تهتم الحكومات بربط علاقاتها الخارجية مع نظيراتها في المحيط الدولي عبر إنشاء بعثات دبلوماسية بمختلف مسمياتها لرعاية مصالحها السياسية والإقتصادية والقنصلية وغير ذلك. وتمثل البعثات الدبلوماسية القنوات الرسمية لممارسة النشاط الخارجي لأي دولة. ومع ذلك تصاعد في الآونة الأخيرة تساؤل وسط عدد من المثقفين في بعض الدول النامية يدور حول مدى حاجة الدول وخاصة الفقيرة منها, إلى التوسع في إنشاء بعثات دبلوماسية جديدة في هذا العصر الرقمي؟ أو إلى الإبقاء على تلك الموجودة أصلاً؟
وتأتي أهمية الإجابة على ذلك التساؤل لتزايد الأزمات الإقتصادية الوطنية والعالمية التي تجبر الدول على إتباع سياسات إقتصادية متقشفة. مما يستدعى مراجعة الأسباب الموضوعية وراء عدم الرضى الشعبي على أداء بعض البعثات الدبلوماسية للدول النامية. وهل هي فعلاً تستهلك ميزانيات ضخمة مقابل مردود يمكن وصفه بالضعيف؟ وذلك في ظل الإفتراض بأن الصرف على البعثات الدبلوماسية بالخارج قد يُكلف الدولة أموالاً طائلة كان يمكن أن تحول في نظر المتسائلين إلى أوجه صرف أخرى في الداخل يرون أنها أكثر أهمية من التمثيل الخارجي للدولة. فما هي جدوى وجود بعثات دبلوماسية متعددة لدولة فقيرة؟
بالتتبع التاريخي لتطور عمل البعثات الدبلوماسية عبر النظر في ما كتبه المختصون في الشؤون الدولية نجد أن الدول مهما كانت فقيرة فهي تحرص على إقامة تمثيل دبلوماسي تقليدي بالخارج. وذلك لأسباب مختلفة, أهمها تأكيد وجودها " كدولة" في المجتمع الدولي. وعلى الأخص في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية التي تمنح أصواتاً متساوية للدول بغض النظر عن وزنها السكاني أوحجمها السياسي أو قوتها العسكرية.
وبالرغم من التطور التقني الهائل في وسائل الإتصال الحديثة وتكنولوجيا المعلومات. والتي جعلت القادة والمسؤولين في الدول المختلفة قادرين على التواصل المباشر بالصوت والصورة. إلا أنه يصعب جداً تحقيق أهداف السياسية الخارجية للدولة بمجرد التواصل المباشر بين رؤساء الدول والمسؤولين الحكوميين. بإستخدام ما توفر من وسائل التواصل الحديثة, وإنفاذ الزيارات على مستوى رأس الدولة. وذلك في إطار ما يسمى بدبلوماسية رأس الدولة ( الدبلوماسية الرئاسية أو الملكية).
ويرجع السبب إلى أنه لا بديل عن وجود السفراء والدبلوماسيين الشخصي في عاصمة دولة التمثيل في حالة الدبلوماسية الثنائية, أو في المنظمات الإقليمية والدولية المنتشرة حول العالم في حالة الدبلوماسية متعددة الأطراف. لأن ذلك الوجود يسمح لهم بالقيام بمهام بناء علاقات عمل وصداقة مباشرة وشخصية مع المسؤولين في دولة التمثيل, ومع نظرائهم من الدبلوماسيين الأجانب. كما يوفر وجود السفير في دولة التمثيل الفرصة له لمقابلة رأس الدولة وكبار المسؤولين بصورة متكررة. مما يسهل له الدفاع بصورة شخصية عن مصالح دولته وشرح هموم وقضايا مواطنيه المغتربين أمام الحكومات والجهات الأجنبية. خصوصاً وأن تطوير آليات حماية المغتربين بالخارج, وتشجيعهم للإنخراط في الإستثمار ببلادهم أصبحت من أهم أهداف السياسة الخارجية.
