يمضي إقليم دارفور بخطى مُثقلة نحو نهاية العقد الثاني من الأزمة الفاجعة التي ألمّت به مطلع هذا القرن، بوصفها الحقبة الأكثر دموية في تاريخه الحديث، وهذه بدورها -الأزمة- التي أعقبت أحد أطول الحروب في القارة الإفريقية وهي حرب جنوب السودان. إن الحرب في دارفور التي انطلقت بوصفها تمرداً على السلطة المركزية في الخرطوم مرّت بمجموعة من المنعطفات التي أسهمت في التأثير على مسارات فهم وتوصيف المشكل، حيث شملت ذاتية وموضوعياً جملة من التقاطعات، فالصراع الذي كان موجهاً ضد السلطة المركزية في الخرطوم أخذ أبعاداً أفقية ليشمل صراعات أخرى داخلية ذات طابع إثني (دارفوري - دارفوري) أي داخل المجموعات العرقية المكونة لهذا الإقليم المضطرب منذ آماد بعيدة بسبب مجموعة من الظروف والعوامل. وهنا نقف لإعادة النظر في القضية من باب تشعبها الداخلي وعلائق الأطراف الفاعلة في الصراع داخل الإقليم نفسه، هذا الباب الذي يُعد أحد روافد الأزمة التي لم تُستنفذ المداخل بعد لفهم تعقيدها أو الاتعاظ من عاقبة التغاضي عنها بحجة صراع الهامش مع مركزية الدولة، فهذه الثنائية على أهميتها لتقديم تفسيرات ثقافية لحقيقة المشكل من وجه العلاقة الرأسية مع الدولة، فإننا نحتاج إلى الأبعاد الأفقية للوقوف على المسألة الدارفورية.

إن الصراع الذي كانت بدايته تاريخياً؛ طبيعية وبسيطة حول الموارد بوصفها مصدراً للتدافع البشري، ظلت دوافعه هي ذاتها؛ ثبات أو تناقص هذه الموارد الطبيعية في الإقليم (مياه، أراضي زراعية .. إلخ) في مقابل زيادة مضطردة للمستهلك (الإنسان والحيوان) في ظل سعي كل طرف لاستغلال أكبر قدر منها بما يضمن له الاستمرارية والنفوذ، وهذه المعادلة تفسر ظاهرة اجتماعية عامة راسخة تؤدي في الغالب إلى الاحتراب الأهلي، إذا لم تجد الظروف التي تحاصرها. ومن أسف أن الذي حدث هو أن الصراع لم يجد من تجاهل السلطة المركزية لمسبباته ما يغذّيه ليأخذ طابعاً أكثر تشعباً فحسب، وإنما وجد في ضعفها وكَسَلها ما يجعلها تناصر أطرافاً دون أخرى لتقوم مقامها لفرض وجود وهمي متجاوِز ومشوِه لوظيفة الدولة المركزية، فاستقوت مجموعات دارفورية مسنودة حكومياً على مجموعات أخرى، ليتحول الإقليم إلى مطحنة واستحالت مقدراته وكائنه البشري إلى رماد، بالمحصلة خسائر شملت حوالي 300 ألف شخص لقوا حتفهم، وتشّرد ما يقترب عددهم من الثلاثة ملايين سخص، إبان هذا الصراع المرير بحسب تقديرات الأمم المتحدة، هذا فضلاً عن مخلفات الحرب التي أورثت الإقليم ملايين الأطفال خارج منظومة التعليم، والآلاف من مدمني المخدرات والمنخرطين في الجريمة المنظمة، إضافة إلى ضحايا الإيدز ومن في منزلته الذين تجحظ من معدلاتهم المتزايدة العيون وإن حاولت السلطات إخفاء حقيقة الأرقام التي تضم نسب عالية من الأطفال المشردين، هذا علاوة على ما أهدره الإقليم من موارد غير منظورة من مقدراته الاجتماعية والاقتصادية التي كان سيكون للإقليم معها شأناً لو أنها اُستثمرت بصورة أمثل ولو أن الحرب لم تحدث أصلاً. وتلك قضية أخرى ربما سيكون لها نقاش آخر، بيد أننا نقف على مظاهر الكارثة لننطلق إلى بحث إشكالنا بما يؤدي بنا إلى خلاصات مرجوة وحافزة لإعادة نظر الناس إلى المشكل بصورة أكمل.
