من المتوقع ان يحدث ما حدث اليوم لكل قارئي حصيف لسياسات المجلس الانقلابي الذي اتخذ من التفاوض فرصة ثمينة في داعمة اركان انقلابه والتخلص من خصومه في القيادة العسكرية والسياسية من عناصر النظام السابق.

اتخذ المجلس عدد من التكتيكات السياسية في سبيل التمكين:-

١- كون المجلس ما يسمى باللجنة السياسية لمرواغة القوى السياسية و كذلك لتهدئة الشارع و امتصاص حماسه الثوري المصادم، و ذلك من خلال إظهار الجدية و الرغبة الأكيدة في التعامل مع مطالب قوة اعلان الحرية و التغير حتى يتسنى له كسب الوقت لإعادة ترتيب حساباته السياسية و العسكرية.


٢- ادرك المجلس هشاشة التحالفات التى تكون قوى اعلان الحرية و التغيير ، عليه اعتمد منذ البداية على نقاط ضعفها واستثمارها جيداً ، وقد ظهر ذلك بوضوح في الكثير من النقاط الخلافية بين مكونات القوة السياسية و اثرها على موقفها التفاوضي الذي أعطى الأسبقية للمجلس العسكري. و من اعظم اخطائها انها تركت حلفائها في الحركات المسلحة للتفاوض مع المجلس تحت رعاية إقليمية وفصل قضيتها عن ميثاق قوى اعلان الحرية و التغير التى وقعت عليها الحركات المسلحة نفسها.


٣- ادعى المجلس الحياد في التعامل مع القوى السياسية ما عدا المؤتمر الوطني فهرولت التيارات الإسلامية بما في ذلك بقايا النظام السابق نحوها ، فاعطتها الأمان و حرية العمل و الحماية لمواجهة قوى اعلان الحرية و التغير وذلك لتشكيل رأي سياسي يعرقل نقل السلطة لقوى اعلان الحرية والتغير. أراد المجلس ان يظهر من هذه الزوبعة ان هنالك اكثر من قوة سياسية فاعلة في الشارع ولكنها متناحرة و غير قادرة على إدارة البلاد، عليه إراد المجلس يقدم نفسه على انه المنقذ للبلاد و العباد، الأمر الذي يباركه تيار الجماعات الإسلامية حتى لا يأتي التغيير بخصوم ألداء في ظنهم يقومون بتصفيتهم من الجزور لذلك يفضلون المجلس عليهم . وصف حميدتي المشهد بمقولة ( بلدكم دي ذي الجلابية المشمسة محل ما مسكتها تنشرط) و يقصد بها القوى السياسية.


٤- أعلن المجلس عن أموال طائلة من العملة الصعبة تم الاستيلاء عليها من خزائن عناصر النظام السابق و كذلك تسربت معلومات عن وديعة مليارية من السعودية و الإمارات رغم نفيها لاحقاً تظل الشبهة قائمة طالما اصبح حميدتي وزير مالية متجول يقوم بصرف ما يشاء ولمن يشاء من الموظفين حسب تقديرات الولاء و التحيد و الإسكات. اخطر ما في هذه الأموال من المؤكد انها صرفت على الأجهزة النظامية ممثلة في القوات المسلحة و الشرطة بعد اعادة ترتيبها بواسطة رئيس المجلس العسكري و ذلك بإحالة مجموعة من الضباط الوطنيين للمعاش في الفترة السابقة و صعود من هم اكثر ولاءً لرئيس المجلس. ادرك المجلس انه لا يوجد طليعة ثورية في صفوف ضباط القوات المسلحة وان الذين انحازوا للثورة اصابهم ما اصاب الشارع العام من احباط و ضنك في العيش ، بالإضافة الى الإحباط العام من سياسات الدولة الرامية الى تغيب دورة القوات المسلحة و اهمالها ما عدا الرتب العليا من ضباط النظام ، ذلك بتوكيل مهامها الى اجهزة أخرى مثل جهاز الامن و مليشيات الدعم السريع و عليه ارادت القوات المسلحة ان تنتصر لذاتها و للشارع من خلال هذه الموجة الثورية. عكف المجلس في الفترة السابقة لمعالجة الأوضاع المعيشية لضباط القوات المسلحة و الشرطة بصرف سخي من المرتبات و وعود اصلاحية أخرى تحت الطاولة . يبدو ان خطة المجلس في تحيد صغار الضباط قد نجحت تماماً و وضحت جلياً في احداث اليوم.


