تجتهد هذه الورقة لمناقشة دور المؤسسات المجتمعية القاعدية في مراقبة سياسات التنمية و مراقبة الموازنة العامة في سودان الفترة الانتقالية، لتقديمها في ورشة منبر منظمات المجتمع المدني لمراقبة الموازنة العامة، المنعقدة في منظمة فريدريش ايبرت بالخرطوم في يوم 9 نوفمبر 2011. و بصورة متزامنة اصدر وزير الحكم الاتحادي في اليوم الخامس من نوفمبر 2019 قرارا وزاريا بتكوين (لجان التغيير و الخدمات) بالاحياء و الاسواق و المناطق الصناعية لتحل محل (اللجان الشعبية) التي كان قد كونها النظام السابق كمستويات قاعدية للادارة على المستوى الشعبي. و بصورة مختصرة تحاول الورقة ان تضع تحليل للدور الذي من الممكن ان تلعبه مثل تلك اللجان على صعيد المشاركة في رسم سياسات التنمية على المستوى القاعدي. 

و قد كانت اللجان الشعبية التي تم تكوينها في ظل النظام السابق، قد تم حلها ضمن قرارات حل الهيئآت التشريعية الاتحادية و الولائية، مباشرة بعد سقوط النظام الدكتاتوري. و كان قد تم عمل معالجات و تدابير متباينة لسد الفراغ الذي خلفه حل اللجان في الاحياء.
و عَرف القرار لجان التغيير و الخدمات بانها: تنظيمات ادارية شعبية يتم تكوينها في مواقع انتشار المواطنين في الاحياء و الاسواق و المناطق الصناعية.
يتم تكوين تلك اللجان بصورة توافقية بين سكان الحي، من عدد يترواح ما بين 10 –12 عضو و لا يقل عمر المرشح عن 18 عام و ان يتم تمثيل النساء بنسبة 40% كحد ادني، و ان لا يكون المرشح او المرشحة قد شارك في النظام البائد، و ان يكون مؤمنا بمبادئ الوثيقة الدستورية.
هدفها كما جاء في التمهيد بالقرار
- سد الفراغ الاداري و الخدمي على المستوى القاعدي
- نشر الوعي بين المواطنين و التعرف على حقوقهم وواجباتهم
- تقديم الخدمات الضرورية و الاساسية و التنمية و بسط الامن و الاستقرار
في علاقتها باجهزة الحكم المحلي، تكون لتلك اللجان آلية للمتابعة و التنسيق مع المحليات، و جاء القرار متضمنا توجيهات للولاة للشروع في تنظيم العلاقة بين اللجان و المحليات. و من المهم الاشارة الى وزارة الحكم المحلي لا تملك السلطة في تعديل النظام الاتحادي الساري، فقد نصت الوثيقة الدستورية في باب مستويات الحكم على الابقاء على النظام الاتحادي و قوانينه دون اي تغيير، و بالتالي ليس من المتوقع ان يتم تغيير النظام الفيدرالي، و اذا تم ذلك فسيكون ضمن آليات تشريعية و ليس بقرارات وزاراية.
علاقة لجان التغيير و الخدمات بالموازنة العامة:
لطالما اقر القرار لتلك اللجان بان تكون جزء من مستويات الادارة في الدولة خلال الفترة الانتقالية فبالتالي فانها تخضع للمعايير و الموجهات التي تضعها الدولة لضمان حسن تنفيذ الساياسات العامة بما في ذلك معايير الحكم الرشيد. و تأتي مسألة تنفيذ و مراقبة الموازنة العامة كواحدة من ىلاآليات التي تتطلبها تلك الوضعية التي تتمتع بها لجان التغيير و الخدمات، بوصفها جزء من الاليات الادارية على المستوى المحلي. كذلك تظهر تلك العلاقة، من خلال السلطات و الاختصاصات التي حددها القرار الوزاري لتلك اللجان.