وفيما سلف من توصيف إجرائي مختصر لهذه الأزمة المُقعدة لنهوض السودان عن ركب التطور في محيطه الإقليمي، تستوقفنا آثارها المدمرة لزهاء العقدين من الزمان، وتتبدى أسئلتها شاخصة أمام أي خيارات وطنية جديدة تطرأ على الساحة السودانية. ولما كان النقاش يدور في أروقة مثقفي الإقليم حول أولويات المنطقة وما يمكن أن يحقق أرضية تمهيدية تفتح الطريق لمثاقفة زائدة، ربما تكون بمنزلة النافلة التي تَجُبّها الفرائض في حكم الوقت الحاضر، لكون المعضلة ذات جذر واحد والإقبال على معالجتها يستدعي نظرة كلية بعيدة عن التجريد، ففي الوقت الذي ما فتئ يتطلع الإنسان هناك إلى الأمن من صراع الغاب والقوات المدججة بالرعب والمفرطة في إذلال البشر وسعيه لتأمين لقمة العيش، قد تبدو قضايا التصالح الداخلي كأنما قفز على الأولويات. ولكن تعاقب التجارب وتعاور المحن تخبرنا أن تحقيق أي تقدم ملموس في الوعي بأهمية هذا الجانب ربما أسهم إيجاباً في التأثير على تطور النظر إلى حل الجوانب الأخرى.
سيظل الصراع في كل الأحوال صراعاً أبدياً حول موارد وثروات الإقليم الآخذة في التضعضُع، وما لم تصطلح الأطراف الداخلية على صيغة مناسبة بينها لاقتسام هذه الثروات بصورة مُرضية بعيدة عن صلف القوة الزائفة أو القفز على حقائق الأشياء على الأرض أو ادعاء أصلاني طوباوي أو تصنع تفاوت عنصري، لن يؤدي بالإقليم إلا إلى مزيد من فقدان الوقت وإهدار الفُرص. إن الاعتراف بجسامة التعدي الذي وقع على بعض المكونات في دارفور يظل الخطوة الممهدة لأي تصالح داخلي صادق مع الذات والآخرين من أبناء الإقليم. فذلك قمين بأن يؤسس علائق جديدة للانصهار الذي لا مناص منه ولو بعد حين، كما أن التسامح غير الهاضم لحقوق الآخر في أزمة دارفور؛ ذلك التسامح القائم على النظر إلى ما هو مشرق (وإن كانت لا تبدو الدعوة إليه واقعية اليوم بحكم نشوء أجيال عايشت مأساة الحرب ورضعت قدراً يفوق التصور من الكراهية والرغبة في الانتقام)، إلا أن الأجيال لا محالة مستقبلاً آت إليها وقت ستكون في مسيس الحاجة إليه، فالشعوب تتعلم دوماً وأبداً من محنها ونكباتها، يعلمنا التاريخ ذلك بتجارب أمم عايشت الاحتراب الأهلي الداخلي، كما يعلمنا راهننا المعيش ومن خلال إشراقات القارة الإفريقية في رواندا أو الهضبة الإثيوبية أو غيرها. إن الوعي بضرورة تجاوز هذه المحنة وفتح نافذة الأمل على يد الأجيال القادمة بإشاعة التسامح المنتظر، ليس مطلوباً في ذاته فحسب بقدر حاجة الناس إليه بوصفه المسار الأمثل للخلاص إلى ضفة آمنة.

... يُتبع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////