15 نوفمبر 2019


توطئة

منذ شهور قلائل، عنّت لي فكرة لكتاب جديد عن ديناميكية العلاقة بين الوعي وتشكيل العقل الجمعي، وشرعتُ في خطواته الأوّلية؛ تدوينا للأهداف، ووضعا لهيكل الكتاب، ورصدا وجمعا للمراجع والدراسات ذات الصلة، والتي وصل عددها بعد أسبوعين تقريبا من التنقيب إلى قرابة الثلاثمئة عنوان!

أحسستُ حينها بأن هذه المهمة الأعظم في حياتي، ولكن محادثة مع واحد من ألمع علماء الاجتماع المعاصرين جعلتني أتردد.. ثم أُعيدُ النظر!

هل يحتاج الجمهور فعلا إلى المزيد من التقعيد النظري لهذه القضية الشائكة؟
أليس المبذول في بطون الكتب والبحوث والمقالات كافيا لإنجاز المهمة؟
وهل ما يفتقده واقعنا المرير هو تهويمات مستحدثة تجمع بين بضاعتي المتواضعة من المعرفة، وخلاصة استنتاجاتي من الاطلاع على الأدبيات المنشورة- لينعتق من ديجور الظلام ولتُشرق عليه شمس الوعي؟!
أليس الأجدى نفعا الخوض في الخطوات العملية عِوضا عن الخطاب "البُرج/عاجي"؟!

عند السؤال الأخير حسمتُ أمري، وتراجعتُ عن الفكرة!
(لعلي أعودُ إليها في المستقبل.. البعيد!)

رغم فداحة الكارثة، واستشراء ثقافة الإحباط، بل والتعمد في نشر ثقافة الاستخذاء، إلا أن حالة الفشل المأساوي التي نعيشها ليست بسبب السياسات الحكومية أو استشراء الفساد فحسب، بل إن مشكلتنا الرئيسة تكمن في تخلف المجتمعات، والتي تستند إلى ثلاثية مدمرة:

1. غياب الوعي المستنير مما يقود لسيادة صيغة مشوهة من العقل الجمعي، سمتها سقوط المرجعيات الفكرية والكفر بالثوابت.
2. ضعف دولة القانون والمؤسسات، ومحاربة الإشراقات التي تعبّر عن جوهر العمل الجماعي المُنتج، وبصفة خاصة منظمات المجتمع المدني.
3. خلو الساحة حتى الآن من حلول قاطعة (توجد استثناءات مشرقة ولكنها مُعطلة من حيث التنفيذ) تتسم بالعقلانية والابتكار لمعالجة الثنائيات "القاتلة":
الحاكم والمواطن، والسلطة والمثقف، والدين والدولة، ورجل الدين والمواطن، والتراث والمعاصرة، والنقل والعقل، والثابت والمتحول في الفقه، والحرية والانفلات، والديمقراطية والشورى، والديمقراطية والاستبداد، وكرامة الإنسان وفوقية الحاكم، والتخلف والتنمية، والاستقلال والتبعية، وتحرر المرأة والانحلال، والعروبة والإسلام، والوطنية والقومية، والحداثة والرجعية، والدولة الدينية في مقابل المدنية/ العلمانية، والمدينية والقبلية، والقائمة تطول.. يا للأسف الشديد!

طريق الانعتاق ليس مُعبّدا بالورود، ولكن مما يبعث نسمة عليلة في النفس أن المبادئ الفكرية والأسس النظرية متوفرة، والسؤال الحرج: متى وكيف نشرع في وضع الخطط التنفيذية؟

يحاول كاتب هذه السطور عبر الحلقات القادمة تقديم رؤية شخصية لآفاق الحل، لعلها تستثير من حصيلتهم المعرفية والعملية أعظم، وإمكانياتهم الفكرية أعمق.. لعل وعسى!

ثالوث الانعتاق: التعليم والإعلام ومنظمات المجتمع المدني (1- 3)
معتصم الحارث الضوّي
15 نوفمبر 2019

المحور الأول: التعليم

لعل من المُسلّمات البدهية لمن يرغب في استكناه الدولة الفاشلة (السودان حاليا) أن يُقرّ بأن مرحلة "الإنقاذ" المشؤومة لم تأتِ إلا تتويجا بُركانيا لتراكمات استمرت لعقود طويلة؛ بدأت بالسياسات الخبيثة التي اختطها الاستعمار، وتغذّت –كما ونوعا- على سياسات الكثير منها فارقته الحكمة بعد الاستقلال، وعبر مراحل الديمقراطيات والديكتاتوريات المتعاقبة.

