقافية.
الخصصة التي باعوا باسمها القطاع العام وهو مال الشعب الى أنفسهم او لصالحهم بتراب الفلوس هي سرقة على عينك يا تاجر



6- الجريمة والجريمة
الجدول الأول من القانون الجنائي للعام 1991
الأطراف والجراح التي يكون فيها القصاص:
(1) العين المبصرة إذا قلعت بكامله
(2) الأنف الى حد المارن
(3) الأذن السليمة ولا عبرة بالسمع
(4) الشفة إذا قطعت كلها ولا عبرة في بعضها
(5) السن إذا قررت الجهة الطبية المختصة أنه لا يرجى ظهور بدل لها
(6) اللسان إذا استوعبه القطع
(7) اليد إذا كان القطع من مفصل والمجنى عليه دية الجزء الزايد على المفصل في حالة الزيادة
(8 ) الرجل وتطبق شأنها أحكام اليد
(9 ) الأنامل والأصابع لليدين والرجلين إذا كان القطع من مفصل
(10) الذكر إذا استوعبه القطع او كان القطع من الحشفة
(11) الإنثيان وتؤخذ الواحدة بنظيرتها بشرط ضمان سلامة الأخرى
(12 ) الموضحة وهي الجراح التي تنتهي الى عظم
نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 فبراير 1991

كيف نعاقب القتلة ومنتهكي حقوق الإنسان؟
أدرك أن هناك حالات يكون فيها العقاب المرسوم جريمة في حد ذاته.
وقانون الجنايات الذي وضعه الكيزان هم جديرون به. الجنجويد- الكيزان الذين أصابوا بالعطب عين شاب من حي المهندسين في امدرمان هل تراهم يفضلون حدود الشريعة أم يريدونها "مدنية .. مدنية"؟
وحول قلع العين تذكرت أمل دنقل :
أترى حين افقأ عينيك
ثم اثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى ؟
هي أشياء لا تشترى
كنت كتبت عن حكاية الشيخ محمد الكرا والسلطان تيراب كما رواها التونسي. بحثت عن عقوبات تم توطينها لتأديب الكيزان - الجنجويد الجبناء القتلة. وجدت عقوبة مجانية أنزلها يونس ود الدكيم بمساعد قيدوم - حسب رواية بابكر بدري :
المكان: ميدان العرضة يوم الجمعة ومساعد قيدوم على صهوة جواده .
يونس ود الدكيم يناديه:
"مساعد كي! انزل خد لك طلقة! (الطلقة ليست نارية . معنى العبارة : انزل من حصانك وخذ حربتك واجر (برجليك) ساعة ثم ارجع جارياً دون توقف .
ثم ما أن يمتطي حصانه من جديد حتى يكرر يونس ود الدكيم الأمر .. وهلم جرياً .
أما العقاب الأجدر بهم فهو تعمل بمبدأ القصاص: واحدة بواحدة . يسمونه role reversal ويعني عكس الأدوار وهو تكنيك مسرحي معروف وبخاصة في السايكودراما .. يسمح للممثل ان يرى نفسه في مرآة أي معكوساً ويرى نفسه من منظور الآخر وفي ذلك بعض دواء لنفوسهم المريضة. (الكوز الجاني يلعب دور الضحية والضحية يلعب دور الكوز)
مثلاً: الناجي من انتهاك حقوقه (لا أقول الضحية) ينادي الكوز:
" كي يا كوز ! أملأ الكوز المقدود بالموية وأجري لتملأ البرميل داك "
الكوز الذكي يجتهد لسد ثقب الكوز المليء
مطلوب منه ملء البرميل قبل تناوله للعشاء.
الذي لا يعرفه الكوز هو البرميل مقدود القاعدة.
وحتى الآن لا لكم ولا ضرب
( في رفاعة مر العم برعي بأطفال يتشاجرون بشراسة حاملين العصي خارج بيتنا. قال دون أن يبادلهم النظر كما لو انه يخاطب الشارع أمامه :
" الضرب في مغزر اللحم"
المناسبة هنا أن برنامج عكس الأدوار - خلال الإستراحة - يمكن ان يقتصر على جلوس الكوز على كرسي شاهق يتميز بانه ذو ثلاث قوائم
أعترف حين أتامل في الجرائم التي ارتكبها الكيزان عسكراً وجنجويداً أحس أن القصاص وحده لا يكفي. هذا القصاص يلزم أن نسنده بجكة:
الحصة أمل دنقل أيضاً:
" لو قيل رأس برأس
أكل الرؤوس سواء؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟
أعيناه عينا أخيك؟
وهل تساوي يد سيفها كان لك
يداً سيفها أثكلك؟

