لم اندهش للداعية الذي نشرت الصحف انه يواجه شبهة تحت طائلة غسيل الأموال وما زالت القضية اتهاماً تحت النظر.. وحتى لو لم يكن غسيل أموال فهو نقل للعملة من السودان (المقشِّط) وأهله الذين يعانون وبيوتهم مهدّمة تحت الطين مقابل شحن مئات الآلاف من (اليورو) العملة الأوروبية العزيزة عند أهلها.. وتحويلها إلى تركيا الساحرة حيث بلاط السلاطين والرياش .. وليالي قصور يلدزا وأصائل اسطنبول على البسفور قبالة نهر مرمرة .. وحدائق أزمير والبحيرات السبع في بولو .. وشلالات أوجان في انطاليا.. وشوارع أضنة الضيقة المزدحمة والريفيرا التركية بسواحلها التراكوزية.. وطرابزون الوديعة التي تغفو على ساحل البحر الأسود..! (ما شاء الله..تبارك الله)..هؤلاء القوم يعرفون مباهج الدنيا..!

ما أشد (روقة) هذه الجماعة؟! لو كنت في مكان هذا الداعية الذي قيل إنه قام بتحويل 680 إلف يورو (ورقة على ورقة) خارج السودان لتبرعت (بنصفها) في هذه الأيام المفترجة لسد ثغرات السودان العديدة في إي مجال من مجالات الرعاية والعلاج والبناء والتعمير (وإجلاس التلاميذ) أو لتخفيف الآثار الحزينة على المساكين الذين تضرروا من فيضانات والسيول التي دمّرت مساكنهم البسيطة بما عليها من أثاث قليل؛ مراعاة لأبنائهم الصغار الذين يقفون حائرين أمام الركام وهم يشاهدون (الحيرة والدخيرة) وكراسات المدرسة وقد (انماصت) في الطين والوحل..!

غريب أمر هؤلاء الناس.. لماذا لا يحبون الأجر؟ وكيف لرجال ينادون من فوق المنابر طوال سنوات الإنقاذ العجفاء ويتباهون بـ"الساعة السويسرية" في المعصم اليمين ويصيحون في الناس بزجر وتأنيب شديد لماذا تتأخرون عن الأجر؟ ولماذا لا تبادرون بالصدقات وتزكية المال والإنفاق في أوجه الخير... ثم عندما تلوح ساعة العطاء والحاجة إذا بك تجدهم يحوّلون مئات الألوف من الدولارات من بنك إلى آخر (طبعاً هذا المبلغ ليس كل ما يملكون ...خليها على الله).. ولكن يركّز بعضهم على تركيا؟! هل لأنها تقوم بالواجب وزيادة مع جماعة الإخوان؟! ..ولماذا ..والأموال التي يتم تحويلها مبالغ أضخم مما هو معتاد على الموظفين والدعاة وحتى المغتربين.. ولماذا هي بـ(اليورو) تحديداً؟! هل معقول أن (العمل بالوعظ) يجلب كل هذا الأموال؟.. لشد ما يثير ذلك حسد وغيرة بعض (الواعظين المحليين) الذين يأخذون أموالهم بالعملة المحلية التي لا تحتاج إلى (تضريبات مرهقة)..!!

طيب .. لماذا لم نندهش لهذه الحادثة التي تمّ فيها (كمش) هذه الأموال الضخمة بالعملة الصعبة عبر نقلها (لسبب ما) من السودان إلى تركيا..! لم نندهش لأن النهايات هي بنت المقدمات..وقد سبق إن أشرنا مع غيرنا إلى الحيرة البالغة من قدرة الإنقاذ وكل من يعمل فيها أو يتصل بها من قريب أو بعيد.. على اكتساب حصانة (عدم الخجلة) من فعل عكس ما ينادون به.. وكنّا نستغرب كيف يصبر الناس على خطبة الجمعة لـ(صاحب اليورو) وأخيه الذي ظل يخطب في المنبر لثلاثين عاماً وتتبرّع القنوات التلفزيونية جميعاً (من عندياتها) بنقل خطبته عبر كل الشاشات وكأنه (قس بن ساعدة الأيادي) وهو يزيّن للإنقاذ باطلها وفعائلها ويسكت عن مظالم الناس وجور الحاكمين وفسادهم، ويحلق بالناس مثل صاحبه عبر قصص الزهد والإيثار والتراحم والتخفف من زخرف الدنيا وبهرجا والإحساس بالأم الفقراء والمساكين والغارمين.. ثم عندما (يجد الجد) لا تجد غير اختلاء هؤلاء القوم بـ"اليورو" والعملات الصعبة والسيارات الفارهة والطعام الليّن والعطور التي لا تحلم بها (حسناوات باريس)..! سبحان ربك ياخي..!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.