عقد الدكتور إبراهيم أحمد البدوى عبدالستار، وزير المالية والتخطيط الإقتصادى فى حكومة السودان الإنتقالية التى جاءت بها ثورة 19 ديسمبر 2018، عقد لقاءً مع الإعلاميين الإقتصاديين فى يوم الإثنين 23سبتمبر2019 . وقد تحدث فى اللقاء عن ما أطلق عليه وصف (برنامج نهضوى) مدته عشر سنوات ؛ من أول أكتوبر2019 إلى نهاية العام 2030. ويوجد داخل البرنامج النهضوى (برنامج إسعافى)ينقسم لمرحلتين الأولى من بداية أكتوبر2019 إلى نهاية يونيو2020 والمرحلة الثانية من بداية يوليو2020 إلى نهاية ديسمبر2020.والملاحظات التى أذكرها فى هذا المقال تستند على ملخصات حديثه التى جاءت فى صحف؛ السودانى عدد الثلاثاء 24/9/2019 والإنتباهة عدد الثلاثاء24/9/2019 وإيلاف عدد الأربعاء25 /9 /2019.ولا أريد التعليق على سياحته الفكرية حول النهضه الإقتصادية لأن أغلب ما قاله هو مادرجت على قوله فى المقالات التى أكتبها من وقت لآخر.وسوف أركز على برنامجه الإسعافى وما قاله حول تحرير سعر صرف الجنيه السوانى وحول دعم إستهلاك الرغيف والبنزين والجازولين إلخ.وإبتداءً لدى ملاحظة حول ملكية البرنامج نفسه وهل يمثل آراء شخصية للدكتور إبراهيم أحمد البدوى عبدالستار أو آراء مشتركة بينه ورئيس مجلس الوزراء أو نوقش البرنامج فى إجتماع لمجلس الوزراء وأعتمد وصار يمثل سياسة للحكومة.

الإسعاف بعد خروج الروح:
يقول إبرهيم البدوى إنه سوف يتم فى المرحلة الأولى للبرنامج الإسعافى التى مدتها تسعة شهور(من أول أكتوبر 2019 إلى نهاية يونيو2020)إطلاق مبادرات مهمة فى خمسة محاور.وسوف تشكل فرق عمل للدراسة والتحليل وتقديم مقترحات حول تلك المحاور لبرامج يجب تنفيذ بعضها عاجلاً والآخر مستقبلاً.ولم يحدد المحاور.أما المرحلة الثانية للبرنامج الإسعافى التى تمتد من أول يوليو2020 إلى نهاية العام 2020 سوف تكون حسب قول الوزير البدوى ،منظومة برامج متكاملة تطلق وليس بالضرورة أن تنجز لأن طبيعتها تحتاج لوقت.وأول محاورها غلاء الأسعار وتكاليف المعيشة عبر إجراءات ناظمة(؟).ويرتكز فى القطاع الحضرى خاصة الخرطوم(وأبشروا يا سكان الخرطوم بهجرة المزيد من سكان الريف).وقد تحدث عن تشديد الرقابة على الأسواق وتنشيط العمل التعاونى.
