تواجه التعددية الإثنية والثقافية في إفريقيا والإقليم العربي تحديات جمّة ومنعطفات حقيقية، في اتساق طبيعي مع موجة التحولات التي تمر بها المنطقة المأزومة بسيطرة مجموعات ثقافية محددة مع إقصاء المكونات الأخرى داخل الدولة الواحدة، وبرغم تباين الأسباب والظروف من دولة إلى أخرى بيد أننا نلفى نتائج متشاكلة من تململ أو احتجاج أو نزوع نحو التطرف في الطرح المفضي إلى التفتت. 

وأوضح ما يمكن أن نسقط عليه هذا الافتراض هو السودان بوصفه أحد النماذج التي تعاني هذا المأزق، فالإخفاق في إدارة تنوع الدولة العرقي هو بالأساس إخفاق وقصور أدوات السياسة ومعضلة فهم لطبيعة تكوين القطر الاجتماعية؛ فسيفسائية التركيب، علاوة على عدم استثمار الرصيد الثقافي الضامن لتحقيق الوحدة الطوعية وحفز أطياف المجتمع كافة للانخراط في بناء الوطن. إن سياسة فرض رؤية أحادية تقوم على إقصاء العرقيات الأخرى، لم تُورث في نهاية المطاف غير هدر مقدرات الدولة وتفكيك بنيتها والقعود بها عن النهوض الحضاري. وفي مثل هذه الظروف تبرز الحاجة الملحّة لوسائط الإعلام (الرسمية منها على وجه خاص) التي يُناط بها دور متعاظم لخلق الفرص نحو صياغة الشعور القومي عبر خطاب إعلامي يُراعي تمثيل الجميع، ويتزايد الرهان عليها لتلبية تطلعات المجموعات العرقية نحو الانفتاح والتعبير عن الذات والمشاركة مع الآخرين على قدم المساواة لتحقيق المزاج المشترك. فالإعلام الحكومي (الرسمي) يظل أحد أدوات بناء الوحدة الوطنية وتحقيق الهُوية الجامعة وذلك من خلال عكس لوحة وطنية تستطيع جميع المكونات العرقية والثقافية المتعددة أن ترى نفسها ممثلة فيها دون تمييز لأحد أو مجموعة على حساب أخرى. ولكن الملاحظ أن الإعلام هذا واجهته مشكلات عويصة في طريق الاضطلاع بهذا الدور الهادف إلى تعزيز الهُوية المتعددة للوطن الواحد، لا بل أضحى محل امتعاض المجموعات الثقافية السودانية الطرفية التي لا تجد التمثيل المناسب للتعبير عن ذاتها الثقافية في ظل سيادة هُوية مسبقة وسمت شكل ومضمون الدولة.
وعلى ذكرها، فإن الهُوية تُعد الماعون الجامع للمشتركات التي تعيشها الأمم والشعوب فيما بينها، في بقعة جغرافية وحقبة تاريخية معينة، وتكون هذه المشتركات بمنزلة المؤطرات والأواصر التي تدلّل على كُنه الأمة من جانب العرق أو الدين أو الثقافة، وقد تجتمع في الأمة كل هذه الجوانب أو بعضها، ولكنها بالمجمل تشكل جزءاً مهمّا من المحددات التي يمكن عبرها توصيف هذه المجموعة البشرية أو تلك. وقد تشتمل الهُوية على أكثر من دين وأكثر من لغة وأكثر من عرق، وتكون الهُوية بهذا قد تجاوزت الأُطر المحددة لها لتصل إلى فكرة القومية أو الوطنية. وقد قسّم -في هذا السياق- بعض المهتمين الهُوية إلى مفهومين: (الهُوية المحافظة) وهي تلك التي تستمد وجودها وفلسفتها من خارج ذاتها وبمنأى عن إرادتها، وقد يكون هذا الخارج وجوداً طبيعياً أو إلهاً أو تاريخاً أو ثقافة أو ديناً أو قومية، وعندما يقوم خطاب الهُوية على أحد هذه العناصر أو بعضها، فإننا نصفه بـ(المحافظ)، لكونه لا ينطلق من داخل الذوات بل من خارجها، ولذلك سيرغم الذوات على تكييف هويتها الذاتية وفق هُويات قبْلِية جاهزة. ومفهوم آخر هو: (الهُوية الفردية - المتحررّة) ويستلهم الوجه الآخر للهُويّة، وما تحوي من قيم الاختلاف والتفرّد والمغايرة والنسبية، وتتركز هموم الهويّة الفردية الحديثة على تكثيف وتيرة التحرّر من كل أشكال التبعية، ومصادرة الهُويات الجاهزة وعدم الاكتراث بعموم الارتباطات الموضوعية، التي شكّلتها بوصفها ذات حرّة وفاعلة.
