على إثر تداول الوسائط الإعلامية لمشروع قانون مفوضية إعادة بناء المنظومة الحقوقية والعدلية، رشح حديث عن توجس وسط بعض منسوبي المنظومة المعنية، من أن يطالهم سيف العزل والتشفي، كما اطلعت على مقالات بعضها مؤيد وبعضها معارض لمشروع القانون، منها مقال موضوعي للسيد عثمان محمد الحسن بعنوان (لا نريد تشييد مجزرة للقضاة)، ومكمن الموضوعية فيه أنه لا يعترض على مبدأ الإصلاح ، لكنه يدعو لإقامة الوزن بالقسط في عملية الإصلاح وإعادة البناء حتى لا يضار الأبرياء، وهذه دعوة لا شك منطقية وعادلة.

مقال آخر للأخ الفاضل د. عوض الحسن بعنوان (مشروع القانون بين النقد والهدم والبناء)، وليسمح لي أخي عوض بالقول أن تناوله للمشروع اتسم بشيء من عدم التروي الذي قد يساهم في إزدياد التوجس وتعقيد المشهد العام، في وقت تمر فيه بلادنا بمرحلة هشة ومظاهر التحرش بالثورة لا تخفى على احد .

لقد أعدت قراءة المشروع أكثر من مرة، فلم أجد أثرا لما ذكره مولانا عوض بأن قواعده ليست عامة اومجردة، وأنها تستهدف أشخاصا بعينهم، كما لم أجد مبررا للدهشة والاستغراب، اللهم الا ان يكون محض توجس من الذين سماهم بالقادة الجدد، فالمشروع لم يدخل في تفاصيل الأسس والمعايير التي ستقوم المفوضية على ضوئها بإعادة بناء تلك الأجهزة بغرض إصلاحها، والمادة التي تحدثت عن الإعفاء والتعيين ..الخ، نصت بأن يكون ذلك وفقاً لما تحدده المفوضية من أسس وضوابط، بموجب اللوائح والقواعد المنظمة لعملها، بالتالي لا أساس للقول بأن المشروع يستهدف أشخاصاً بعينهم .

وفوق ذلك نجد أن الوثيقة الدستورية ألزمت أجهزة الدولة بتحقيق أهداف المرحلة الانتقالية، ومنها إزالة التمكين والإصلاح القانوني وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية بما يحقق استقلال القضاء، وتركت للقانون تحديد الأسس والضوابط التي تحكم ذلك، بما لا يخالف الدستور ومبادئ وقيم الثورة وآدابها المعلنة التي تدعو للعدل والتسامح والتعافي بين كل مكونات الشعب، فهل في ذلك ما يستدعي أن نستصرخ السيد الصادق المهدي والمجلس العسكري.!

وطالما فهمت مما أورد د. عوض ما يعبر عن الرضى والثقة في الوثيقة الدستورية، فإن مشروع القانون في مجمله لم يخرج عما قالت به تلك الوثيقة، فما ورد في المشروع عن إعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية ، وعن تفكيك بنية التمكين لنظام الإنقاذ وبناء دولة القانون والمؤسسات، هو صريح ما ورد في نصوص الوثيقة الدستورية.

ان ما اورده د. عوض بأن مشروع القانون يصلح أن يكون مشروع قرار يصدر من المجلس السيادي لعمل مؤتمر حول تطوير وبناء المنظومة الحقوقية والعدلية.. الخ، يعنى انه من حيث المبدأ، لا يعترض على ضرورة إصلاح وإعادة بناء وتطوير تلك المنظومة، فيبقى الحديث عن آلية الإصلاح وكيفية انشائها وتسميتها وسندها وضوابط عملها، كلها مسائل قابلة للنقاش مع الجهات المعنية، في حالة تبنيها للمشروع بصورة رسمية، أو حتى عبر المقالات الموضوعية، كما فعل د. سامي عبد الحليم سعيد، في مقاله القيم (ملاحظات حول مشروع قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية).

ولما كان د. عوض صاحب خبرة وله اهتماماته وإسهاماته المقدرة في مجال الإصلاح العدلي، تشهد عليها كتاباته وما ادخله من تطوير تقني في المحكمة العليا، ودوره في فصل النائب العام من وزارة العدل ليكون جسما مستقلا بذاته ، ننتظر أن يكون مقاله القادم حول رؤيته الكاملة للإصلاح العدلي في ظل التوجه العام نحو الدولة الديمقراطية، وفي ظل الواقع الحالي لهذه الأجهزة.

أما الإخوة الذين يعترضون مبدئيا على الإصلاح العدلي، بالتأكيد لا يفوت عليهم أن التحول من الحكم الشمولي للحكم الديمقراطي، يستلزم وبالضرورة، إجراء إصلاحات جوهرية، تشريعية ومؤسسية، كعمل متكامل تفرضه متطلبات المرحلة في إحداث التغيير اللازم على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ليشمل كل مناحي الحياة داخل الدولة، ويجئ الإصلاح العدلي على رأسها لتعلقه بأهم هدف من أهداف المرحلة الانتقالية، وهو الخاص بتحقيق العدالة للجميع واساسها سيادة حكم القانون، ومن متطلبات ذلك إصلاح القوانين والمنظومة الحقوقية والعدلية واستقلال القضاء والنيابة .

