أتاحت لي محاسنُ الصدف أن أقابل أخانا الأستاذ وقيع الله حمودة شطَّة عدةَ مرات فاحترمته لدماثة خلقه ولباقة حديثه وتواضعه الجم واستماعه الجيد لمن يُحاور، وتلك خصلة نادرة في الإسلاميين، فأوليته احتراماً هو به خليق. ولكنني لم أتعاطف في يوم مع ما يحمل من فكرٍ يظنه إسلامياً خالصاً وخيَّراً وأظنُه غيرَ كذاك ومعي الملايين من المسلمين في السودان وفِي غيره. ويبدو أن المثل المصري القائل: يموت الزمار وأصابعه تلعب، ينطبق عليه فيما جرى به قلمُه في مقالةٍ وسمها ب"دلالة المصطلح" ونشرها في صحيفة الانتباهة في الثاني عشر من يوليو الفائت. فقد حفلت مقالتُه تلك بالمبكيات المنديات وبالعديد من المغالطات والتحيُّزات وتحريف الكَلِم عن مواضعه لأغراض السياسة. ولمّا كان الحقُ أحبَّ الينا من الأستاذ، الذي هو محل احترامنا، رأيتُ أن أبيِّن بعض تلك النقاط في عجالةٍ قد لا تستوفي كل ما جاء في مقالته.

1/ "الفصيل الواحد" الذي تتحدث عنه - يعني قوى الحرية والتغيير - بوصفه واحداً من المجاميع والقوى العديدة التي أحدثت الثورة وهو بالتالي لا يمثلها كلها، هو ذات الفصيل الذي ارتضاه الشارع قائداً وممثلاً وحيداً له، ثم هو ليس فصيلاً واحداً كما تدَّعي تلبيساً، بل هو تحالف جبهوي عريض يضم مشارب واتجاهات سياسية وايديولوجية متباعدة التقت كلُّها على رغبتها في التخلُّص من نظام الإنقاذ، ظلّ هذا التحالف الجبهوي العريض هو الأكثر تأثيراً في الشارع السوداني إلى الوقت الحاضر. وقد نعلم الأسباب التي تجعل الأستاذ لا يكاد يسيغ مثل هذا الكلام، لكن إذا كان الإسلاميون فعلاً قد تعلموا من دروس الإنقاذ القاسية كما يرددون دوماً على المنابر، فإن أول ما عليهم فعلُه هو قبول الأمر الواقع كما هو وليس كما يتمنون.

2/ الإسلاميون وحدهم، في نُسخهم المُتعددة، مع بعض ممن اتبعهم فلحِق بهم ودافع الثورةَ معهم بالشوكة واللّسان مِن الذين كانوا في مركبٍ واحد مع الانقاذ قبل آخر ثانية من غرقه هم الآن بالفعل خارج الجَوقة التي عزفت لحن الثورة وتسعى للوصول به إلى تمامه. فلا معنى لقولك بالإقصاء هنا، فقد أقصوَا أنفسهم هم بممالأتهم لنظامٍ فاسدٍ يعرفون فساده كما يعرفون أبناءَهم، وربما ضربوا في ذلك الفساد بسهمٍ وافر، تظنّياً منهم أن سقوط النظام أمرٌ عَسِر، ذلك النظام الذي قامت الثورةُ على فساده الذي شهد به جميعُ الناس حتى الإسلاميين أنفسهم، فليس من العقل والمنطق والوجدان السليم، وبأي ميزانٍ سوي تُوزن عليه الحقائق وتُقاس إليه التصرفات، أن يطالبوا الآن، وبوجهٍ حديدٍ لا يعرف الخجل، بإشراكهم مع مَن صنع الثورةَ واكتوى بنارها ابتغاءً لنورها ودافعهم عليها بالمخلب والناب.