إن الهُوية في المقام الأول وعي وإحساس فردي أو جمعي بالذات -بتعبير هنتيغتون- وما تمتلك (هذه الذات) من خصائص تميزها عن غيرها، فالوعي بهذه الخصائص وفهمها شرط ضروري يجعل الفرد أو الجماعة على درجة من الفهم للواقع الاجتماعي والثقافي، ومن هنا يمكن القول إن الهُوية تمثل المؤشر الذي يمكن للفرد عن طريقه معرفة نفسه في علاقته بالجماعة. وبهذه المحددات أضحت الهُوية سلاحاً بحدّين، فإما أن تكون –في حال أُحسن استغلالها- قادرة على إنتاج الوحدة الثقافية من الكثرة المتعددة، أو تكون بفعل سوء توظيفها أو التزمت في التمسك بها مصدراً للتفسّخ والتفتيت خاصة في المجتمعات الرخوة التي تواجه خللاً بنيوياً في تركيبها يدفعها إلى التفكك والتشظي إلى هُويات ثانوية هشة، على عكس ما كان مرجو منها.
اما وسائل الإعلام ففي ظروف المجتمعات التي تعيش تعددية ثقافية أو دينية كهذه التي نتحدث عنها، فإنها تتجاوز الوظيفة الأساسية لها في الإخبار أو الترفيه، وتتضافر جهودها لصهر التعددية عبر تقديم خارطة عملية لإنتاج كتلة اجتماعية متعددة في أصلها متحدة في مشروعها الوطني، وذلك لبناء هُوية وطنية تتخطى الانتماء الأولي القائم على أساس العرق أو الدين أو الطائفة، فوسائل الإعلام يُنتظر منها خلق علاقة تبادلية بين الثقافات المتعددة داخل القطر الواحد، بما يحقق الوحدة التي تجعل من المواطنة وحدها أساس لكل الواجبات والحقوق، دون الالتفات لأي تمايز عرقي أو ديني أو ثقافي. فالانكفاء على الانتماء الأولي البسيط المتمثل في العرق ثم اختزال الوطن كله في هذا الانتماء، قد أفضى ببعض أبناء السودان إلى إقصاء الآخرين من المجموعات الأخرى والنظر إليهم على أنهم دونهم في المستوى، وبالتالي تجاوزهم في عملية بناء الوحدة الوطنية أو التحامل عليهم في توزيع ثروات البلاد بصورة غير ضامنة للعدل والمساواة المفضية إلى تحقيق حالة من المواطنة القائمة على الرضى. وقد قالها المرحوم (عبدالله بولا) إن اختزال وضع السودان في عرقية محددة أو ديانة معينة ثم التعاطي مع هذا التوصيف كحقيقة مسلّم بها قد كان سمة بارزة عند النخبة السودانية الحاكمة.
وهذا بدوره ألقى بظلاله -بوعي أو بدونه- على سلوك ونظر القائم بأمر الإعلام الرسمي على مدى عقود طوال، فالمعضلة العويصة التي أشرنا إليها آنفاً والتي تواجه إعلام الدولة الرسمي تكمن في عدم إحاطته وجهله أو تجاهله لطبيعة البلاد المترامية الأطراف والمتعددة الثقافات واللغات والأعراق، وأن كل هذه التعددية في حاجة لصاقل يصنع منها قطعة واحدة تُمثِّل كافة الأطراف وتخاطب كافة الأطياف دون ميل أو تجاوز بما يسهم في إنتاج الوحدة من الكثرة المتعددة. وقد أتى على وسائل الإعلام هذه حين من الدهر لم تنهض بذلك إلا بمقدار تحقيق الأهداف قصيرة الأجل وبما يكرّس لسلطة النخبة الحاكمة، حتى استحالت جماهير تلك المناطق البعيدة النائية إلى جماعات غير مكترثة بمخاطبها الفوقي وخطابه الأجوف، ومتريّبة من سبقه الخبري الملون برغبات الطبقة الحاكمة، الطامعة في تأييد أو حشد لا أكثر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.