السلطات (وردت تحت سادسا): حدد القرار للجان التغيير سلطة المراقبة على الخدمات، التنسيق و المشاركة، المشاركة في وضع الخطط (بالاطلاع على السلطات في القرار نجد ان هناك خلط بين السلطات و المهام و الاختصاصات).
و بالتالي تكون للجان في بعض الموضوعات المتصلة بالخدمات على المستوى المحلي، المشاركة في بناء الخطط المتصلة بالتنمية المحلية، و هذا بالتالي يؤهلها بحسب نص القرار القيام بدور الرقابة.
المهام و الاختصاصات (وردت تحت خامسا):
بالنظر للمهام و الاختصاصات الواردة في خامسا (الاختصاصات) نلاحظ بانه من المهم ان نرصد من خلال تلك الاختصاصات الدور الذي يمكن ان تلعبه تلك اللجان في عملية صناعة و مراقبة الموازنة العامة في السودان. نبين فيما يلي الاختصاصات ذات الصلة المباشرة بموضوع مراقبة الموازنة، و كذلك نقدم ملاحظات تساعد في فهم علاقة ذلك الاختصاص بالموازنة العامة:
- تفعيل منهج البناء و تنمية المجتمع كاداة للتنمية المحلية: من المهم بناء مفهوم موحد و مشترك عن التنمية في المرحلة الانتقالية، كما تتبناه الحكومة الانتقالية، و مشاركة ذلك الفهم مع لجان التغيير و الخدمات، حتى يكون هناك اتساق تام في العمل في هذا الجانب.
- المساهمة في نشر الوعي لتطوير الاطر القانونية و الاقتصادية للجمعيات التعاونية التي تخدم و تمكن المواطن من مواجهة ارتفاع الاسعار: ان المنهج الشعبي في تحقيق التنمية هو أحد الحلول التي تبنتها الحكومة الانتقالية، و كان قرار وزير الحكم الاتحادي، ضمن هذا الاتجاه
- متابعة الخدمات الاساسية و الضرورية المقدمة و ضمان سلامتها، و العمل على ايجاد الحلول الادارية و القانونية: ان امر متابعة تخصيص الخدمات و الوفاء بها، هو احد اهم واجبات لجان التغيير و الخدمات، و بالتالي من المهم لتلك اللجان ان تكون جزء من عملية صناعة القرارات الخاصة بالموازنة العامة، و كذلك مراقبة أداء السلطات الادارية في تنفيذ تلك التخصيصات
- تعميق الاصول الدستورية و الديمقراطية التي تعتبر عضو اللجنة مراقبا بالاساس و مساهما في معالجة الاوضاع المعيشية للمواطنين، على قاعدة التنمية المتوازنة: اهم ما نصت عليه الوثيقة الدستورية في الفقرة 1 من المادة 8 (مستويات الحكم) انه نص علي الحكم المحلي بصيغة تعبر عن شعبيته اذ نصت على: المستوى المحلي و يعزز المشاركة الشعبية الواسعة و يعبر عن الاحتياجات الاساسية للمواطنين.
موجهات للجان التغيير و الخدمات العاملة في مراقبة الموازنة و المحاسبية:
- إلتزامات: حتى تحقق لجان التغيير و الخدمات النجاح، يستلزم ان يتوفر لديها القيادة القوية الملتزمة المستندة على أهداف و إسترتيجيات واضحة حول انخراطهم في عملية الموازنة

