لقد بدأت تتصاعد بعض الدعوات مؤخرا بعتجاه خروج السودان من جامعة الدول العربية دون أن تطرح أية دعوات مقابلة لخروج السودان من الاتحاد الأفريقي، اذن ما هي مبررات هذه الدعوات وما هي مرتكزاتها؟ هل يتصل هذا الأمر بسؤال الهوية داخليا، أم هو مجرد ردة فعل للمواقف السياسية لدي بعض الاقطار العربية تجاه السودان؟ ماذا سيحدث لو خرج السودان من جامعة الدول العربية؟ هل السودانوية هي الحل المرتجى بعد قطع علاقة السودان بالأقطار العربية؟ هذه الأسئلة هي فحوى هذا المقال..

تفكير الأزمة: الشعوب عندما تمر بالأزمات فإن هذا ينتج أسئلة معقدة في حياتها، وبالتالي تسعى إلى البحث عن أسباب التأزم سواء كان ذلك داخليا أو خارجيا..
الازمة التي رشحت بعد الاستقلال ترتبط بالخلل في التنمية وبمفهومها الشامل. وهذا الاختلال الذي حدث فيها، أي في التنمية، مهد الطريق لهذه الدعوات، كيف؟ لقد أدى الفشل الذي قادته النخبة الشمالية ممثلا في أحزابها التقليدية إلى بروز التناقض بين المركز والأطراف.. وقد عللت بعض مناطق الأطراف ذلك وربطته بالانحيازات التي جسدتها بعض النخب الشمالية تجاه المركز متخلية عن الأطراف، وتحول هذا إلى منهج تتم من خلاله إدانة الثقافة العربية الإسلامية، وكذلك إدانة المنتميين لها، أو تحميلهم هذا الخلل، وقد انسحب ذلك الموقف على البلدان العربية، ومن ثم ترتب هذا الموقف اللاحق تجاه جامعة الدول العربية، واعضاءها، يضاف إلى هذا العنصر التدخل السلبي الذي تقوم به بعض الأنظمة العربية في الشئون الداخلية السودانية، ومحاولة التأثير على القرار السوداني..
يضاف إلى كل ذلك انعكاس واقع التخلف الاجتماعي في بعض الأقطار العربية، وبالتالي تكوين نظرة سلبية تجاه السودانيين عبر التلميح بعدم عروبتهم، وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لتلك المفاهيم.
الحل الهروبي:
كما ذكرت سابقا فإن تفكير الأزمة يبدو تفكيرا تعميميا لا ينظر للايجابي في الأشياء، وينطلق من نظرة غير متوازنة عند تحديد الخيارات الكبرى.. فالانتماء للدوائر الكبري يرتبه واقع العالم اليوم، وليست الخيارات الجهوية، أو حتى الوطنية وحدها..
ولهذا فيجب أن ننظر لوجودنا في منظمة الجامعة العربية، أو أية منظمة أخرى وفق هذه المصلحة، ووفق الشروط التي تتوفر منها هذه المصلحة، مدعوما ذلك بالعلاقات التاريخية، والثقافية، واضعين شرط اللغة في المقدمة، إذ تلعب اللغة دورا أساسيا في التقاء الشعوب.. كما أنه ومن أجل المقاربة التاريخية، فإن ما استفاده السودان في إطار الجامعة العربية، وبالرغم من الاعوجاج فيها، لا يقارن بالجوانب السلبية التي نتجت عنها، وعلي سبيل المثال لا الحصر فإنه:
أولاً: وفرت هذه العلاقة وعبر سنوات طويلة فرصا غير محدودة للدراسة في البلدان العربية، مثل العراق، وسوريا، ومصر، وقد تخرج الآلاف من هذه الجامعات دون تكلفة مالية يتحملها السودان..
ثانياً: في كثير من الأزمات التي مر بها السودان وقفت بعض الدول العربية مواقف مشرفة في دعم السودان، وفي نواحي عديدة..
ثالثاً: يقيم الكثير من السودانيين داخل الاقطار العربية، ويتمتع بعضهم بميزات قد لا تتوفر لغيرهم.
النقد الموضوعي لتجربة الجامعة العربية:
من الجائز والمطلوب نقد فاعلية الجامعة العربية، وذلك باتجاه إصلاحها من الداخل، حتى تتحول إلى كتلة فاعلة تساهم في نهضة البلدان العربية، لكن االصيغة التي يطرحها البعض، وبشكل تنافري لا يخدم قضية السودان، إذ يقول هؤلاء بأن وجودنا داخل الجامعة العربية يكرس لتبعية غير مستندة إلى اية صيغة انتماء، ويؤكد أصحاب هذه المدرسة بأن السياسيين السودانيين هم من أدخلنا في هذه الجامعة العربية دون أن تكون هنالك أسس تؤهل السودان ليكون ضمن هذا الإطار، و كحل لهذا الأمر فإنهم ينادون بالخروج من جامعة الدول العربية، وبالتالي طرح السودانيوية كحل لكل ذلك، كيف؟ السودانيوية منهج هروبي يعبر عن حالة الانكفاء علي الذات، وفي داخل السودان فقد حاولت بعض الأطراف أن تجرب ذلك المنهج، او منهج الانكفاء على الذات، وحدث انفصال الجنوب مع تفهم أسبابه، وما تبع ذلك من مأساة داخل الجنوب قادت إلى حرب بشعة ما زال يدفع ثمنها المواطن الجنوبي، والآن وبذات المنهج تطرح بعض الأطراف قضية تقرير المصير، استنادا إلى عقلية ومنهج السودانيوية التي تحاول تحديد الامتدادات الحيوية في اطار قطري ضيق، أو ضمن إطار جهوي، إذا تعذر الحل الممكن.
فالسودانيوية منهج هروبي يعبر عن حالة الانكفاء، وعدم القدرة على الانفتاح على الآخر، وضمن شروط موضوعية..
فالعلاقة مع العرب أو الأفارقة، وفي كل الأحوال يجب ألا تتم على حساب السودان لأنها امتدادات طبيعية، وهذا يتطلب الانفتاح علي العالمين العربي والأفريقي، وضمن أطر جديدة تسعى لتطوير هذه المنظمات العاملة في هذه الأطر، و ضمن قواعد جديدة، دون السعي للهروب نحو القطرية، والمنسحبة بدورها نحو الجهوية.
خاتمة: من الضروري وعبر هذه المرحلة أن نعي التحديات التي تواجهنا، ونعي مصالحنا وفق معايير صحيحة تستوعب ضرورة التكتلات عبر هذه المرحلة، وألا نتعامل من خلال ردود الأفعال، وبالتالي فإن وجود السودان في جامعة الدول العربية، وبعللها الكثيرة، لا ينقص من دوره شيئا، بل يعزز من قدراته في حال الوعي بدور التكتلات الكبرى، ودورها في هذه المرحلة، والتي يعود فيها الاستعمار مجدداً، وبأشكال مختلفة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////