"دا شاف عز يا بيه ولا العز اللي شافه فاروق"

"يعوي متل الديابة"*
عبدالله التومجري مشيرا لعباس الزنفلي

يقول الراوي أن شوقي كان طالبا مبرزا في كلية الطب، وكان فيها سياسيا لامعا يتنبأ له الكل بمستقبل زاه. كان ذلك الجيل قد خرج لتوه من الحرب ثم وجد بلاده محتلة، فثارت فيهم ثائرات الجلاء، كلهم يحلم بـ "جمهورية فرحات"*، ولكن كيف لهم ذلك و"باشا"، تشد قوى، إقليمية، ودولية خيوطه من خلف الستار، يقمعهم ويزج بهم في السجون.
في هذا الجو، دخل شوقى الى السجن ونال فيه، من بني جلدته، إرضاءا لمن هم خلف الستار، صنوفا من العذاب والقهر، جردته من كل أنسانيته فخرج من السجن مسخا مشوها، يكذب ويسرق ويتملق من هم دونه ليحظ ببعض فتات*.
يقول الراوي: أرفض أن اصدق أن بضعة شهور من السجن تحيل إنساناً، مهما كان، من النقيض إلى النقيض، وأرفض أن أعتقد أن شوقي القديم مات وانتهى، ولم يبق منه إلا .... «هذا الشئ».. لقد تغير حتى صوته، فاصبح لا يتحدث إلا همساً، همس خافت كمن يتوقع دائماً أن ترفض طلبه، ينظر في اتجاه واحد فقط كأنه يرتدي نظارة خيول السباق حتى لا ترى إلا أمامها وفقط، فأين ذلك من شوقي المتلفت حوله، الباحث المنقب في كل أمور الدنيا والناس، الغاضب الثائر إذا وقعت عينه على الخطأ.. الذي يُهدِد الدنيا بالويل والتغيير وإخضاعها لما يريد؟!. لقد حاولت كثيرا استعادته، وكان لابد أن يأتي اليوم الذي أؤمن فيه ان شوقي لم يتغير فقط، لكنه اصبح بالتأكيد إنسانا آخر غير شوقي الذي عرفته.. فكم من مرة ضبطته يتآمر، وكثيرا ما سمعته ينافق «الطبيب المناوب»، ويكذب.. يكذب باستمرار، وبلا سبب، وبطريقة ساذجة مكشوفة تدفع للاشمئزاز، ورأيت كيف يُحضر المرضى في كشك الغيار، ويساومهم مساومات رخيصة على أن «يتوصى» بهم في العلاج، ويأخذ مقابل ذلك بضعة قروش هي كل ما يمتلكه المريض الراقد في عنبر المستشفى، وكان يسرق من زملائه أشياء تافهة.. أي شئ حتى لو كان فرشة أسنان قديمة، لكنني برغم كل هذا كنت لا أزال أؤمن أن شوقي لم يضع ضياعا نهائيا، وأن كل ما يبدو من تصرفاته مجرد انعكاسات صادرة عن قشرة صدأ، آجلاً أن عاجلاً ستزول، ولذلك يجب أن أحاول بلا يأس أن أستعيد مرة أخرى ذلك الكائن الثائر النافع لشعبه وبلده، فالواقع يؤكد لي أن شيئا هائلا خطيرا قد حدث له، لكنني لم أكن اعرف كيف أفعل ذلك، حتى نطق عبدالله التومرجي بتلك الجملة التي غيرت كل شئ.!* (دا يعوي زي الديابة)!!!
تلكم كانت هي الضحية، أما الجلاد* "عباس الزنفلي"، والذي هو بدوره ضحية أخرى، وإن لم يع ذلك، فقد تحدثنا عنه زوجه نور، ويقول الراوي على لسانها، أنه كان فلاحا ناجحا في الصعيد، فيه نخوة "أبن البلد" الأصيل ولكن برقا خلبا قد لمع له غير بعيد، فهجر "الغيط" و"القاموسة"، وجاور "قصر عابدين" (يعوي متل الديابة)!!.