- الحقوق: في مقدور لجان التغيير و الخدمات ان تؤدي عملاً جيداً لو تمتعت بالحق في الوصول للمعلومات، و حق تقدم الملاحظات و أن تشارك بحرية و فعالية في رسم سياسات الموازنة العامة و أن يكون ذلك الحق محدد بصورة واضحة في القوانين و السياسات. و كذلك يجب ان يكون واضحاً إلتزام الحكومة بالتعاون مع تلك اللجان حين يمارسون ادوارهم المجتمعية بصورة فاعلة.

- الوضوح: على لجان التغيير و الخدمات ان تكون قادرة على تحديد هدفها في المشاركة في عملية الموازنة العامة. و مسئولية المواطنين في تقديم مقترحاتهم الخاصة بمسئولية الحكومة في صناعة القرارات و خضوعها للمحاسبة عن تلك القرارات المتخذة، هذه الادوار والمسئوليات يجب ان تكون واضحة للكافة.

- الزمن: على لجان التغيير و الخدمات في السودان أن تكون واعية بدورة و اجراءات الموازنة العامة حتى تتمكن في المشاركة بصورة فاعلة في كل مراحل الموازنة. و على لجان التغيير و الخدمات ان تنخرط منذ وقت مبكر، قدر الامكان في تلك الاجراءات، حتى يتمكنوا في ادخال حلول بما في ذلك ما هو مختص بتخصيص الموارد و حتى تتيح بذلك فرصة أكبر لنجاح الموازنة العامة. و حتى تكون المشاركة فعالة يجب ان يتوفر زمن كافي لهم حتى تتوفر لهم المعلومات المطلوبة عن كل مراحل دورة الموازنة.

- الموضوعية: المعلومات المقدمة بواسطة الحكومة خلال عملية الموازنة يجب أن تكون محددة و مكتملة و سهل الحصول عليها. يجب ان يتمتع كافة المواطنين و بقدر متساوي بالحق في الحصول على المعلومات المتصلة بالموازنة و المشاركة في عملية الموازنة.

- الموارد: على لجان التغيير و الخدمات أن تتمتع بقدر كافي من الموارد المالية و البشرية و الفنية حتى تكون مشاركتهم في عملية الموازنة ناجحة و فعالة. و على لجان التغيير و الخدمات أن تتحصل التدريب الممنهج و تبادل الخبرات مع لجان التغيير و الخدمات في الاحياء الأخرى.

- التنسيق: على لجان التغيير و الخدمات في الاحياء ان تنسق بشكل فاعل مع منظمات المجتمع المدني من أجل تحسين المعرفة الادارية و تنسيق السياسات، و تجنب التكرار ،و تقليل مخاطر التطبيقات الغير صحيحة.

- المحاسبية: يقع على عاتق الحكومة الانتقالية إلتزام بان تخضع للمحاسبة عن إستخدامها لمقترحات المواطنين التي تقدموا بها من خلال ملاحظاتهم على الموازنة العامة و من خلال المشورة الشعبية و المشاركة الفاعلة للجان التغيير و الخدمات في الموازنة العامة. و على الحكومة القيام باجراء التدابير اللآزمة لضمان ان عملية الموازنة منفتحة و شفافة و مستجيبة للمراجعة الخارجية و التدقيق و ذلك من أجل ضمان زيادة درجة محاسبية الحكومة و زيادة فعالية مشاركة لجان التغيير و الخدمات.

- التقييم: تحتاج لجان التغيير و الخدمات للوسائل و المعلومات و القدرة حتى تستطيع تقييم اداء الموازنة ، و أهمية هذا تكمن في القدورة على جعل انخراط لجان التغيير و الخدمات في عملية الموازنة عامة فعال.

ختاما: موجهات عامة لضمان حسن الادارة:
ان فكرة ادراج المستويات القاعدية في الحكم في الفترة الانتقالية، فكرة تتضمن العديد من المحاذير، فمازالت الدولة في حالة انتقال، و لم تظهر الصورة بشكل كافي، الا انها عبرت بشكل جلي الافق عن الافق الديمقراطي للحكومة الانتقالية، ووضعت القواعد الشعبية امام مسئولياتهم في حماية الثورة في بناء و تنمية الوطن. فيما يلي نذكر موجهات غير تفصيلية من الضرورة مراعاتها لضمان كفاءة و فعالية تلك اللجان بجانب ضمان شعبيتها:
- يجب إن تتخذ طريقة أختيار قيادة الأدارة على المستوى القاعدي أو تعيينها الصفة الشعبية، بمعنى أن يكون لإرادة الأهالى دور في التعيين، و أفضل وسيلة لذلك هو الأختيار الديمقراطي.
- ان محاصرة الفساد والتخفيف من القبضة المركزية للحكم، هي أعطاء دور للمواطنين في رصد و متابعة الأداء الاداري و بشكل شفاف، و تدعيم الأدارات القاعدية بالخبرات و التأهيل في جوانب محاربة الفساد و نشر ثقافة الحكم الراشد.
- إن جعل الحكم المحلي موسوماً بصفته الشعبية، يضمن فاعليته و يؤسس لمبدأ الرقابة الشعبية ضد الانحراف بالسلطة، و بالتالي يضمن جودة الأداء، و يتأتى ذلك بقيام مؤسسات حكم محلي تتفاعل معها جماهير المواطنين في السودان وتتولى الدفاع عنها منظمات شعبية تطوعية مدعومة من المركز وتحت مظلته ورعايته وحمايته.
- ضمان مشاركة المرأة في الادارة بصورة منصفة مع ضمان الكفاءة المطلوبة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////