للأسف الشديد كان قطاع التعليم، عمود الخيمة وذروة السنام، أكبر ضحايا ذلك التخبط على الإطلاق، ولكي نتعرف على أبعاد الكارثة، نحاول تعريف الأسباب الرئيسة والنتائج المترتبة:

1. التلاعب المتعمد بالمناهج الدراسية
بدأت تلك الظاهرة في العهد الاستعماري بسياسات تستند بشكل أو آخر إلى حصاد تجربة دوغلاس دنلوب، مستشار المعارف في مصر، تحت قيادة اللورد كرومر، والتي أثّرت جزئيا على التجربة التعليمية في السودان أثناء عهد الاستعمار، واستمر العبث المؤدلِج خلال العقود التالية، وتُوّج –كما يعلم الجميع- بمناهج نظام "الإنقاذ"، وانظر مثالا ما فعلوه بالمرحلة الابتدائية، والتي تحول اسمها ومناهجها ومدتها وجوهرها أكثر من مرة أثناء عهدهم غير الميمون، ثم حاول بنفسك أن تُقدّر النتيجة!

إن القاسم الأعظم بين كل تلك "الاجتهادات" هو التعنت الإيديولوجي، والسعي المحموم لإعادة تشكيل العقل الجمعي بوتيرة فورية/ قسرية لا تراعي تعقيدات المشهد اللغوي والعرقي والثقافي السوداني، ولا تستوعبها على الإطلاق في منطلقاتها ومحدداتها وتوجهاتها، بل جاءت –في معظمها- مبتسرة وفجة.
علاوة على ذلك، اتسمت تلك "التجارب" بالفوقية، إذ لم تؤسس لها دراسات متأنية تنبع من المدرسين و المفتشين وواضعي المناهج أنفسهم، بل كانت تستند إلى قرارات سياسية عليا بناء على توصيات من بعض المنظّرين باتجاه هذه الإيديولوجيا أو تلك.

من القواسم المشتركة أيضا أن المناهج الشائهة لم تواكب روح العصر، بل توقفت عند معطيات تاريخية ومحطات ثقافية لم تفارقها قيد أنملة، ومارست بذلك انتقائية تخالف المناهج العلمية.

صبغ ذلك الأجيال المتتالية بتأسيس "مغسول الدماغ"؛ منبطح مبهور بالاستعمار، ثم سودانوية متعربة غير متسقة الخطاب ومتعجلة للنتائج، ثم مايوية جمعت روحا اشتراكية وديكتاتورية معا، ثم في عهد القتلة واللصوص إسلاموية مشوهة المرتكزات الفكرية وعشوائية في تخطيطها وتنفيذها.

أدت تلك المقاربات الإيديولوجية المتباينة أيّما تباين إلى نشوء أجيال متعاقبة تحمل في دواخلها بذورا عقائدية متصارعة، وكانت إحدى نتائجة المباشرة الانفجار الهائل في صراع الأجيال؛ ولكن النتيجة الأبرز والأكثر إيلاما هي حالة التشظي الفكري والسياسي بالغة الحدة التي نراها الآن في بلد متخلف؛ يجدر بأهله أن يتواضعوا على ثوابت وطنية واضحة الأسس، جلية المعالم، لكي ينطلقوا في طريق التنمية والتطور دون إضاعة الوقت والجهد في الصراعات الإيديولوجية العبثية.
وانظر يا رعاك الله، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كمية الحبر المسكوب والندوات والنقاشات حول عروبة وإفريقانية السودان، لتصاب بصداع يصاحبك ما بقيت على ظهر الفانية!

2. التحجّر العلمي والمعرفي
تدرج معظم دول العالم على مراجعة مناهجها التعليمية بصفة دورية، بل يلجأ بعضها لتعديل مناهجها سنويا لتضمن مواكبتها وتضمينها أحدث الحقائق والاكتشافات العلمية، ولتطبيق أحدث الطرائق التربوية والتدريسية. أما في سوداننا القابع تحت نير الديناصورية المعرفية، فلا تكاد المناهج التعليمية تشهد تغيّرا يُذكر، فعرّابو المعبد من متأسلمين وديوانيين يجتمعون في تصخّرهم ورفضهم للتطور!

3. غياب أو عدم ملائمة الوسائط التعليمية المساندة
تراجع بشكل مريع وجود وتجهيزات المختبرات في المدارس، واللوحات والرسومات التوضيحية في الفصول، والمُجسّمات المستخدمة في دروس العلوم والأحياء، وغيرها من وسائل الشرح والتبسيط لتوصيل المعلومة التعليمية إلى الطلاب.

4. غياب أو تراجع المواد والنشاطات التكميلية أو غير الدراسية
كانت الأيام الدراسية في السبعينيات من القرن المنصرم تتضمن التربية الوطنية، والتربية الريفية (دروس عملية لزراعة وتشذيب النباتات والزهور في حديقة المدرسة)، والمكتبة (حصة للقراءة الحرة من مكتبة المدرسة)، والموسيقا (تعليم وتدريب على الآلات الموسيقية بمختلف أنواعها)، والرحلات المدرسية إلى المصانع والمزارع.. إلخ، والسينما المدرسية المتنقلة، والاحتفالات والمسابقات في عيد العلم والدورة المدرسية.. إلخ، وحصة الرياضة الأسبوعية.

