ولما اصطلح الخبراء على أن الدعاية تمثل نشاطاً كلامياً أو رمزياً أو نحوه يتقصد صاحبه لفت انتباهـ الآخرين أو محاولة السيطرة علي سلوك الناس في مجتمع وزمان معينين وبغرض مطلوب ومقترن غالباً بمجالات الاعتقاد والقيم غير المتفق عليها بين الجماهير، فقد عكفوا –أي الخبراء- على تبويب الدعاية وحددوا مساقات متعددة لها كالسياسة والثقافة والأيديولوجيا، وكذا الحال الدِّين، بما أسموه الدعاية الدينية. وذلك من باب أن الظاهرة الدينية ظلت على امتداد التاريخ قائمة أساساً على الترويج والدعوة والحشد من خلال تقنيات الإقناع بما فيها الترغيب أو الترهيب وبحسب الموقف، مع أو ضد. ومن نافلة القول إن كثيراً ما قامت الحروب والصراعات من أجل الدين، وكثيراً ما سقط القتلى وسُفكت الدماء وتشرد البشر بأعداد تتجاوز الحصر في سبيل الأفكار المقدسة أو التي تقوم على أساس مقدس؛ مشهوداً كان أم ميتافيزيقياً. ولما كان الأمر كذلك فإنه مما ليس منه بد أن تشهد الصراعات والحروب (التي هي بالأساس على اعتقادات وأفكار) تطوراً في ابتكار الأدوات على مستويات الإنتاج الدعائي العقلي، ولا يُرى في ذلك بأساً فالدعاية صنعة مهمتها الإقناع والتأثير والدين مشروع هدفه التأثير وغرس القيم مستخدماً ما يتوفر لديه من أساليب إقناعية وجدانية أو عقلانية. بيد أنه بالمقابل يمثل أحد الوسائل التي لقيت استغلالاً بشعاً من منتهزي الفرص الذين جعلوه مطية للوصول إلى غايات ومصالح محصورة، فبوصفه خطاباً عاماً شكل الدين مادة خصبة لدى الكثيرين لتقديم الخُطب الشعبوية المغلّفة بالخداع وتزييف الوعي بما يضمن لهم اصطفاف العقل الجمعي لدى الناس لنصرة فكرتهم "الدينية". كيف لا وهي التي قد تحرز لهذه الجماهير السعادة في حيواتهم الدنيا وتضمن لهم الخلاص في ما بعد الدهر الدنيوي والظفر بالوعد الإلهي، وقد أفلح هذا النمط الدعائي أن يقدم لعباد (الله) نماذج تطبيقية من المنهج المقدس التي يُفترض بإنجازها تحقق نيل الرضى الإلهى أو تحصيل الزُلفى بمحاربة أعداء (الله) الذين يحولون دون تحقيق مراده في الأرض، وقد وقع هذا ممن عُرفوا برجال الدين في زمان أثينا ومقدونيا الغابر، ونهض به بعض اليهود لتحقيق معادهم المقدس وحدث في الحروب التي أشعلها منتسبون إلى المسيح فسموها (حروب الرب). وإليك قطعة من خطبة البابا أوربان التي ألقاها بالمجمع الكنسي بـ(كليرمونت - جنوب فرنسا) في 27 نوفمبر 1095م، والتي كان لها أثرها البالغ في نفوس المسيحيين، مُلهبة حماسهم وأصابتهم بحالة أشبه بنوبة حادة من الجنون كما وصفها المؤرخ والكاتب الفرنسي (غوستاف لوبون) إذ ينقل عن البابا قوله: "يا شعب الفرنجة، يا شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت من تخوم فلسطين، أنباء محزنة تُعلن أن جنساً لعيناً أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في بلاد المسيحيين في الشرق؛ ونهب الكنائس وخربها وأحرقها .. وقطّعوا أوصال الإمبراطورية البيزنطية، وانتزعوا منها أقاليم بلغت من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين .. على من إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم؟ أنتم يا من حبَاكم الله أكثر من أي قوم آخرين بالمجد في القتال وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على إذلال رؤوس، من يقفون في وجوهكم؟ ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم، وليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة. لا تدعوا شيئاً يقعد بكم من أملاككم أو من شؤون أسركم، ذلك بأن هذه الأرض التي تسكنونها الآن والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار، وتلك الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين وتكاد تعجز عن أن تجود بما يكفيكم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، وتتحاربون ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية. طهروا قلوبكم إذن من أدران الحقد، وأقضوا على ما بينكم من نزاع واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، فهي فردوس المباهج. إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجداً لا يفنى في ملكوت السماوات". وفي هذا الخطاب المفعم فإنه لا تخفى على القارئ الأبعاد الدعائية التي خلط فيها البابا بين الروحي والمادي، فهذه الحرب بقدر ما فيها من خلاص من الذنوب، إلا أنها تحمل في طياتها غنيمة لا يمكن تجاهلها فأورشليم (فردوس المباهج). وقد كان للبابا ما أراد فقد أفاد المؤرخون أنه بعد أن أنهى خطبته مباشرة، صاح المجتمعون صيحة رجل واحد قائلين هكذا أراد الله، ولم يكد ينتهي من خطابه هذا، حتى نهض إليه الأسقف (أدهمير دي مونتيلن) وركع أمام قدمي البابا، والتمس منه الإذن بأن يلحقه بالحملة المقدسة، وأمام هذا الموقف المؤثر تحركت مشاعر المجتمعين وتدافعوا بالمئات يركعون أمام البابا مثل أدهمير في حماس منقطع النظير وحملوا الصلبان وحلفوا جميعاً على تخليص المدينة المقدسة. 

إن لهذه الملامح من الصراع بين الأديان تتوفر بكثرة وما عرضنها يُعد مثالاً لا حصراً، وحتى في الإسلام فإن ما يُشاكل خطب التعبئة هذه وافر في صراع الطوائف والفِرَق الإسلامية حتى فيما بينها، فما قامت فِرقة إلا وكان وجه الله مبتغاها المُعلن، وأن غيرها غارق في ضلال كبير وتيه عن مقصد الله، بما يستوجب سوقه إلى طريق الله طوعاً عند بعضها، أو بقوة السلاح عند الغُلاة منها. وفي ظل تركة تاريخية معقدة ومشحونة بالمذهبيات والتيارات المتشعبة التي لم تسلم صراعاتها من الدماء والعنف المروع داخل أمة الإسلام، وفي سياق واقع جديد مشحون أيضاً بجملة من الصراعات والطوارئ في محيط الأمة الخارجي وداخل بنيتها الاجتماعية والثقافية، فإن المسلمين بلغوا شأواً بعيداً من راديكالية التمترس حول الفِرَق والمذاهب والتيارات، واستحالت مسألة الخلاف المذهبي إلى أداة حالقة تجاوزت الخلاف المجرد إلى مرحلة إلغاء الآخر واتهامه وتكفيره ولعنه وقتله إذا لزم الأمر.
وعلى ذات المنوال فإن الحركة السلفية السودانية طرحت نفسها للناس بوصفها النموذج الأمثل للإسلام وأن الآخرين بجهلهم أو فسقهم أو ابتداعهم أو كفرهم قد فارقوا الدين فراقاً صريحاً وأن الطريق أمامهم غير سالكة إلا بالعودة إلى ما كان عليه سلف الأمة من لدن رسولها الكريم ومن تبعه بإحسان في قرونه المشهودة بالخيرية. ثم ما لبث أن ألفيناها نفسها (أعني الدعوة السلفية) وقد انقسمت على نفسها انقسامات مذهلة، وما يذهل في انقسامها حقاً هو ما أبدته تياراتها المنقسمة فيما بينها من بأس شديد على منابر المساجد وخُطب الوعظ حيث السُباب والشتم وغيره من أدوات التلاسن التي كانت موجهة فيما سبق لأهل الضلال والفُسّاق المبتدعة، لتقف هذه الشواهد حاضرة ودالة على ضيق الخطاب السلفي بالآخر وعدم القدرة على احتمال اختلافه حتى وإن كان هذا الآخر نصير الفكرة وحامي أصولها، فهو ملفوظ ومطرود بطرْقه الجديد المُغاير.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.