٤- صعود حمديتي في الواجه السياسية بثقة متناهية ومباركة واسعة من قطاعات شعبية ممثلة في الإدارات الاهلية و وكيانات أخرى واظهار كرمه بسخاء مع هؤلاء وكذلك ، أُفردت مساحة إعلامية واسعة لتغطية مسرحياته السمجة علي انه رجل بسيط و صادق و هميم يحرص على استقرار البلاد وزاهد في السلطة و تراه يقسم على ان القوى السياسية ان كانت جاهزة لسلمها السلطة اليوم قبل الغد ولكن الأمر دون ذلك، مما جعل الجهلاء و المنتفعين بكل وقاحة يرددون انه رجل المرحلة ويهتفون بحياته حتى خُيل لحمديتي ان السياسية عبط و خطاب مبتزل وان الكفاءة و التأهيل غطرست أفندية يمكن وضعهم تحت امرته بالمال لتحقيق تطلعاته و رغبته الجامحة في الانفراد بالسلطة مع حلفائه في المجلس و قد كان له ذلك للأسف.


٥- قام المجلس بتحركات سريعة في الفترة السابقة علي الصعيد الإقليمي و دول الجوار لاطلاعهم على الأوضاع الداخلية ومدى جاهزيتهم لإعلان انقلابهم و بارك المحور الثلاثي ، التى تشكله الإمارات ، السعودية و مصر الخطوة بعد ان اطمأنت على تفاصيلها و كذلك تشاد التى تخشى انتقال الثورة اليها ان نجحت في السودان و وعدت هي الأخرى بكل ما هو ممكن بما في ذلك نقل ضرورة هذا الفعل لحفائها الغربين خصوصاً فرنسا وكذلك وعد المحور الثلاثي بالتأثير على المحور الدولي من خلال علاقاتها و مصالحها المشتركة معها. فعادة رئيس المجلس و نائبه من جولاتهم الخارجية بكل سرور و حماس للقضاء على الحراك الثوري.

٦- يبدو ان للمجلس تفاهمات مع بعض القوة السياسية المدنية و المسلحة تحت الطاولة لمشاركتها السلطة في مرحلة لاحقاً بعد القضاء على حراك الشارع و إحكام السيطرة


٧- كل هذه العوامل أعطت المجلس الضوء الأخضر لفض الاعتصام و اعلان انقلابه على الملأ.


٨- من الواضح اعتمد المجلس خطة النموذج المصري الذي أملاه المحور الثلاثي علي المجلس ذلك بان يقوم المجلس بفرض سيطرته بالقوة و اعلان انتخابات صورية تأتي برئيس المجلس رئسياً شرعياً على طراز السيسي، ولكن لا أظن ان النموذج المصري يناسب الحالة السودانية بما ان مراكز القوى في النموذج السوداني غير المصري الذي تشكله مؤسسة عسكرية قومية و متماسكة ، أما النموذج السوداني تتحكم فيه مراكز قوى مختلفة و كلها مليشيات قبلية الفرق بينها في التنظيم و التاهيل؛ موسسة القوات المسلحة على رأسها مليشية قبلية تنحدر من رقعة جغرافية محددة و كذلك جهاز الامن و المخابرات كمركز قوى تتحكم فيها نفس المليشية و هما اكثر تنظيماً و تأهيلاً من حلفائها في مليشيات الدعم السريع و ربما في المرحلة القادمة تدخل مليشيات قبلية أخرى تمثلها المجموعات المسلحة و من المتوقع جداً ان تتكتل هذه المشيات و تتصارع على السلطة و ينتهي مصيرها الى النموذج الليبي.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.