يقول عبدالله التومرجي عن "دولة" عباس الزنفلي (دا شاف عز يا بيه ولا العز الي شافه فاروق)!! وتقول نور، زوج عباس الزنفلي، فاغرة فاه الدهشة (دا العمدة، أحمد بك مروان، ذات نفسه يقبل يد عباس ويقولو: يا فندم!! البركة فيك يا عباس أفندي)!!
ولا يملك عبدالله التومرجي الا أن يندفع معضدا (دا كان يدخل المحافظة ناقص يضربوا له نوبة سلام!! كان يقدر ضابط من الضباط يكلمه وهو قاعد!!* حد منّا كان يسترجي يبص له ولا يهوّب ناحيته!!... دا مرة والله العظيم وشرفك أنت يا سعادة البيه وقع منه قدام عيني دي نص ريال ما رضاش أبدا يوطي ويجيبه)....
دارت الأيام، والأيام دول، ثم دالت هذه الدولة. أصبح سي عباس الزنفلي مجرّد "دوسيه" أمام طبيب متعب... (مالو دي كمان؟!) ثم يجيب عبدالله التومجري بالجملة التي قلبت كل الأمر رأسا على عقب: (ده خلاص يا بيه.. الراجل بقى يهبهب زي الكلاب ويعوي زي الديابة*..)
تذكر الراوي "يعوي زي الديابة" هذه وهو يستمع لعواء عباس الزنفلي، الذي كأنه لم يعد هناك، في فراش حقير، ثم يرفع الراوي رأسه ليتحاشى النظر لهذا المنظر الفظيع، فيرى شهادة تقديرية على الجدار مكتوب عليها (ننعم عليكم بهذا تقديرا لتفانيكم في خدمة مصالح الوطن العليا)!!
ثمة نسوة، قد تجمعن أثر سماع عواء "دولة" عباس الذي كان، يقول الراوي أنصرفت وثمة جملة قالتها إحداهن ظلت ترن في أذني، لا أدري لماذا ظلت تلّح علي (لحم الناس يا بنتي اللي يدوقه ما يسلاه ... يفضل يعض إنشا الله ما يلقاش الا لحمه... ألطف يا رب بعبيدك)!!
ألطف يا رب بعبيدك
---
مشاهد و"أحوال":
مع يوسف*
المقصود أصلا سيدنا يوسف عليه السلام*، ثم يوسف إدريس وهو قاص مصري ذائع الصيت ومن أشهر قصصه "جمهورية فرحات" وكتب كثيرا عن "السجن"*.
الجلاد*
في الأدب الماركسي أن الديكتاتور لا يحتاج الا لوظيفتين جلاد وكاهن
الديابة*
في العامية المصرية، وعند بعض السودانيين، الديب وهو الذئب قد يعني الضبع أيضا
* بعض فتات: في الميثولوجي أن ملكا ظالما قد أعتاد أن يرمي ضحاياه من فوق سور قصر عال، فتكاثرت الضباع لنهشهم، وهم أحياء، قل معارضوه، فأصبح يرمي للضباع فضلات القصر، فأعتادت على أكلها، قلت هذه الفضلات أيضا ولكن الضباع، بما أستمرأت من رخو الحياة، لم يعد بأمكانها "المناجزة" في الغابة، فرضيت بالقليل ثم أنقطع القليل فأكتفت بالحشائش وصارت كلابا للقصر تنبه الحراس بعوائها اذا ما طرق طارق. (هل قلت شيئا عن اليمن؟!)
مع يوسف مرة أخرى* (يا صاحبي السجن)!!
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (يوسف، 3)
* في قصص "العهد القديم" أن سيدنا يعقوب قد رأى أبنه سيدنا يوسف في واد، تحيط به عشرة ذئاب* وسيدنا يوسف بستغيث به فزاد "قرع" عنه والده الذئاب.