إلى جانب ذلك فإن متابعة أهم الأحداث بمنطقة التمثيل وكتابة التقارير التحليلية عنها من (أرض الميدان) يعتبر من صميم عمل الدبلوماسيين. وهو أمر لا يمكن أن يستغني عنه صانع القرار. وذلك في ظل الحاجة الدائمة إلى تقارير تحتوي على تحليل معمق يجاوب على أسئلة قيادة الدولة حول المواضيع المهمة. ويساعد على توجيه سياستها الخارجية تجاه دولة التمثيل بالصورة المُثلى. علماً بأن الدبلوماسيون يعملون في أحيان كثيرة في مناطق حروب ونزاعات وأزمات إنسانية وكوارث طبيعية تمثل خطراً حقيقياً على حياتهم. وهي صورة مغايرة لتلك المتمثلة في أذهان العامة والتي تتخيل الدبلوماسيون وهم يقضون جل وقتهم في حفلات الإستقبال والتنقل بين عواصم الدول.
ولا جدال في أن سهولة وتوفر السفر الجوي السريع جعلت كُلفة إرسال مبعوثين خاصين لتغطية العلاقات الخارجية مع الدول الأجنبية أقل كُلفة من الإحتفاظ ببعثة دبلوماسية مع طاقم كامل في دولة التمثيل, إلا أن مجرد وجود السفارة في بلد التمثيل يعتبر دليلاً مادياً على جدية وحرص الدولة المُرسِلة على تطوير وتقوية العلاقات مع الدولة المُضِيفة. علماً بأن مردود عمل السفارات قد لا يظهر بصورة مادية ومباشرة. وعادة ما يظهر على المدى الطويل بإعتباره عملاً تراكمياً ويحتاج إلى صبر ومثابرة ورعاية ليثمر ويزدهر. لذلك فإن تكرار السؤال عن جدوى وجود سفارات متعددة للدول الفقيرة, أو للدول التي تمر بأزمات إقتصادية قد لا يكون صحيحاً تماماً. لأن وجود السفارات يعتبر ضرورة لا غنى عنها مابقيت المجتمعات البشرية.
إن ما يحتم وجود السفارات في الأساس هو مِصداق قوله تعالى في الآية 13 من سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا, إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). فأي شئ أفضل من النشاط الدبلوماسي لتفعيل التعارف والتعاون وتبادل المصالح بين شعوب الأرض مختلفة الاعراق والثقافات؟ فسُنة الحياة إذاً هي الإنفتاح على الآخر وليس الإنغلاق على الذات. ولذلك فإن أي دولة تضعف أو تنعدم دبلوماسيتها في هذا العصر لن يكون لها موقع يذكر على الصعيد الإقليمي والدولي. وستعاني داخلياً من ضعف أو إنعدام تحالفاتها السياسية وتبادلاتها التجارية وحتى نشاطاتها الثقافية مع الدول الأجنبية.
ختاماً فإن الدول النامية في الوقت الحالي بحاجة ماسة إلى الإهتمام بتوجيه نشاطاتها الدبلوماسية نحو القطاعات المهمة كجذب الإستثمارات الأجنبية المباشرة, وتوقيع إتفاقيات ثنائية ومتعددة لخدمة التبادل التجاري, وفتح أسواق خارجية جديدة لصادراتها, والحصول على المساعدات التنموية من الدول المانحة. وجميعها أمور يمكن أن تقوم بها السفارات بكفاءة, خصوصاً إذا توفرت لها خطة عمل واضحة ومُحكمة. وتركز على جوانب محددة كالجانب الإقتصادي على سبيل المثال. وذلك لأن الدول النامية لا يمكن أن تتطور إقتصادياً وتقلل الفجوات المعرفية والإقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة بصورة منفردة. دون أن تحتاج إلى الدخول في تحالفات سياسية ودبلوماسية وتكتلات إقتصادية متنوعة مع مختلف الشركاء من الدول المتقدمة القوية. في عصر يتميز بالرأسمالية المتوحشة والجشع والإستغلال للضعفاء.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.