ويعرف القارئ الكريم أن الإسعاف يعنى التدخل العاجل وأكرر التدخل العاجل لإيقاف تدهور حالة المريض أو المصاب لكى يبقى حياً إلى حين تلقى العلاج. مثلاً إيقاف نزيف الدم بالنسبة للشخص المصاب بكسر أو جرح وتخفيض درجة الحرارة بالنسبة للشخص المصاب بالحمى إلخ.ولا يقوم الذى يسعف بدراسة وتحليل حالة المريض لأنه يعرف المطلوب عمله. والشئ الواضح جداً من حديث الوزير البدوى إنه لا يمتلك رؤية واضحة حول هموم وتطلعات السودانيين والإسعاف المطلوب وكيف يكون . فمن شبه المتفق عليه أن المرض الأساسى الذى يعانى منه الإقتصاد السودانى اليوم هو الغلاء الطاحن (التضخم). ولكن الوزير البدوى يقول إنه سوف يتصدى للغلاء فى المرحلة الثانية من برنامجه الإسعافى التى تبدأ فى أول يوليو2020.فأين الإسعاف؟

رفض تحرير سعر صرف الجنيه السودانى وترديد الحجج الباطلة:
يقول الوزير البدوى إنه لن يحرر سعر صرف الجنيه السودانى قبل يوليو2020 لتفادى حدوث كارثة إقتصادية كبيرة (إرتفاع الأسعار) ولأن البنك المركزى يفتقر للإحتياطيات. والشئ المؤسف جداً هو أن الوزير البدوى يسير فى نفس طريق وزراء مالية النظام المخلوع.فهو يتغول على إختصاصات محافظ بنك السودان المركزى.ويردد حجج باطلة كان يستخدمها رموز النظام المخلوع لتبرير سياسات فاسدة وظالمة بالإصرار على تحديد سعر رسمى للجنيه السودانى بقرارات إعتباطية تصدرها الحكومة. وهوسعررسمى تباع به الدولارات التى تحصل عليها الحكومة من تصدير المشتقات النفطية ومن رسوم عبور بترول جنوب السودان ومن القروض والمعونات، تباع إلى النافذين والمتنفذين بأسعار تقل كثيراً عن أسعار السوق الموازى .وصدى فضيحة شركات الأدوية لا زال مدوياً.ويعرف القاصى والدانى فى السودان أن مالا يقل عن (90)% من السلع المستورة من خارج السودان تشترى بدولارات يتم الحصول عليها من السوق الموازية(السوداء).ولن يؤدى تحرير سعر الصرف وتوقف الحكومة الكامل عن تحديد سعر رسمى إعتباطى(بدون أساس منطقى)،لن يؤدى إلى إرتفاع سعر الدولار بل العكس هو الصحيح ولعدة أسباب.أولاًعندما تتحول تجارة العملات إلى القنوات الرسمية وأعنى البنوك والصرافات سوف تزول مخاطر التعامل فى السوق الموازية وتنخفض تكاليف التعامل ويزيد الإقبال على البيع عبر القنوات الرسمية خاصة من قبل السودانيين العاملين بالخارج بسبب حصولهم على أسعار عادلة وبطرق قانونية وآمنة.وثانياً سوف تتحول الصادرات إلى القنوات الرسمية بدل الهروب إلى الدول المجاورة.وسوف يشجع التعامل الآمن والقانونى وبأسعار عادلة،سوف يشجع زيادة الصادرات.وثالثاً عندما تباع دولارات الحكومة فى السوق مثل دولارات المغتربين ودولارات التجار الذين يقومون بالتصدير فإن ذلك سوف يؤدى إلى زيادة كبيرة فى كمية الدولارات المعروضة للبيع ويضغط على الأسعار بإتجاه الإنخفاض.وفى نفس الوقت سوف تحصل الحكومة على إيرادات أكبر بالمقارنة مع الأوضاع التى كانت تبيع فيها دولاراتها للنافذين والمتنفذين بالسعر الرسمى.وعندما تزيد إيرادات الحكومة سوف تتوافر لديها أموال أكثر للصرف على التعليم والعلاج والإستثمار لإزالة خوانق الإنتاج.وسوف تقل حاجة الحكومة للإقتراض ومزاحمة القطاع الخاصcrowd out. وتقل حاجتها لطباعة وإصدار الجنيهات السودانية لتمويل العجز فى الموازنة ووضع المزيد من الحطب على نار الأسعار.
أما الحديث عن عدم وجود إحتياطات كافية من العملات الأجنبية فتلك حجة عبثية futileلأن راعى الضان،على قول الكاتب الصحفى الطيب مصطفى، يعرف إن التحرير الكامل لسعر الصرف لا يحتاج لإحتياطيات عملات أجنبية كثيرة أو قليلة طالما الحكومة لا تحتاج للتدخل فى سوق العملات بالبيع والشراء للتـأثيرعلى الأسعار.
وأمامى وثيقة بعنوان: (مشروع البرنامج الإسعافى والسياسات البديلة للفترة الإنتقالية).وقد أعد المشروع فى الفترة أكتوبر2018 / مايو2019 بواسطة (25) باحث سودانى منهم وزير فى الحكومة الحالية.ويقول المشروع فى صفحة(13) تحت عنوان( السياسات المالية والنقدية وعمليات الإستيراد)؛ يقول: المطلوب فوراً وأرجو أن يلاحظ القارئ الكريم عبارة (المطلوب فوراً): ( إلغاء ما يسمى آلية صناع السوق التى حددت سعراً للتحويل وأصبح هو السعر الرسمى.) والمطلوب فوراً:( التحرير الكامل لسعر تحويل الجنيه السودانى مقابل العملات الأجنبية.)وما هو رد الوزير البدوى على تلك المطالبة؟

دعم ذكى......يا سلام!