عند بعض الصوفية أن الذئب الذي أكل/ لم يأكل سيدنا يوسف كان هناك ولم يكن بمعنى أن فداءا قد تمّ لسيدنا يوسف بهذه الرؤيا كما تم الفداء لسيدنا اسماعيل بالكبش ونرجو أن يكون فداءا قد تمّ للسودان بما حدث في 29 رمضان.
* لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ (الفتح، 27)
* يقول الأستاذ محمود محمد طه لأبناءه في رسالة من السجن* (الخلاص في سورة يوسف)... أمر الرؤى* والسجن* متواتر في سورة يوسف.. في مقابلة للأستاذ محمود مع الصحفي وقتها دوليب محمد الامين*..انه كان في السجن يري ليلا ما يتحقق صباحا مثل فلق الصباح ثم تواصل الأمر معه في خلوته برفاعة وقد نشرنا من قبل قصته مع الشيخ الدباغ في رفاعة.
* في الفتوحات المكية ان رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يسال اصحابه كل يوم هل منكم من رأي رؤية .. وانها نبوة جزء من ٤٦ جزء من النبوة.
* منذ أن بدأت هذه الفتنة ظللت أستمع لسورة يوسف باستمرار بنية الخلاص للسودان... في ليلة "الغدر" بالقيادة العامة لم أكد أنام ... رأيت رؤيا كأن كلبا مضرّجا بالدماء، عاجر عن الحركة تماما، ثم ضبع عليه آثار دماء أيضا الى جواره يحاول مهاجمتي، ومعي أخ آخر، تخلصنا منه ففوجئنا به في ذات اللحظة "رب" يقع ميتا... عن في ذهني، وبلا تعمّل أن الكلب رمز لبرهان والجيش وأن الضبع هو حميدتي وقبيله (ذئب سيدنا يوسف) ثم طالعتني الآية
(لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) يوسف، 14... الضمير للسودان وأزال ذلك عني بعض الكدر.
* حكيت الرؤيا لبعض أخواني فدهشت للتطابق:
قالت لي إحدى أخواتي: فجر ذلك اليوم رأيت هؤلاء الجنجويد في شكل ضباع يغيرون على المعتصمين ويعملون فيهم أنيابهم... قالت لي أنها لما استيقظت وعلمت بما تمّ دخلت الى واحدة من مجموعات التواصل فرأت أن أختا أخرى لنا قد وضعت مقطعا لمشهد الضباع وهي تغير، على فرائسها من فيلم (الأسد الملك Lion King) ...
* حكيت ذلك كله للأخ الراحل الكريم محمد مجذوب فضيل (رحل منا منذ اسبوع 7 يوليو 2019) قال لي بدروه بتصرف: رأيت دالي وقد عاد للسودان وهو يحمل خمورا كثرة جدا، ثم رأيت حميدتي وعزمتو لأكل فقال لي أنا أكلت بس عاوز كستر كتير ... قلت له على الفور دا خلاص أنتهى وحضرتني، من سورة يوسف، الآية " أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ " يوسف، 41.
* دوليب محمد الأمين من أبناء الجيلي شمال الخرطوم... كان صحفيا مع عبدالرحمن مختار في الصحافة ثم ألتحق بالخارجية وتدّرج الى أن صار سفرا للسودان في الكويت (ظل بها حتى الغزو العراقي ثم أحالته حكومة الأوباش للصالح إياه).
---
" "غايتان شريفتان"
عند الأستاذ محمود محمد طه هما الإسلام والسودان... لبعض الجمهوريين تأويل لطيف للآية 100 من سورة يوسف (َرفع أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ) يقولون هما الإسلام والسودان رفعهما مكانا "عليا" ... عند الشيعة، مائة في علم الأرقام، تعادل (عليا)

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.... يوسف 111*



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.