3/ ولا معنى لقولك أيضاً إن المجلس العسكري يمتلك تفويضاً، أيُ تفويضٍ يا رجل! إلا إذا كان التفويض شيئاً يهبط بَرَشُوتِياً من السماء أو ينجمُ عفواً من الأرض. بل شفعتَ ذلك بقولك إنَّه الوحيد الذي يمتلك هذا التفويض! وفي هذا الكلام مغالطةٌ مغالطةٌ مكشوفة صلعاء، لأنك تعلم أن المجلس العسكري هو اللجنة الأمنية للرئيس السابق وكان يده الباطشة التي تخلَّت عن ربِّـها عندما حزبه أمرُ الثورة في منعطفٍ ما انحناءً للعاصفة. الشرعية الوحيدة التي أعرفها، واعتقد أن كلَّ ذي منطقٍ سليم وعقلٍ خال من الرَان يعرفها كذلك، هي لقوى الثورة التي تمثلها حصراً قوى اعلان الحرية والتغيير. أعلمُ أن هذا لا يعجبك، لكنّها الحقيقة العارية وعليك تقبلها.

4/ قولك واصفاً لمُكونات قوى الحرية والتغيير بأنهم طائِفَة استغواها الشيطان فتحولوا إلى عملاء مخابرات وجواسيس وما إلى ما هناك من هذا النعوت المُعَلَّبة، كلامٌ مُلقىً على عواهِنِه تعودناه في وصفِ خصوم السياسة عامةً، وخصوم الإنقاذ خاصةً، وهو بعينه ما درج عليه الاسلاميون منذ أن فَطرهم الله بشراً وفِي كل صقعٍ حلَّوا. ونحن في هذا نطالبك بالدليل، مع شاعر العرب الأكبر الجواهري الذي قال:
فما نصَدِّقُ أفواهاً بألسِنةٍ
ما لم يُقِمَنَ عليهِنَ البراهينا


قوى الثورة هي تلك التي ارتضاها الشارع لقيادته وهم ليسوا غير ذلك إلى أن يتم الدفع بالدليل. وفي هذه القوى، فاعلمن، الاتحاديون والبعثيون وحزب الأمة والحركات الثورية والشيوعيون وقوىً أخرى يجل عديدُها عن الحصر، فهل يُعقل أن يكونوا جميعاً مشكوكاً في ولائهم لوطنهم خلا إسلامييك من الذين يُعجبونك؟ وأضيف بأن المليونيات وجداول المهنيين التي كانت تنظّم الحراك وكان يلتزم بها الثوار تعد استفتاءات متواترة عن مبلغ شعبيتهم وشرعيتهم بين الناس بما لا مزيد عليه.

5/ إن صانعي أزمات الإقليم، ليسوا هم قوى اعلان الحرية والتغيير، التي لها العديد من الأخطاء بالطبع تُؤجر أجرين اثنين إذا أصابَ اجتهادها وواحداً إذا أخطأ، لأن صانعي الأزمات الحقيقين في الإقليم والسودان خاصةً هم مَن رهن البلاد والعباد للمحاور الإقليمية المتنافسة وادخل السودان في "شَعَراً ما عندو ليه رقبة". الأمر كالتالي يا أخانا الأستاذ شطة: ما حدث من تغيير في جزءٍ رئيسٍ منه هو انقلاب داخل بيت الاسلاميين الكبير في الجيش، انقلب فبمقتضاه ضباط من إخوانكم، الذين ما انفككت تستثير حميتهم على اعلان قوى الحرية والتغيير، على ضباط محورٍ آخر، فمّن همْ العملاء للخارج ولمحاورِة ومصالحِهِ وأموالِه يا ترى؟ محمود يريد أن يعرف.

6/ أما كلامك الفج عن موجات الإلحاد والتفسخ التي تراها قد فشت، فهو يندرجُ كذلك فيما جانبه الصواب مجانبةً من رَميك الطائش، فما عَرف السودانيون الإلحاد وسب العقيدة نهاراً جهاراً بل والمجاهرة بالكفر والمعاصي إلا في سنوات الانقاذ الحسوم: خبيراً بالأمر سألت. وبعد، أرجو منكم أن تناقشوا الأفكار وتكفوا عن استخدام لغة "الدين في خَطر" للاستجداء، فهي لم تعُد مبرئةً للذمة، كما أنكم لستم بالأحرص على الدين من بين الكافةِ من أتباعه.