ان إعادة بناء المنظومة الحقوقية والعدلية يعد هدفاً استراتيجيا ذو أهمية واولية قصوى، لأنه يأتي في أعقاب مرحلة شمولية بدأت أولى خطواتها بهدم سيادة حكم القانون وتقنين الظلم، فبتاريخ 30/6/2019 صدر المرسوم الدستوري الأول بحل كل مؤسسات الحكم الديمقراطي، ثم في ذات التاريخ صدر المرسوم الثاني بما يسمى بقانون الإجراءات والسلطات الانتقالية، وبموجب هذا المرسوم الذي ورد في مستهله انه صدر بإسم الله والشعب، تم حل جميع الأحزاب وتجريم النشاط السياسي، ووضع آلاف المواطنين في المعتقلات وبيوت الأشباح، التي هتكت فيها أعراض الرجال وغرست المسامير الصدئة في الرؤوس حتى فاضت الأرواح، وتم اغتيال الأنفس البريئه بتهم لا أساس لها ومحاكمات شكلية جائرة.

ثم بإسم الله والصالح العام تم فصل وتشريد آلاف العمال والموظفين والقضاة وكافة رجال القانون، وامعانا في التنكيل والاستخفاف بالقانون والعدل وأهله، تم اعتقال القضاة والمحامين والزج بهم في بيوت الأشباح وزنازين جهاز الأمن .

ولم تشعر الإنقاذ بأي حرج لتبرير وتأصيل كل ما احدثته من هدم وتغييرات جذرية، تشريعية ومؤسسية شملت كل مناحي الحياة، بغرض التحول من الحكم الديمقراطي إلى الحكم الشمولي.

ففي محاولة لتبرير وتأصيل مذبحة القضاة والتعدي على استقلال القضاء ، أصدر مولانا المحترم د. عبد الرحمن شرفي نائب رئيس القضاء سابقاً، كتابا بعنوان (استقلال القضاء بين المنظور الإسلامي والواقع السوداني)، رداً على كتاب (دموع اليتامى) الذي أصدرته منظمة العفو الدولية بشأن مذبحة القضاة.

أكد مولانا شرفي عدم جواز عزل القضاة كضمانة من ضمانات استقلال القضاء، وأضاف من عنده "الا لضرورة" ، ليمضي ويقول ( هذا الضابط مستمد من شريعتنا الغراء.. وقد التزمت به السلطة القضائية، فلم تعزل الا من كان غير أهل لولاية القضاء، وفق معايير الشريعة الغراء.. أو من حامت حوله الشبهات أو من كان غير مقتنع بالخيار الحضاري والشريعة الغراء كمصدر للتشريع.. ولا يؤتمن مثلهم على أعراض الناس ودمائهم وأموالهم.. ولا على حدود الله الشرعية).

لما كان مولانا شرفي غير مقتنع بتبريراته فقد أضاف (.. ومثل كل عمل بشري فقد يكون فيمن عزلوا من هم براء من كل ذلك.. وعموما فقد كانت المنظمة الدولية، ذات نظر ضيق في رؤيتها لأسباب عزل القضاة..)!!

نعلم أن العمل البشري عرضة للخطأ، لكن مولانا لم يوضح لنا تحت أي معيار سماوي تم تحديد من ليس بأهل لولاية القضاء، ومن حامت حوله الشبهات، ومن كان غير مقتنع بالشريعة، ومن لا يؤتمن على الأعراض...!!!

اتمنى ان اكون مخطئا في ظني بأن د. شرفي قام بهذا التأصيل من باب الفعل السياسي انتصارا للذات وللعصبة ، فهو رجل عالم في مجاله ويدري أن الشريعة لا تأخذ الناس بالشبهات، وان الفصل والتشريد وقطع الأرزاق ظلم حرمته الشريعة بنص الكتاب والسنة.

لا اقصد إثارة المواجع ولا الدعوة للمعاملة بالمثل ، لكني قصدت التذكير بأن كل هذه المظالم وقعت ولم نحصد من التجربة الشمولية غير الفشل والانهيار الشامل للدولة والمؤسسات العدلية ، فيبقى علينا إعطاء الفرصة للديمقراطية.

لقد تجاوزت الثورة شهرها الثامن، ومن سفكوا الدماء وصادروا الحريات ونهبوا المال العام، لا زالوا يمشون بين الناس مشية الفرعون ويخرجون ألسنتهم تهكما وسخرية بالثورة.

ولا زالت الوزارات والمؤسسات العامة، تعج بآلاف الموظفين الذين عينتهم الإنقاذ فوق حاجة العدد المقرر، لا يكتفون بصرف مرتباتهم ومخصصاتهم التي تدفعها الدولة مقابل لا شئ، بل يعملون على تعويق سير العمل حسدا ونكاية بالثورة، ولا زالت هناك جهات حكومية تجنب المال العام، ليذهب حيث لا نعلم، ولا زال هناك من يتحكمون في أسعار العملات وتهريب الذهب.

إننا نفهم بأن سبيل الأنظمة الشمولية لحماية استمراريتها، هو تغيير القوانين بغرض سلب الحقوق وإنهاء سيادة حُكم القانون، ليسود القمع والتسلط والاستبداد والظلم والفساد والإفساد ، ويستتبع ذلك انتهاك مبدأ استقلال القضاء وإنهاء دوره، وهدم كل المنظومة الحقوقية والعدلية، كقيم اجتماعية وعدلية منوط بها اعمال سيادة حكم القانون .

في المقابل وفي ظل التحول من النظام الشمولي للنظام الديمقراطي، ينشأ الحق الطبيعي في إعادة الأمور لنصابها الصحيح، بإجراء الإصلاحات التشريعية اللازمة وإعادة بناء المؤسسات، من خلال آليات يجب أن يكون لها سندها الدستوري ، ووفق أسس وضوابط عادلة، ليس لأي جهة الحق في أن تمتن بها على احد، ففي مناخ الديمقراطية وسيادة حكم القانون والقضاء المستقل لا مكان للهواجس والظنون.. نواصل بإذن الله.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.