الفقر المطلق و الفقر النسبى أكثر التسميات و الحالات التى ارتبطت بالفقر دراسةً و بحثاً , ذهبت بعض مؤسسات التنمية على تأكيد الإمتداد السيكولوجي للفقر, على هذا السياق قد يُصَنّف أحد أغنياء السودان ضمن فقراء ألمانيا فى حال تواجده هناك, فى إحدى إجتماعتهم ذكر أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة : " إنّه بالرغم من ضخ مبالغ طائلة من الأموال لبعض الدولة لأنتشال المجتمع من حالة الفقر إلاّ أنّ ذلك لم يجدِ فتيلا" , يرجع ذلك لنمطية الحياة و الإنحباس الفكرى نتيجة ممارسة الإقتصاد القمعى لدى الدولة المعينة , مع ذلك ما زال الفقر المطلق يقاس بناءً على كمية الأموال المطلوبة لتلبية الحاجات الأساسية حسب تفسير الإقتصاديين, الدول الفقيرة لدى البنك الدولى هى تلك التى يقلّ فيها دخل الفرد عن 600 دولار فى السنة , لكن البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة وسّع مفهوم الفقر بإدخال مستوى الخدمات كمؤشر لنوعية الحياة لتشمل الصحة التعليم وعدالة التوظيف و التوازن النوعى للجندر .

هناك إجماع على أن الفقر هو حالة من الحرمان المادى الذى يتجلى فى التغذية , الصحة و التعليم و السكن و فقدان الضمانات لمواجهة بعض الظروف القاسية .كما أنّ هناك إختلاف فى تعريف الفقر على المستوى الإجتماعى و السايكولوجى بسبب إنتفاء التحليل المادى للفقر فى هذا الجانب لتجاوزه مجال المشاهدة و التجريب المعيارى , لم يكن للفقر آثار إجتماعية سالبة على البشر فى السودان بشكل ملحوظ منذ قيام الدولة الحديثة أو بعد المجاعة التى قرضت 80% من الشعب فى أواخر القرن التاسع عشر( من 8,500,000 الى 1,500,000 نسمة ) , فالسودان منذ ذلك الحين سجل مستوىً من الثراء بموارده الطبيعية التى جذبت العديد من المغامرين و الباحثين عن الثروة , ما لبث إلا قيلاً حتى حلّت عليه "لعنة الموراد" بعد منتصف ثمانينيات القرن العشرين بعد مجاعة 1984 , و منذ ذاك الحين كلما تدفقت عليه النعم غيداقاً ,أزدادت محارق الشر عليه إحراقا, مشروع الجزيرة و الذى فاق دخل المزارع فيه دخل مدير عام وزارة المالية فى عام 1955 أصبح احدى محاور " مصايد الفقر" , وبعد إكتشاف النفط وإستغلاله بلغ عدد ضحايا الحرب من نازحين وقتلى حوالى 2 مليون نسمة حتى 2005, ما هى الأسباب التى أدت إلى هذه الظاهرة !!!؟.

منذ البداية كانت جماعة الحركة الإسلامية جسماً غريباً فى المجتمع نسبة لتركيبتهم النفسية, و عدم توافق نظريتهم الإيديولوجية مع طبيعة الشعب السودانى, بالتالى ظلوا يعانون من الخوف المرضى من هذا المجتمع الذى لا يرون فيه شخوص الصحابة و تقواهم حسب تصورهم فأطلقوا عليه اسماءً تعكس وعيهم الزائف به و بالدين, مشروع التمكين ما هو إلاّ برنامج لتحرير أنفسهم من الخوف لذلك أُحيلت أموال الشعب إلى جيوب السجّان و صاحب المقصلة لتأمين الجماعة , ذكر أحد منظرى مشروع البعث الحضارى للجبهة الأسلامية أنّ أخوانه هؤلاء كانوا فقراء يسكنون فى تخوم المدينة و أقاصى الديار مع بداية دولة الإنقاذ, فصاروا أغنيائها بين ليلةٍ و ضحاها فى أمسية فَتْح أبواب التمكين, فكان الخوف من الفقر لدى الإسلاميين سابقاً و متقدماً على الخوف من الله, فأسقطت هذه النفسية على مشروع التمكين الذى قامت علية دولة الجباية , هذا الجهد الجبار الذى بزله الإسلاميون فى تأسيس دولة التمكين أوقع الشعب فى طائلة الفقر المدقع , فتحول وزراء الدولة من عناصر بناء و رُسل سلام إلى معاول هدم و سافكى دماء و من أمثال ذلك كالذي جيء به لتنفيذ مشروع الإفقار عبر برنامج تصفية السكن و الإعاشة بجامعة الخرطوم و مؤسسات تعليمية أخرى , حتى إذا نفّذ المهمة بنجاح كُوفِئَ ببرنامج تجفيف مستشفيات السودان عبر الوزراة الولائية للصحة كحكومة ظل مناوبة للوزير الأتحادى العائد عبر وثيقة الدوحة.