7/ أما المزايدة التي درج عليها الإسلاميون من مساءلتهم عن اللُّغة ودين الدولة في الوثيقة الدستورية فقد أورد نبيل أديب المحامي النص التالي الذي أحسبه يرد عليك رداً وافياً: " في 11 أبريل تم إسقاط السلطة القائمة آنذاك، وإيقاف العمل بدستور 2005 الانتقالي. وقد أحدث ذلك فراغاً دستورياً. معلوم أن الدولة في أبسط أشكالها تمارس سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، ولا خلاف حول أن تجميد أو وقف العمل بدستور 2005 قد ترك السلطات كلها في يد المجلس العسكري، دون تخصيص لأي هياكل للحكم تمارس أي سلطات، وهي مسألة تعني تجميع كافة السلطات في الدولة في يد المجلس دون أن تكون عليه أي قيود في ممارستها. هذا الوضع نجمَ عنه سلطة مطلقة ذات طبيعة استبدادية، وهو الأمر الذي يتطلب معالجة سريعة."، ثمّ مضى القانوني الضليع ليقول في ذات المقال المشار إليه:" كذلك مسألة مصادر التشريع ليست أصلاً من الأحكام التي تتضمنها الدساتير، دعك من الإعلانات الدستورية، وهي مادة أدخلها الفقيه المصري السنهوري في عدد من الدساتير العربية وقد احتفل بها الحُكّام باعتبارها فرصةً للمزايدة بالشريعة الإسلامية.

دستورياً القانون يصدر من المجلس التشريعي وفق سلطاته الدستورية، أما مصدره فهو يعود إلى الثقافة السائدة، والبحث عن المصلحة العامة، كما يفهمها النُواب. النص على مصادر القانون في قانون معين قُصد به المساعدة في تفسير النصوص التي يحملها القانون وليس لإلزام المُشرع بإتباع مصدرٍ بعينه. ولكن النص على هذه المصادر في قوانين لم تصدر بعد وفي نص دستوري، يفتقد الجدية اللازمة في النصوص الدستورية. على أي حال النص على تلك المصادر في دستور 2005 لا يجعله حقاً يمكن المقاضاة بشأنه. وبالتالي فلا معنى أصلاً للزج بها في إعلان دستوري يضع أحكاما نافذة بذاتها، وواجبة التطبيق ويجوز المقاضاة بشأنها". وأضيف من عندي، علاوةً على ذلك، بأن الوثيقة الدستورية لها مهمةٌ مُحددة تتمثل في تنظيم العلاقة بين مختلف مؤسسات الحُكم من جهةٍ وبين المواطنين من الجهة الأخرى لحين إكمال أجل الثلاث سنوات المتفق عليها، بعدها سيكون لكل حادثٍ حديث فيما يتصل بقضايا الدين واللُّغة التي يُولع بها الإسلاميون عادةً عندما يكونون خارج دوائر السلطة.

8/ المطالبة بخروج قوات الدعم السريع من هذه المنطقة أو تلك مما عمت به البلوى في السودان كافةً، سيما في دارفور حيث أكثرت هذه القوات من التجاوزات كما تتكلم بذلك التقارير الدولية. ولأنك من كردفان، فيطيب لي أن أنعش ذاكرتك قليلاً بمثل هذه المطالبات التي تقدم بها الكردفانيون في ذات المعنى نحو ذات القوات: في منطقة الخيرسان بدار المسيرية رُفعَ الطلبُ إلى الحكومة المركزية جهرةً بضرورة مغادرة هذه القوات، التي كانت في طريقها الى جنوب كردفان حينها، وكذلك الحال في منطقة أبو زبد ايضاً حيث تعالت نفس الدعوات، أما في مدينة الابيض فقد قَرَنَ حاكمُها السابق، هارون، طلبَه بمغادرة القوات للمدينة بالتهديد بتقديم استقالته حال لم يُجب إلى طلبه. كيف تستحلون أنتم الكردفانيون المطالبة بمغادرة الدعم السريع من أماكن سُكناكم ثمّ تنكرون هذا الحق على من طالب به؟ وقد ظللتم أنْتُم، ككُتابٍ للإسلاميين، تلهجون، حتى صدّقناكم، بأن قوات الدعم السريع هذه قواتٌ قومية لا تنتمي لجهةٍ أو قبيلة أو لأُمّةٍ من السودانيين دون أُمّة، فإذا كان الأمر كذلك فعلاً، ما دخل التفرقة بين السودانيين عند طلب مغادرة قواتٍ قومية غير منضبطة للمراكز الحضرية إلى أن تتعلّم الضبط والربط؟ ثمّ سلْ نفسك، وأجبها عني لو تفضلت، لماذا طلب الناسُ أصلاً مغادرةَ هذه القوات للعاصمة؟ هل فعلوا ذلك اعتداءً منهم ورفضاً للآخر الذي ظلوا يساكنونه العاصمة، كحقٍ أصيل له في الوطن بوصفه شريكاً فيه، يساكنونه بها قروناً ولم تحدث، طيلة هذه الفترة، ولو عفواً أحداث عنصرية أو جهوية واحدة تعكر صفوَ هذا التعايش، أم تُراهم فعلوا ذلك الآن لأن هناك أسباباً أخرى؟