أحسب أن علينا أن نجعل اسماء القتلة المربعة تنز بالعار نزاً . كتبت مرة عن ماركسية بجلابية وتوب يقوم مداحو الرسول بطاراتهم والحكامات بنشر المادية التاريخية بلا دموع. الآن أطلب منهم أن يجعلوا التاريخ صالة عرض لمخازيهم. أطلب من مبدعينا الآن بطبقات ضيف الله جديد. إذا كان محمد ضيف الله بن محمد الجعلي المتوفي عام 1810 قد سجل لنا مناقب الأولياء والصالحين وغيرهم فالمطلوب الآن سجل بمخازي الذين انتهكوا حقوق الناس بالصورة والصوت. المرحوم عون الشريف اصدر موسوعة لبعض القبائل والعشائر وقبله أصدر ريتشارد هيل قبل ذلك مسرداً لشخصيات من السودانيين والأجانب ذوي أثر في تاريخ السودان.
الطبقات الجديدة التي انتظر صدورها صادقة ومبينة وسيكون الدفاع ضد تهمة القذف أن التهمة لها مايبررها أو أن دافعها هو المصلحة العامة. البريطانيون يسمونها “name and shame”
القاريء المتحلي بالصبر الجميل قد يذكر قول صلاح قي معابثاته لرجل من جيله:
سبحان الله أخونا مكاوي
من بعض خمول صار جليساً للوزراء
ويداه كساقي دينكاوي
تمتد الى كل الأشياء
وفي جيلنا حين يسمع بعضنا اسم مكاوي لا يفكر في مكة المكرمة لكنه يتذكر "ويداه كساقي دينكاوي"
ولكن القاريء لا ريب يتذكر قول الحردلو :
" أكان المهدي داك ولداً قدل في عزة
حت ود البصير يسينا في طيز وزة ؟
عندنا الآن أسماء مألوفة مثل ود المهدي وود الشرى وود المكي وود الندومي وود البشير ولكنني لم أسمع عن شخص معاصر أسمه ود البصير رغم أن رفاعة عرفت أسماء لرجال محترمين مثل ود الكرور او ود العارض بالنظر الى ان الوالد يعمل سمساراً.
في مسرحية اسمها البوتقة كتبها الأمريكي الراحل آرثر ميللر (كان أحد أزواج مارلين منرو والكلفة مرفوعة) تقع الأحداث في بلدة اسمها "سالم" انكبت الكنيسة هناك على محاولة إصطياد السحرة ومحاكمتهم وشنقهم لتحريرهم من الأرواح الشريرة. "جون بروكتور" البطل يرفض التوقيع على اعتراف ينقذ حياته (آرثر ميللر رفض التعاون مع لجنة مكارثي المناهضة للشيوعية ورفض كشف أسماء من شاركوه في حضور اجتماع شيوعي فحوكم بتهمة تحقير الكونغرس ) - مزق جون بروكتور ورقة اعترافه قائلاً:
" كيف يتسنى لي أن أعيش بلا اسمي؟
أتركوا لي اسمي !
جون بروكتور كما آرثر ميللر كان يدافع عن شرفه
القتلة الملطخة أيديهم بدماء الأبرياء أسماؤهم ستبقى تنز بالعار نزاً لأننا لا ننسى.



هناك مقولة كنت أنسبها الى ماوتسي تونغ واكتشفت لحسرتي أن قائلها هو جون كنيدي :
" نحن نغفر لإعدائنا ولكننا لا ننسى أسماءهم "
أما الصيغة الأسكوتلندية للمقولة فهي :
" نحن نغفر لأعدائنا ولكننا لا ننسى اسماءهم ، أولاد القحبة"
أما الصيغة السودانية للمقولة فهي: نحن لا نغفر لأعدائنا القتلة ولا ننسى أسماءهم أبداً



أفهم قول شوينكا عن كيف أن الغفران قيمة اثقل وطأة انسانياً من الانتقام . ولكني أفهم أن كظم الغيظ أمر بالغ الصعوبة وقد يسبب للبعض أذى نفسانياً. البريطانيون يتكلمون عن getting even ما يعني إعادة النصاب وهم يريدون مفردة الإنتقام. وحين قيل لأيرلندي كاد ينفجر غيظاً من أحد ظالميه أن الرب كفيل بأخذ حقك منه وان ينتقم لك أجاب: " لماذا يفوز هو وحده بلذة الإنتقام ؟" ذلك الأيرلندي يفهم انه ليس المهاتما غاندي كما يفهم أنه لا يريد احتقاناً يدوم الى الأبد

 

لندن – 21 يونيو 2019