ما قامت به الدول الانقاذية من تعذيب البشر و تقتيلهم يُعتبر رد فعل تعويضى لرعبهم من المجنى عليه ( الشعب) الذى خُيّل لهم إنه مجرم أو كافر, جاء فى حديث الرسول صلى الله عليه و سلم (مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ.....) , حتى صار الخوف المطبق هجوماً كاسحاً على هذا الشعب الذى لا يكاد يملك قوت يومه و ظل يعانى من التشرد الوجدانى فى ربوع دياره أو تشرداً فعلياً بهروبه إلى بلاد المهجر. عبارة " لعنة الموارد " تجد مثالاً حياً فى السودان, إذ يمرّ به أطول أنهار العالم و يعانى شعبه من الفقر المائى, كل فرد سودانى يقابله 44 كيلو متر مربع من المساحات الأرضية و معظمهم يعانى من الفقر الإسكانى .سياسة التغشف التى دعى لها وزير المال الإنقاذى ,و الحجر الذى دعى له أحد الولاة لربطه على البطون , ما هو إلاّ نتاج للأوهام التى ملأت رؤوسهم ,لأنهم لا يرون فقر الشعب بل يشعرون بألم فقرهم الوجدانى , الفقر عندهم عبارة عن وسواس , فقر غير حقيقى كالذى ذكره عز و جل فى محكم تنزيله (ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ......) , هذا هو سبب الهلع و التعجل فى جمع المال و كنزه حتى و لو دعى الأمر إلى القتل , أو سرقته من كأس اليتيم و الأعمى .

ضخ الأموال فى جيوب الجياع لا يُعتبر مخرجاَ سلساً من مصايد الفقر, فالفقر أشبه بالسموم التى تتلوث بها البيئة المحيطة , ثم تنتقل إلى الجسم و أعضائه المختلفة , المعالجة لا تحتاج لعقاقير فحسب , بل تتطلب المسألة إقامة مشروع علاجى و برنامج متكامل .عندما أشتكى موسى عليه السلام من الفقر حسب الآية الكريمة :( فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) , كانت هناك إجابة متلاحقة للإبتهال و المناجاة و عاجلة لمعالجة فقره ومتلازمة لفكرة الخلاص , فلم تكن معالجات ظرفية آنية , بل كانت طويلة الأمد , كانت مشروعاً لإعادة بناء الحياة النوعية للنّبى موسى , أىّ فقرِ هذا عانى منه موسى .....!!! و كان قد رفع صخرةً لا يستطيع رفعها عشرة من الأشخاص المتواجدين فى موارد مياه مَدْيَن نواحى ديار شُعْيب حين كانوا يسقون , ألم يكن أولى له له أنْ يعمل اجيراً لدى السُقاة حتى يتحصل على ما يخفف عليه وطاْة الفقر حتى و لو إلى حين, فأى فقرٍ عانى منه موسى عليه السلام ....!!!! . لكن كان الله عز و جل عجّل له الإستجابة , ولكن لم تكن الإستجابة بقناطير مقنطرة من الذهب و الفضة و قطعان مؤلفة من الأنعام , تجلت فى الآية الكريمة (فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ... إلى آخر الآية ( فكان المقابل هو الزواج و ما أدراك ما الزواج , ضرورة حياتية فى مرتبة بعد الغذاء مباشرة, فالغذاء لحفظ الحياة الفردية و الزواج لحفظ الحياة الجماعية ( حفظ النوع), و هكذا ليعطى الله موسى ثراء طائلاً بعد أن سهّل له طريقاً إلى الزواج و كان الخروج النهائى من دائرة الفقر , المعالجة التى تمت كانت معالجة هيكلية فى مكونات المجتمع , اذن ليس الفقر و الغنى نقيضان , فليس هناك تناقض فى الكلمتين المتتابعتين فى فى الآية (إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ....) و ليس الخروج من دائرة الفقرة يعنى الدخول فى بحبوحة المال . ما فعله إسلاميو الجبهة الإسلامية كان مناقضاً لهذا المفهوم, المعرفة الفاترة و الوعى التصورى و حياكة المكر على الله كانت هى الظروف التى تشكلت فيها منظومة "القراصنة و البلهاء" التى أستصدرت فرماناً فُتح به أبواب الحرام, حتى أستباحوا مصارف الزكاة و مال اليتم و قوت الفقير , و الربا و ما أكل السبع .
عاش السودان مستويين من الفقر: الفقر الإقتصادى الذى تجرأ كاسه عامة الشعب , والفقر الوجدانى و الإجتماعى الذى أصاب الإسلاميين فأوردوا البلاد مهالك الفقر المدقع حيت قضوا على الأخضر و اليابس . " مصائد الفقر " مصطلح يشير إلى صعوبة التعامل مع الفقير الذى أرتبط فقره بالوجدان , كلما أُخرج من بئر الفقر نهاراً عاد اليها ليلاً, هل تعلم ان شدة الفقر الذى يعانى منه الشعب السودان حالياً من أسبابه مشاريع التنمية التى ظاهراً أُريد بها رفع مستوى المعيشة و فى الواقع لم تكن , لأنّ الوسائل التنفيذية لم تكن مؤهلة لذلك , الإستثمار فى النفط السودانى أدخل البلاد فى قضايا إنسانية و بيئية معقدة بسبب واسائل التنفيذ, بعده أتّسع البون بين الفقير و الغنى , و هذا ما يُسمى بالمرض الهولندى(Dutch disease ) . نمى و تطور الوعى الزائف فى أذهان الإسلاميين بالعالم المحيط حتى تولّد عنه الإقتناع و التسليم بأن 98% من الشعب السودانى إسلاميون و ما تبقى شذاذ آفاق , و نفس تلك الأذهان قد أصابها العوز الإدراكى فى فك طلاسم سقوط الجبهة عندما لم تستطع جموع الـ 98% هزيمة شرذمة الشذاذ الـ 2%. فلنقل إذن أن رُسل الثورة قد أطاحوا بفراعين النظام الإخوانى. ولكنهم ما زالو يهددون الشعب الثائر, زعم الفرزدق بأن يقتل مربعاً فأبشر بطول سلامةٍ يا مربعا.

عبدالرحمن صالح احمد( ابو عفيف)
رسائل الثورة (10) 3/10/2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
facebook:Abdurrahman Salih

//////////////////////