تلك الحزمة المتكاملة من الأنشطة المدروسة بعناية كانت تؤهل التلميذ للتطور بدنيا وفكريا ومعرفيا وذوقيا، وتُوسّع مداركه، كما أنها كانت تربطه بالبيئة التي يعيش فيها، وتُعلّمه حب الجمال، وتفتح آفاقه في سن مبكرة للتعرف على مجالات العمل التي يطرقها الراشدون.

هذا من جانب الطالب، أما من ناحية المُعلّم فإنها كانت تُشبع لديه الروح التوّاقة للتربية وتدريب النشء على ما يفيدهم في مستقبل أيامهم، وتجعله يستشعر عظمة ونبل دوره في الحياة، ومساهمته في نهضة البلاد.

5. تأهيل المدرسين وتدريبهم على الطرائق والوسائل التعليمية والتربوية الحديثة
بسبب ضعف الموازنة المخصصة لوزارة التربية والتعليم في عهد الإنقاذ المشؤوم (نحو 3% تقريبا من الميزانية العامة للدولة في السنوات الماضية)، أصبح تأهيل المدرسين وتدريبهم يقبع في أدنى سلم الأولويات، وأضحى الأمر متروكا إلى المعلم الحادب ليؤهل نفسه، وبالعدم يتلقى التلميذ تعليمه على يد مُدرّس تجاوزه الزمن في المعارف والطرائق!

6. التعليم التقليدي الجامد، ومحاربة روح الابتكار والتفكير الخلاق والإبداع، واستشراء التلقين والحفظ الببغائي واجترار المعلومات
يرتبط تغييب روح التفكير الخلاق بعيب مشين في التربية السودانية التقليدية التي تجنح إلى خنق التفكير الإبداعي لدى الطفل، وتمج نزعته التلقائية إلى طرح أسئلة بريئة لاستكشاف الكون، ولذا تحارب استقلالية التفكير وتتعامل مع الطفل بسادية تتلذذ بإهانته اللفظية كلما رغب في التعبير عما يدور بخاطره (اسكت يا ولد)، وازدراء أفكاره (بالله شوف الحمار ده بيقول شنو؟)، وتسفيه عقله (ده كلام فارغ).. إلخ.

7. روح القمع والعقاب المفرط، وحالة الإرهاب النفسي التي يعيشها التلميذ/ الطالب في بيئة المدرسة
يُضاف إلى ما تقدم من عوامل الإرهاب النفسي اللجوء إلى الضرب المبرح بما لا يتناسب مع الخطأ أو التقصير إن وُجد، وهذا الأسلوب يزرع الخوف وعدم الثقة بالنفس في نفس التلميذ، وربما أدى إلى كراهيته العملية التعليمية بأكملها، ويذرع مدن السودان مئات الآلاف من الأشخاص من ذوي الذكاء والنباهة، ولكن تلك الممارسات السادية أدت إلى مغادرتهم مقاعد الدراسة في سن مبكرة، وخسر الوطن بذلك علماء ومخترعين وخبراء في مختلف المجالات كان بالوسع الاستفادة من إمكانياتهم.

8. تحوّل العملية التعليمية إلى نشاط تجاري، وانتشار المدارس الخاصة بديلا للتعليم الحكومي
وهذه من المخازي الكبرى لنظام الإنقاذ المدحور ونتيجة مباشرة لتقصيره في الصرف على التعليم الحكومي، حيث اضطر المقتدرون ماليا من أولياء الأمور إلى تحويل أبنائهم وبناتهم إلى المدارس الخاصة بحثا عن تأهيل أفضل، وبذلك تحولت العملية التعليمية على يد قراصنة التعليم الخاص إلى وسيلة مضمونة للإثراء السريع دون أدنى اعتبار لنبل التعليم، ورسالته المقدسة في خدمة الوطن والمجتمع وتهيئة النشء للمستقبل.
أما تلك الفئة الأقل سعة من أولياء الأمور، فتضطر فلذات أكبادهم إلى المعاناة بين فصول متهالكة الجدران والتجهيزات في الحواضر، أو ما يُسمى اعتباطا "فصولا" في الأرياف والهامش، وقائمة الحزن والعار معلومة للجميع.

لا انعتاق من ديجور التخلف دون إصلاح شامل وجذري للعملية التعليمية؛ بركانا يُفجّرُها من أصلها، ليُشيّد صرحا جديدا على أسس سليمة، ولنا في تجارب الأمم الأخرى خير معين إن أردنا التحفيز، أو بغينا الاسترشاد،

ويبقى السؤال: متى سنبدأ؟!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.