9/ وكذلك لا يستقيم وصفُـك للشباب الرائع الذي أنجز هذا الإنجاز العظيم واستخلص الوطن من بين براثن العُصبة الفاسدة، وصفك إياهم بأنهم من المُغرّر بهم، وهم الشباب الجسور الذي قاد الثورة وكان وقودها كما تعلم. وأنت نسبتهم الى السذاجة والغَرَر والبله لأنهم لا يعلمون ما يُراد بهم ويساقون سوق الإبل إلى حيث لا يعلمون، ثم وصفت الحرية والتغيير - وفيها معظمُ، إن لم تكن كل، القوى التي ناهضت الانقاذ سنين عدداً - بأنهم شرذمةٌ قليلون من الجواسيس والمخادعين ووكلاء صناع الأزمات. تُرى ماذا تُسمي، أيهاذا الأستاذ، سوقُ الشباب بالآلاف، خطمَ أنوفهم، إلى محارق العمليات بالجنوب للتمكين لسلطة سياسيةٍ أثبتت الأحداث المتتالية أنها ما قامت إلا من أجل السُلطة والجاه؟

10/ شكراً على قلقك الشديد على راحة الشعب السوداني من المتاريس التي ترى فيها اعتداءً على الحريات العامة التي تنادي بها الحريةُ والتغيير والثوار جميعاً، ثم هم يخالفون عنها بإقامة هذه المتاريس التي تؤذي مشاعرك. ولكنَّه قلقٌ في غير محله كذلك. كانت هذه المتاريس التي ظلت تتوسع وتتراجع بفعل العمل الثوري الذي كان يجابه آلةَ قتلٍ مجنونة لكتائب الظل وَلَغت في دماء الثوار فاستطابت والولوغ، ذاك القتل الذي مارسه الاسلاميون وكتائبُ ظلّهم على الصائمين في رمضان في مذبحتين من أبشع المذابح التي لا يمكن أن تُقدم على مثلهما حتى اسرائيل نفسها، التي هي أرحم وأكثر رأفةً بمَن تقتل مقارنةً بهؤلاء. كانت تلك المتاريس، ثم المزيد منها، هي الردّ والأوحد والشرعي والموضوعي المتوفر للثُوّار على الأرض، ليس للاحتجاج فقط ولكن لحماية أنفسهم أيضاً من بطش تاتشرات القتلة المجهولين من كتائب ظل الاسلاميين التي ما برحت تحصد في أرواح المسلمين غير عابِئَةٍ بحرمتها ولا بحرمةِ الشهر الفضيل. ثمّ أن قوى الحرية والتغيير كانت ضد توسعها بما هو معلوم للكافة وكانت هذه المتاريس تُزال بتعليماتها للثوار، تلك المتاريس التي لم تحمهم من بطش أجهزة التنكيل التي اصطنعها زبانيةُ الإسلاميين لحمايتهم كما علمنا من الأحداث لاحقاً.

11/ وطالما أنك رجلٌ ذو جذور إسلامية فلا ينبغي لك بحال رفض شعار "الدم قُصاد الدم، ما بنقبل الديّة". فهذا حقُ أولياء الدم أعطاه لهم الشرع الحنيف، وملخصه هو أننا لا نريد إلا الموت قصاصاً لمَن قتل أبناءنا، هلا أخبرتنا بالله ما العيب في ذلك؟ ثمّ أين هذا كله من التبشير بالقتل والفتن والكراهية بين السودانيين من شعارات الاسلاميين العديدة التي يمثلها قولهم الأشهر، ضمن نماذج أخرى عديدة،" فلتُرَق منّا الدماء، فلتُرَق منهم دماء، فلتُرَق كلُّ الدماء، عجبي!

