حدثنا عزو عن جانكوف فقال:

جاء ابي لزيارتي في نيويورك، في اواخر عام سنة كبيسة، ففرحت بزيارته ورؤيته فرحاً عظيماً، فعزمت على اخذه، في صبح من الشتاء النيويوركي المشهود له بالقسوة، للفسحة، والتنزه والفرجة في طرقات ومولات البيق ابِل، كنت ولبخته العظيم، قد تمكنت من شراء سيارتي الليموزين الفاخرة، شيفروليه سبيربان، المجهزة باحدث تقنيات الملاحة والتدفئة، تجلبب وتعمم وتلفح، فتحت له الباب، فولج الثلاجة السوداء، جلست انا في مقعد السائق و
فرررررروم.... كما تقول مجلات الكارتون
هدر الحديد الامريكي الما يحتاج، نظرت ناحيته، فلحظت جسده الرقيق يرتعد داخل السيارة لحظة دخولنا، اشعلت من فوري اجهزة التدفئة، فرررروووم كذلك، وطمأنته بان يتحمل لدقيقة، وبعدها ستحس وكانك في الفاصل المداري،
والله بعد شوية يا ابوي تحس كانك في امبده والكهربا قاطعة، وفي رمضان
ضحك ابي في اقتصاد كعادته، وقد شع نور الاطمئنان علي وجهه.
وبما ان المقاعد كانت متجمدة، نسبة لبقاء السيارة لليلة كاملة في الخارج، فقد قمت سراً بتشغيل التسخين في مقعده، لم اعلمه بذلك، قلت لنفسي، اتركها مفاجأة سارة، احصد منها متعة وانساً، وامنحه تجربة انسانية عولمية، تكون إضافة لزاد اقاصيصه، يحملها معه، ليقصها في مجلس اصدقائه، من الختيارية، في محفل تندرهم وانسهم، عقب صلاة العشاء، قضيت الوقت كله بعد ذلك، انظر ناحيته، وكلي شوق في انتظار ردة فعله، ولكنه ولخيبة املي، كان منشغلاً بالنظر للداشبورد، والاضواء الملونة والازرار، غارق لشحمة اذنيه في جلال مديح "الام بي ثري"، ناعياً ذكريات الهلمان ستين، والبوكس تمنية وسبعين، يقلب ناظريه ويديه حسرة واشفاقاً، يدندن بالمديح ويهمهم بالاستغفار تارة، ويسب الكيزان، في وسط هذا الكوكتيل من المشاعر.
تحركنا في موكبنا، تجاه داونتاون مانهاتن، وبرودواي، مررنا بمسارحها التي اخرجت القطط وشبح الاوبرا، تمنيت في قرارة نفسي، قلت عله يري بصمات وودي الن وميا فارو، او يسمع تنويعات بني قوودمان علي الكلارنيت، او يحسو معي كوب شاي بالعسل، في مقاهي الفيليدج حيث كان يجلس بوب ديلان، يخرج روائعه الشعرية مثل حميد في زمانه، او لعله يري سوبرمان يحلق فوق ذروة الامباير ستيت، او ان يتملكه احساس فرانك سيناترا او حتى فليشيا كيز وبيلي جول، حين يصدحون
نيو يووووورك
مضت بنا العربة، ولم يحدث اي شئ من ذلك، التفت انظر وجهه، وهو يحدق للامام، بوجه خال من الانفعال، فلم يشبع جوعي الروحي، لرؤية الفرح والدهشة على وجهه.
ثم انه صمت عن المديح والصلعمة
توترت من جانبي، وقلت لعله سعيد بالدفء الذي تسرب اليه من المقعد...
اخفضت صوت المادح علي المبارك
صحت في اذنه كما صاح ود المكي للخرطوم في اذنها
صحت من داخل عمق قبو التنافس القبلي البغيض
يابوي اغير ليك لاولاد الماحي والتمساح الغلب الشايقية؟
فابي كان يحب التمساح الذي غلب الشايقية كثيرا، اكثر من منطق هزيمته بعزم الصالحين.
التفت الي بوجه شاحب، وقال لي بصوت ممتلئ رعباً
انا يا جانكوف يا ولدي، ما شاعر بروحي كويس، من ركبت العربية دي.
مالك يا ابوي .. مبادي انفلونزا؟ بطنك؟ اكل التاكو حق المكسيكان ده تعبك...؟ ده الزغني؟
اجابني يائساً مقاطعا
اصبر اصبر ياولد... لا دي حاجة ما بقدر اكلمك بيها، وديني الدكتور فورا...
وهنا سيداتي سادتي، شعرت انا بالانهيار التام، فاسرعت بالتوقف في اقرب باركينق، وقلت لنفسي وانا اتنفس في صعوبة، ودقات قلبي طار محمس في كوم امبو
الحاجة دي لازم جلطة
سلامة قلبك يا ابوي.. دقيقة والامبولانس بجي ما تشيل هم .....
ياولد روق... ما قلب ولا عنبلوص ولا يحزنون... الموضوع تحت!
تحت وين يا ابوي..
تحت يا ولد..
لم افهم ماهو هذا التحت المهدد للحياة
طيب يا ولدي، انا حاسي بسخانة شديدة في مقعدي، الظاهر عندي بواسير....!

ذابت سعادتي مثلما لم تأت
واسقط في يدي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.