درج النظام المخلوع على توفير الرغيف والمحروقات والكهرباء لكل المستهلكين المقيمين داخل السودان؛الأغنياء والفقراء بما فيهم الأجانب؛ توفيرها بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار التى كانت ستباع بها بدون دعم الحكومة .وتتحمل الخزينة العامة وهى جيب المواطن فروقات الأسعار.وربما يعرف القارئ الكريم إن الأرقام الصادرة من الحكومة تقول إن حجم ذلك الدعم قد وصل فى 2018 إلى (64) مليار جنيه سودانى(بالجديد) أو (64 تريلون بالقديم) وأستنزف (51)% من إجمالى إيرادات الحكومة.ويتوقع أن يصل الدعم فى هذا العام 2019 إلى (51)مليار جنيه سودانى(بالجديد)ويستنزف (31)%من إجمالى إيرادات الحكومة. ودعم إستهلاك الرغيف والكهرباء والمحروقات رشوة تدفعها الحكومات لأصحاب الحلاقيم الكبيرة من سكان المدن وخاصة العاصمة لإسترضائهم وإسكات صوتهم حتى ينعم الحكام بالجلوس المريح على الكراسى.ومن يدفع تكاليف الدعم هم الفقراء الذين يحرمون من التعليم والعلاج المجانى ومن فرص العمل التى يخلقها توجيه أموال الدعم إلى الإستثمارلإزالة خوانق إنتاج وتبادل السلع والخدمات .كما يتحمل الفقراء ضريبة التضخم عندما تطبع الحكومة نقود وتصدرها لتمويل العجز فى الموازنة.ويقول الوزير البدوى إنه سوف يبقى ذلك الدعم حتى نهاية يونيو 2020 وسوف يستبدله من بداية يوليو2020 بدعم (ذكى).ولكن ماهو ذلك الدعم الذكى؟
يقول الوزير البدوى إن الدعم الذكى هو إعطاء كل فرد سودانى مبلغ نقدى يصل إلى ثلاثمائة جنيه؛(300).وهذا يعنى إن كل مواطن من الأربعين مليون سودانى ، غنى أو متوسط الحال أو فقير، سوف يعطى (3600)جنيه سودانى فى السنة الواحدة.وسوف نحصل كلنا على (144000)مليون جنيه سودانى فى السنة أو (144) مليار جنيه سودانى(بالجديد).وربما يعرف القارئ الكريم أن إجمالى إيرادات الحكومة المركزية يتوقع أن تصل فى هذا العام 2019 إلى (163)مليار جنيه سودانى فقط (بالجديد).وإذا ما زادت تلك الإيرادات بنسبة (30)% فى 2020 سوف تصل إلى حوالى (212)مليار جنيه سودانى(بالجديد).وسوف يستنزف الدعم الذكى (68)%من إيرادات الحكومة.ويلا دورى يا مطبعة روب وروب وروب....

إهدار الفرصة التاريخية:
لن ينهض السودان بصرف المال فى دعم الإستهلاك ولكن ينهض بالإستثمار والمزيد من الإستثمار وبالسياسات والإجراءات الرشيدة والمسؤولة والعادلة لبناء وإطلاق طاقات السودانيين الإنتاجية وخلق فرص العمل المنتج وإستقرار أسعار السلع والخدمات(قهر التضخم) .وأكرر بناء وإطلاق طاقات السودانيين الإنتاجية.وعلى حكومة حمدوك أن تستعجل وضع وتنفيذ برنامج إصلاح إقتصادى شامل وجاد، وأكرر جاد، وعقلانى وعادل يستثمر مزاج ثوار 19ديسمبر2018 وإستعدادهم للتضحية لإخراج بلدهم من مستنقع الفقر والضعف والهوان.ويستثمر إستعداد العالم الخارجى للوقوف معنا فى حالة تبنينا لمثل ذلك البرنامج.وعلى الحكومة أن لا تهدر هذه الفرصة التاريخية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.