12/ أما إِلصاق فِرية تقسيم السودان الى نيلي ووسط وغرب وشرق فهي الآن بضاعةُ الإسلاميين المُزجاة ، فبعد ضياع السلطة فجأةً من بين أيديهم رجعوا الى جهاتهم وقبائلهم وصاروا يتحدثون عن التهميش ويحشدون الناس على أساسه، ولعمري إن فعلوها اليوم فقد فعلوها بالأمس، عندما أصدروا الكتاب الأسود بعد ضياع سلطةِ شيخهم وبإذن مباشرٍ منه، بعد انفضاض سامر الحركة الإسلامية بقرارات رمضان: عندما بعثوا البعوث الى مفاوز غرب السودان الكبير، وفيهم الخُلَّص مِن أعز صبية الشيخ: المرحوم موسى علي حمدين الذي أعلن حركة شهامة (واحد) في منطقة بحر العرب والمرحوم خليل إبراهيم الذي اصطنع حركة العدل والمساواة في دار أهلنا الزغاوة، وكلهم كانوا يتحدثون عن التهميش الذي تذكّروه فجأةً وجندوا على أساسه الأجناد لحرب إخوان الأمس الذين استأثروا بالسلطةِ الحُلوةِ دُونهم.

13/ ثنائية الاتفاق التي لا تُعجبك اليوم بين قوى الحرية والتغيير من جهة وبين المجلس العسكري من الجهة المقابلة، كُنتُم أنتم الاسلاميون روادّها وحاملي أختامها والمدافعين عنها عندما وقَّعتُم على اتفاقية السلام الشامل السودانية في يناير من العام 2005 مع الحركة الشعبية وهللتم لها وكبَّرتم ورأيتم حينها أن للثنائية أسباب موضوعية تستلزمها، وتفضلتم أنتم والحركة الشعبيةُ كلاكما على بقية القوى السياسية التي كانت تتباكى أنتَ على عدم تمثيلها اليوم، تفضلتم عليها بنسبة ١٤٪؜ لمشاركتها في مؤسسات السلطة كافةً، وما أشكُّ أنني إذا بحثت في الأرشيف سأخرجُ لك احتفاءً دبَّجَته يداك بهذه الثنائية تُذيع فيه مزاياها في الناس وتنعى على خصومها ضيقَ أفقهم. إن الثنائية التي باتت تزعجك اليوم لها ما يبررها كذلك، مع فارق بسيط ولكنه جذري، إذ كانت تلك بين الحركة الشعبية وحكومة السودان الاسلامية جناح البشير، أما هذه فبين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وتمثل الأخيرة، كما أسلفتُ، تحالفاً جبهوياً عريضاً مُثِّلت فيه أغلبُ القوى السياسية السودانية الفاعلة اليوم.

14/ وأخيراً فإن حديثك حول حد الزنا وتجاهله والقول بإمكانية تغييره أثناء الفترة الانتقالية من قِبل من يُنسبون إلى قوى الحرية والتغيير يندرج فوراً في استدرارٍ صريحٍ للعاطفة الدينية لشعبٍ اختبر حكم من استمدوا شرعية حكمهم من هذه العاطفة على مستوى الخطاب فلم يحمدهم الشعبُ في شيء. وأنا اتحداك أن تشير إلى حادثةِ رجمٍ واحدةٍ تمّت خلال الثلاثين الطوال التي قضتّها الأنقاذ بين ظهرانينا، أنا أطلب حادثةً واحدةً فقط، وإن عجزت، وستعجز، فهل تُراك تريد لنا أن نبقي فحسب على الحدّ في قراطيسه كما كانت الانقاذ تفعل ولا تجرؤ على تنزيله حُكماً في المحاكم؟ ثمَّ لماذا لَمْ تَـلُـم إخوانكم عندما كانوا في السلطة على هذا التعطيل لحدٍ من حدود الله؟ أم كنتَ تلتمس لهم الأعذار في كل مرة؟ إن هذا لأمرٌ العجاب!!

وهناك العديد من المغالطات الأخرى حَفَلَ بها مقالك، ومما ألجمَ القلم عن الخوض فيها كثرةُ الكلام، الذي ينس بعضُه بعضاً، وخوف الملال وضيق الوقت، وفيما قدمتُ مَقنع.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.